وورلد برس عربي logo

مطر الحصى سر وجود الماء على كوكب الأرض

دراسة جديدة تكشف أن الماء على الأرض قد يكون نتاجاً طبيعياً لتكوّن الكواكب بحجم الأرض عبر تفاعل مطر الحصى مع الغلاف الجوي في بدايات الكوكب. اكتشف كيف يمكن لهذه العملية أن تفسر وجود الماء بعيداً عن المذنبات والنيازك في وورلد برس عربي.

سطح الأرض المبكرة يغمره محيط من الصهارة الحمراء الساخنة مع سقوط الحصى المنصهرة في غلاف جوي كثيف وحار، مما يساهم في تكوين الماء.
تُظهر هذه الصورة سقوط حبات منصهرة من الحصى على الأرض المنصهرة. تكشف الأبحاث الحديثة والتجارب المختبرية كيف يمكن لأكسيد الحديد في هذه الحصى أن يتحول في الغلاف الجوي القديم للأرض، مما يؤدي إلى تكوين بخار الماء. حقوق الصورة: جامعة نيو مكسيكو/غاراي وآخرون 2026. ناشيونال جيوغرافيك
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-إذا صحّت نتائج دراسة جديدة، فقد لا يكون الماء على الأرض حدثاً استثنائياً، بل نتيجة شبه حتمية لولادة كوكب بحجمها. يقول زكاري شارب، أستاذ علوم الأرض والكواكب ومدير القسم في جامعة نيو مكسيكو (UNM) وأحد مؤلفي الدراسة: «الأفكار السابقة حول مصدر الماء على الأرض تعتمد على مصدر خارجي، مثل المذنّبات أو النيازك. نحن هنا نُظهر أنّ أي كوكب بحجم الأرض تقريباً ينبغي أن يمتلك الماء بفضل هذه الآلية المكتشفة حديثاً».

الدراسة نُشرت في مجلة «نيتشر جيوساينس» (Nature Geoscience) بعنوان «مطر الحصى الجاف قد يكون قد أوصل الماء إلى الأرض عبر اختزال هيدروجيني لأكسيد الحديد». وهي دراسة مخبرية تجريبية تثبت أنّ الآلية ممكنة، لكنها لا تحسم حجم إسهامها في محيطات الأرض الفعلية.

لماذا نبحث عن مصدر محلي أصلاً؟

يرى مؤلفو الدراسة أنّ «الماء حيويّ لصلاحية الكواكب للحياة، غير أنّ مصادر الماء للكواكب الأرضية وتوقيت وصوله لا يزالان موضع جدل». التفسير الأكثر تداولاً يقوم على أنّ المذنّبات والكويكبات تحمل ماءً وارتطمت بالأرض بأعداد كبيرة في عصورها المبكرة.

كوكب بحجم الأرض في مرحلة تكوّن مبكرة مع سطح مغطى بمحيط من الصهارة الحمراء الساخنة، تمثل ظروف تشكّل الماء عبر مطر الحصى في الغلاف الجوي.
Loading image...
تُظهر هذه الصورة كوكبًا شابًا في مرحلة محيط الحمم البركانية. كانت الكواكب الأرضية مثل الأرض منصهرة بالكامل عند تكوينها. ومن المحتمل أن تكون المياه قد وصلت إلى هذه الكواكب الشابة عبر المذنبات والكويكبات خلال مرحلة محيط الحمم. حقوق الصورة: ميريكانتو عبر ويكيميديا كومونز، رخصة المشاع الإبداعي CC BY-SA 4.0 https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Volcanic_planet_4_r_1.png

لكنّ هذا التفسير يواجه قيوداً زمنية وكيميائية. فعليه أن ينسجم مع توقيت الاصطدام الذي شكّل القمر، ومع فترة القصف الثقيل المتأخر (Late Heavy Bombardment)، ومع وفرة بعض العناصر في وشاح الأرض. ولا تنفي الدراسة أنّ المذنّبات والكويكبات ربما سلّمت جزءاً من ماء الأرض، لكنها تقترح مساراً آخر يعمل من الداخل.

كيف يصنع «مطر الحصى» الماء؟

تبدأ القصة مع تشكّل الكواكب الصخرية، إذ تكتسب أغلفة بدائية غنية بالهيدروجين والهيليوم من السديم الشمسي، أي سحابة الغاز التي تتكوّن منها الكواكب. وعندما تتجاوز الكتلة الأولية للكوكب نحو 0.3 من كتلة الأرض، تبدأ الكوندرولات والحصى، وأحجامها من مليمترات إلى سنتيمترات، بالهبوط ببطء عبر غلافه الجوي.

هذا الهبوط يحرّر طاقة وضع ثقالية. ووفق المؤلفين، فإنّ «طاقة الوضع الثقالية التي تُطلقها الحصى المستقرّة تُسخّن الغلاف الجوي مباشرة، ما ينتج تدرّجاً حرارياً حاداً في الغلاف، وللكواكب الكبيرة درجات حرارة مرتفعة جداً عند السطح». ويمكن أن تتجاوز حرارة السطح 3,000 كلفن، وأن يتجاوز الضغط 200 بار، أي نحو 197 ضعف الضغط عند مستوى سطح البحر. ويُضاف إلى ذلك محيط الصهارة (magma ocean) الذي يسخّن الكوكب من الأسفل.

رسم بياني يوضح تأثير ضغط الغلاف الجوي على درجة حرارة وسرعة ترسيب الحصى المعدنية والسيليكاتية في الغلاف الجوي الغني بالهيدروجين خلال تكوين الكواكب الأرضية الأولى.
Loading image...
تُظهر هذه الأشكال كيف تساقطت الحصى المنصهرة على سطح الأرض، متجاوزة الغلاف الجوي ومطلقة الغازات المتطايرة، منها الهيدروجين والهيليوم. يهرب جزء من الهيدروجين والهيليوم، بينما يتغلغل جزء آخر إلى محيط الماغما. حقوق الصورة: غراي وآخرون 2026، ناشيونال جيوغرافيك.

في هذه البيئة قد تبقى الحصى فوق درجة انصهارها ساعات أو أياماً. ومرورها قد يسبّب اختزالاً واسعاً لأكسيد الحديد (FeO)، فيُنتزع الأكسجين ويُطلق في الغلاف الجوي ويبقى الحديد المعدني. وإذا اتحد الأكسجين المتحرر مع الهيدروجين الجوي تشكّل الماء. وبتعبير الباحثين: «تُنتج هذه العمليات معاً مطراً من الحصى المنصهرة على سطح الكوكب الأولي، وفقداً للمواد المتطايرة من الحصى في الغلاف الجوي، وانحباساً للهيدروجين والهيليوم ومواد متطايرة أخرى في محيط الصهارة».

ماذا جرى داخل الفرن؟

قادت الدراسةَ الطالبةُ في الدراسات العليا بقسم علوم الأرض والكواكب في جامعة نيو مكسيكو سوسميتا غارَي (Susmita Garai)، بمشاركة شارب. وصف المؤلفون المنهج بقولهم: «لتحديد كميات اختزال الحديد في الحصى المستقرّة عبر غلاف سديمي وحركيّته، أجرينا سلسلة تجارب صُهرت فيها سيليكات مافية وفوق مافية في تيارات من غاز الهيليوم والهيدروجين». والصخور المافية وفوق المافية فئتان رئيسيتان من الصخور النارية، وكلتاهما غنية بالحديد والمغنيسيوم.

صُهرت العينات عند درجات تتراوح بين 1,200 و1,400 درجة مئوية، في تيارات هيدروجين وفي تيارات هيليوم بصورة منفصلة، وتراوحت مدة التجارب بين 15 دقيقة وثلاث ساعات. وكانت الغاية تقريب ظروف حقبة الهادي (Hadean) من عمر الأرض، وهي أقدم حقب تاريخها.

كانت النتيجة واضحة:

أنبوب اختبار زجاجي محاط بملف تسخين كهربائي في مختبر، يُستخدم لتجارب صهر الصخور عند درجات حرارة عالية لدراسة تكوين الماء عبر اختزال أكسيد الحديد.
Loading image...
تُظهر هذه الصورة جزءًا من العمل المخبري في الدراسة، حيث يظهر جهاز تجريبي يقوم بتسخين عينات من الصخور السيليكاتية. جاري وآخرون، 2026، ناشيونال جيوغرافيك.
  • في الهيدروجين تحوّل نحو 80% من أكسيد الحديد إلى حديد معدني، مع تصاعد بخار الماء.

  • في الهيليوم لم يحدث التفاعل أصلاً، أي أنّ الهيدروجين هو العامل الحاسم.

ويقول شارب عن صعوبة العمل: «لتقييم إمكانية أن يكون "مطر الحصى" مصدراً للماء، احتجنا إلى تصميم وتنفيذ تجارب شديدة الصعوبة عند درجات حرارة عالية. وقد أثمرت جهود الدكتورة غاري كثيراً، إذ وجدت أنّ الماء يتكوّن في دقائق فقط في البيئة الحارة للغلاف الجوي للأرض المبكرة».

كم محيطاً يمكن أن ينتج؟ وأين حدود الرقم؟

حسب الباحثون كفاءة الاختزال فوجدوها تعتمد على نسبة المعدن في الحصى. واستخدموا لتقدير الحصيلة المائية تركيبين للحصى، سمّوهما A وB، مأخوذين من أبحاث سابقة. وتقول الدراسة: «الاختزال الجزئي لأكسيد الحديد في الحصى بهذه الكفاءات يُنتج كميات هائلة من الماء»، وتضيف: «عند الكفاءة القصوى يُنتَج عدّة مئات من كتل المحيطات من الماء من التركيب A، وعشرات الكتل من التركيب B».

مخططات توضح كميات الماء المحتملة الناتجة من اختزال أكسيد الحديد في الحصى داخل الغلاف الجوي لكوكب بحجم الأرض، مع تأثير نسبة المعدن والأكسجين في النواة.
Loading image...
تُظهر هذه اللوحات كمية المياه التي تعادل محيطات عدة، والتي تنتجها الحصى ذات التراكيب المختلفة وتركيزات الحديد المتفاوتة. حقوق الصورة: غاراي وآخرون، 2026، ناشيونال جيوغرافيك.

ويعلّق شارب: «كنا نتوقّع ونأمل أن ننتج حديداً معدنياً وماءً في تجارب الاختزال، لكن لم نكن نملك وسيلة لمعرفة السرعة والكمية. فوجئنا بأنّ استقراء عملنا يشير إلى أنّ مئات المحيطات من الماء أُنتجت على الأرجح بهذه الطريقة. حين تنظر إلى مسطّح مائي كبير، يصعب أن تتخيّل أنّ هذا الماء ربما تكوّن قبل 4.5 مليار سنة في غلاف جوي أشبه بالجحيم، لكنه قد يكون كذلك فعلاً».

هذه الأرقام أقصى ما تسمح به الحسابات، لا حصيلة مؤكدة. فالمؤلفون يشدّدون على أنّ «صافي الكسب المائي يعتمد بقوة على كمية الماء المنتَج التي تُستخرج بالعادم إلى السديم». ويقرّون كذلك بأنّ فقداً لاحقاً للماء عبر الهروب الجوي ممكن، لكنهم يرون أنّ «الماء المنتج خلال مطر الحصى يمثّل خطوة مبكرة وأساسية في تطوّر كوكب صالح للحياة». أما مقدار ما بقي من هذا الماء في محيطات الأرض اليوم فيحتاج إلى مزيد من البحث، كما تحتاج مساهمته إلى مقارنة بما قد تكون المذنّبات والكويكبات أضافته.

ما الذي يعنيه ذلك لكواكب أخرى؟

الآلية لا تخصّ الأرض وحدها، فقد تنطبق على كواكب أخرى بحجمها، وربما على المريخ. ويربط شارب ذلك بفكرة تراكم الحصى: «فكرة تراكم الحصى ما زالت جديدة نسبياً، فعمرها عقد واحد فقط. لكنها تبدو قادرة على حلّ كثير من المشكلات القائمة في النموذج السائد لتكوّن الكواكب. والآن نرى أنها قد تفسّر أيضاً سبب صلاحية كوكبنا للحياة. وبالتبعية، من المعقول أن نتوقع أنّ أجساماً أخرى بحجم الأرض تدور حول نجوم أخرى ستمتلك الماء، وربما الحياة».

يبقى هذا استنتاجاً من تجارب مخبرية واستقراء حسابي، لا رصداً مباشراً لكوكب فتيّ. وأصل ماء الأرض ما زال موضوع بحث مفتوحاً. والسؤال المطروح الآن هو كم من محيطاتنا وُلد في ذلك الغلاف الجهنمي، وكم جاء من السماء.

أخبار ذات صلة

Loading...
مرصد أريسيبو الراديوي تحت سماء الليل الصافية مع درب التبانة، يستخدم في أبحاث SETI وMETI للبحث عن ذكاء فضائي والتواصل معه.

تاريخ محاولات التواصل مع الحضارات الفضائية: من الكواكب إلى النجوم

في رحلة البحث عن ذكاء خارج الأرض، أرسلت رسالة أريسيبو عام 1974 لتعلن وجودنا، لكن هل نحن مستعدون لمخاطر التواصل مع حضارات فضائية؟ اكتشف المزيد الآن!
علوم
Loading...
رائد الفضاء ريد وايزمان يرتدي زي ناسا الأزرق مع نظارات شمسية، بعد تعيينه نائب مدير مختبر الدفع النفاث JPL.

رئيس بعثة أرتيميس الثانية ريد ويزمان نائباً لمدير مختبر الدفع النفاث بـ NASA

ريد ويزمان، قائد مهمة Artemis II، يتولى منصب نائب مدير مختبر الدفع النفاث JPL، ليقود مستقبل استكشاف الفضاء ويحقق إنجازات ناسا القادمة. اكتشف المزيد الآن!
علوم
Loading...
نجم قزم أبيض محاط بحلقتين من الحطام الكوكبي، يمثل بقايا نظام كوكبي معقد بعد موت النجم.

مقبرة الكواكب الميتة تحذّر من مصير نظامنا الشمسي

اكتشاف فريد يكشف بقاء كوكبيْن صغيريْن حول نجم ميت بنظام حطام مزدوج معقد، يفتح نافذة على مصير كوكبنا بعد موت الشمس. اكتشف المزيد الآن!
علوم
Loading...
ذيل غبار أسود غني بالكربون يمتد من قرص نجم بيتا الرسّام، ناتج عن تصادم أجسام بحجم بلوتو في نظام نجمي بعيد.

اصطدام كوكبين قزميين خلق نجم فتي بطول ألف وحدة فلكية

اكتشف العلماء في نظام بيتا الرسّام ذيلًا غامضًا من الحطام الكربوني الأسود ناتج عن تصادم أجسام ضخمة يشبه بلوتو، ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم تكوين الكواكب. تابع التفاصيل المثيرة!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية