مطر الحصى سر وجود الماء على كوكب الأرض
دراسة جديدة تكشف أن الماء على الأرض قد يكون نتاجاً طبيعياً لتكوّن الكواكب بحجم الأرض عبر تفاعل مطر الحصى مع الغلاف الجوي في بدايات الكوكب. اكتشف كيف يمكن لهذه العملية أن تفسر وجود الماء بعيداً عن المذنبات والنيازك في وورلد برس عربي.

-إذا صحّت نتائج دراسة جديدة، فقد لا يكون الماء على الأرض حدثاً استثنائياً، بل نتيجة شبه حتمية لولادة كوكب بحجمها. يقول زكاري شارب، أستاذ علوم الأرض والكواكب ومدير القسم في جامعة نيو مكسيكو (UNM) وأحد مؤلفي الدراسة: «الأفكار السابقة حول مصدر الماء على الأرض تعتمد على مصدر خارجي، مثل المذنّبات أو النيازك. نحن هنا نُظهر أنّ أي كوكب بحجم الأرض تقريباً ينبغي أن يمتلك الماء بفضل هذه الآلية المكتشفة حديثاً».
الدراسة نُشرت في مجلة «نيتشر جيوساينس» (Nature Geoscience) بعنوان «مطر الحصى الجاف قد يكون قد أوصل الماء إلى الأرض عبر اختزال هيدروجيني لأكسيد الحديد». وهي دراسة مخبرية تجريبية تثبت أنّ الآلية ممكنة، لكنها لا تحسم حجم إسهامها في محيطات الأرض الفعلية.
لماذا نبحث عن مصدر محلي أصلاً؟
يرى مؤلفو الدراسة أنّ «الماء حيويّ لصلاحية الكواكب للحياة، غير أنّ مصادر الماء للكواكب الأرضية وتوقيت وصوله لا يزالان موضع جدل». التفسير الأكثر تداولاً يقوم على أنّ المذنّبات والكويكبات تحمل ماءً وارتطمت بالأرض بأعداد كبيرة في عصورها المبكرة.
لكنّ هذا التفسير يواجه قيوداً زمنية وكيميائية. فعليه أن ينسجم مع توقيت الاصطدام الذي شكّل القمر، ومع فترة القصف الثقيل المتأخر (Late Heavy Bombardment)، ومع وفرة بعض العناصر في وشاح الأرض. ولا تنفي الدراسة أنّ المذنّبات والكويكبات ربما سلّمت جزءاً من ماء الأرض، لكنها تقترح مساراً آخر يعمل من الداخل.
كيف يصنع «مطر الحصى» الماء؟
تبدأ القصة مع تشكّل الكواكب الصخرية، إذ تكتسب أغلفة بدائية غنية بالهيدروجين والهيليوم من السديم الشمسي، أي سحابة الغاز التي تتكوّن منها الكواكب. وعندما تتجاوز الكتلة الأولية للكوكب نحو 0.3 من كتلة الأرض، تبدأ الكوندرولات والحصى، وأحجامها من مليمترات إلى سنتيمترات، بالهبوط ببطء عبر غلافه الجوي.
هذا الهبوط يحرّر طاقة وضع ثقالية. ووفق المؤلفين، فإنّ «طاقة الوضع الثقالية التي تُطلقها الحصى المستقرّة تُسخّن الغلاف الجوي مباشرة، ما ينتج تدرّجاً حرارياً حاداً في الغلاف، وللكواكب الكبيرة درجات حرارة مرتفعة جداً عند السطح». ويمكن أن تتجاوز حرارة السطح 3,000 كلفن، وأن يتجاوز الضغط 200 بار، أي نحو 197 ضعف الضغط عند مستوى سطح البحر. ويُضاف إلى ذلك محيط الصهارة (magma ocean) الذي يسخّن الكوكب من الأسفل.
في هذه البيئة قد تبقى الحصى فوق درجة انصهارها ساعات أو أياماً. ومرورها قد يسبّب اختزالاً واسعاً لأكسيد الحديد (FeO)، فيُنتزع الأكسجين ويُطلق في الغلاف الجوي ويبقى الحديد المعدني. وإذا اتحد الأكسجين المتحرر مع الهيدروجين الجوي تشكّل الماء. وبتعبير الباحثين: «تُنتج هذه العمليات معاً مطراً من الحصى المنصهرة على سطح الكوكب الأولي، وفقداً للمواد المتطايرة من الحصى في الغلاف الجوي، وانحباساً للهيدروجين والهيليوم ومواد متطايرة أخرى في محيط الصهارة».
ماذا جرى داخل الفرن؟
قادت الدراسةَ الطالبةُ في الدراسات العليا بقسم علوم الأرض والكواكب في جامعة نيو مكسيكو سوسميتا غارَي (Susmita Garai)، بمشاركة شارب. وصف المؤلفون المنهج بقولهم: «لتحديد كميات اختزال الحديد في الحصى المستقرّة عبر غلاف سديمي وحركيّته، أجرينا سلسلة تجارب صُهرت فيها سيليكات مافية وفوق مافية في تيارات من غاز الهيليوم والهيدروجين». والصخور المافية وفوق المافية فئتان رئيسيتان من الصخور النارية، وكلتاهما غنية بالحديد والمغنيسيوم.
صُهرت العينات عند درجات تتراوح بين 1,200 و1,400 درجة مئوية، في تيارات هيدروجين وفي تيارات هيليوم بصورة منفصلة، وتراوحت مدة التجارب بين 15 دقيقة وثلاث ساعات. وكانت الغاية تقريب ظروف حقبة الهادي (Hadean) من عمر الأرض، وهي أقدم حقب تاريخها.
كانت النتيجة واضحة:
في الهيدروجين تحوّل نحو 80% من أكسيد الحديد إلى حديد معدني، مع تصاعد بخار الماء.
في الهيليوم لم يحدث التفاعل أصلاً، أي أنّ الهيدروجين هو العامل الحاسم.
ويقول شارب عن صعوبة العمل: «لتقييم إمكانية أن يكون "مطر الحصى" مصدراً للماء، احتجنا إلى تصميم وتنفيذ تجارب شديدة الصعوبة عند درجات حرارة عالية. وقد أثمرت جهود الدكتورة غاري كثيراً، إذ وجدت أنّ الماء يتكوّن في دقائق فقط في البيئة الحارة للغلاف الجوي للأرض المبكرة».
كم محيطاً يمكن أن ينتج؟ وأين حدود الرقم؟
حسب الباحثون كفاءة الاختزال فوجدوها تعتمد على نسبة المعدن في الحصى. واستخدموا لتقدير الحصيلة المائية تركيبين للحصى، سمّوهما A وB، مأخوذين من أبحاث سابقة. وتقول الدراسة: «الاختزال الجزئي لأكسيد الحديد في الحصى بهذه الكفاءات يُنتج كميات هائلة من الماء»، وتضيف: «عند الكفاءة القصوى يُنتَج عدّة مئات من كتل المحيطات من الماء من التركيب A، وعشرات الكتل من التركيب B».
ويعلّق شارب: «كنا نتوقّع ونأمل أن ننتج حديداً معدنياً وماءً في تجارب الاختزال، لكن لم نكن نملك وسيلة لمعرفة السرعة والكمية. فوجئنا بأنّ استقراء عملنا يشير إلى أنّ مئات المحيطات من الماء أُنتجت على الأرجح بهذه الطريقة. حين تنظر إلى مسطّح مائي كبير، يصعب أن تتخيّل أنّ هذا الماء ربما تكوّن قبل 4.5 مليار سنة في غلاف جوي أشبه بالجحيم، لكنه قد يكون كذلك فعلاً».
هذه الأرقام أقصى ما تسمح به الحسابات، لا حصيلة مؤكدة. فالمؤلفون يشدّدون على أنّ «صافي الكسب المائي يعتمد بقوة على كمية الماء المنتَج التي تُستخرج بالعادم إلى السديم». ويقرّون كذلك بأنّ فقداً لاحقاً للماء عبر الهروب الجوي ممكن، لكنهم يرون أنّ «الماء المنتج خلال مطر الحصى يمثّل خطوة مبكرة وأساسية في تطوّر كوكب صالح للحياة». أما مقدار ما بقي من هذا الماء في محيطات الأرض اليوم فيحتاج إلى مزيد من البحث، كما تحتاج مساهمته إلى مقارنة بما قد تكون المذنّبات والكويكبات أضافته.
ما الذي يعنيه ذلك لكواكب أخرى؟
الآلية لا تخصّ الأرض وحدها، فقد تنطبق على كواكب أخرى بحجمها، وربما على المريخ. ويربط شارب ذلك بفكرة تراكم الحصى: «فكرة تراكم الحصى ما زالت جديدة نسبياً، فعمرها عقد واحد فقط. لكنها تبدو قادرة على حلّ كثير من المشكلات القائمة في النموذج السائد لتكوّن الكواكب. والآن نرى أنها قد تفسّر أيضاً سبب صلاحية كوكبنا للحياة. وبالتبعية، من المعقول أن نتوقع أنّ أجساماً أخرى بحجم الأرض تدور حول نجوم أخرى ستمتلك الماء، وربما الحياة».
يبقى هذا استنتاجاً من تجارب مخبرية واستقراء حسابي، لا رصداً مباشراً لكوكب فتيّ. وأصل ماء الأرض ما زال موضوع بحث مفتوحاً. والسؤال المطروح الآن هو كم من محيطاتنا وُلد في ذلك الغلاف الجهنمي، وكم جاء من السماء.
أخبار ذات صلة

تاريخ محاولات التواصل مع الحضارات الفضائية: من الكواكب إلى النجوم

رئيس بعثة أرتيميس الثانية ريد ويزمان نائباً لمدير مختبر الدفع النفاث بـ NASA

مقبرة الكواكب الميتة تحذّر من مصير نظامنا الشمسي
