تخفيضات المساعدات تقتل أمهات ورضع نيبال الصامتة
تخفيضات المساعدات الأمريكية أدت إلى انهيار برامج صحة الأم والطفل في نيبال وارتفاع وفيات الأمهات والرضع. قصص مأساوية تكشف كيف توقف الدعم عن النساء الفقيرات وحرمهن من الرعاية الأساسية في لحظات حاسمة وورلد برس عربي





في مقاطعة غاور النيبالية، بدأت أرقامٌ صادمة تتراكم في سجلّات المستشفيات والمراكز الصحية: وفيات أمهاتٍ خلال الولادة، ورضّعٌ لم يُكملوا أسبوعهم الأول. ما الذي تغيّر؟ الجواب، وفق ما رُصد في تحقيقٍ ميداني، يعود إلى قرارٍ اتُّخذ على بُعد آلاف الكيلومترات: قرار إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump بتفكيك وكالة التنمية الدولية الأمريكية (USAID) وخفض مخصّصات المساعدات الخارجية.
برامج صحة الأم والطفل: الانهيار الصامت
كانت USAID تُعدّ أكبر جهةٍ مانحة إنسانية في العالم. وحين قرّرت إدارة Trump حلّها العام الماضي، لم يكن ذلك مجرّد قرارٍ إداري — بل كان ضربةً مباشرة لبرامج التغذية وصحة الأم والطفل في عشرات الدول. وفق منظمة الصحة العالمية، أجبرت تخفيضات التمويل الأمريكية — التي أعقبتها تخفيضاتٌ مماثلة من دولٍ مانحة أخرى — 60% من منظمات المرأة على تقليص خدماتها.
في نيبال تحديداً، أدّت هذه التخفيضات إلى إغلاق برامج التغذية التي كانت توفّر مكمّلاتٍ غذائية وأغذية أساسية للنساء الحوامل من الفئات الفقيرة، فضلاً عن إنهاء برنامجٍ كان يُجهّز مراكز الولادة بالمعدّات والأدوية ويُدرّب الممرّضات والقابلات وعاملات التوعية الصحية. هؤلاء العاملات كنّ يزرن النساء الحوامل في منازلهن بانتظام، يشرحن لهن علامات المضاعفات الخطيرة، ويُرافقنهن إلى مواعيد الرعاية السابقة للولادة. في سنواته الثلاث الأولى، وصل هذا البرنامج إلى 100,000 امرأة وفتاة في أرجاء نيبال.
وزارة الخارجية الأمريكية تقول إنها لا تزال تدعم برامج لتحسين صحة الأم والطفل في نيبال. غير أن عاملين صحيين ومسؤولين حكوميين وعمّال إغاثة وعائلاتٍ نيبالية يصفون الأثر الفعلي للتخفيضات بأنه «كارثيٌّ وقاتل».
الثمن البشري: أرقامٌ لا يمكن تجاهلها
التداعيات لم تقتصر على نيبال. مؤسسة Gates توقّعت أن يكون عام 2025 هو أول عامٍ في هذا القرن ترتفع فيه وفيات الأطفال، وذلك بسبب تراجع تمويل المساعدات الخارجية من الولايات المتحدة ودولٍ أخرى.
على الأرض النيبالية، أفضى إغلاق البرامج إلى معادلةٍ قاسية: نساءٌ حوامل يعانين من سوء التغذية، ويجدن أنفسهن أمام منظومةٍ صحية يصعب عليهن فهمها أو الوثوق بها. النتيجة؟ تأخّرٌ في اكتشاف المضاعفات، وحالاتٌ طارئة كان يمكن تفاديها.
تقول Mona Sherpa، المديرة القُطرية لمنظمة CARE Nepal التي فقدت أكثر من نصف تمويلها جرّاء التخفيضات الأمريكية: "عدد وفيات الأمهات الشابات خلال الولادة ارتفع فعلاً. ما كان يُتوقَّع أن يحدث في سنةٍ كاملة بات يحدث في أربعة إلى ستة أشهر".
الرضّع أيضاً يدفعون الثمن. في قرية Prempur Gonahi، يقول المسؤول المحلي Sadho Baitha إنه لم يمضِ سوى 10 أشهر على إلغاء البرنامج — أي أقلّ بقليلٍ من مدة حمل كاملة — حتى عادت وفيات حديثي الولادة من جديد. قبل انطلاق برنامج CARE في منطقة Rautahat في ديسمبر 2022، كانت القرية تُسجّل ما بين 10 و15 وفاةً نيوناتالية سنوياً. بحلول عام 2024، أصبح الرقم صفراً. لكن منذ إلغاء البرنامج، عادت الوفيات: الأولى في ديسمبر، وأربعٌ أخرى بحلول مارس.
ثمّة جانبٌ آخر يزيد المشهد قتامةً: كثيرٌ من الوفيات المرتبطة بهذه التخفيضات ستبقى بلا توثيق، لأن التخفيضات ذاتها أفضت إلى فقدان عشرات جامعي البيانات الوبائية لوظائفهم. في بعض المناطق، لم يعد ثمّة من يُحصي الموتى.
قصة Kabita: حين يتأخّر الوصول دقيقةً واحدة
معظم النساء اللواتي استفدن من هذه البرامج الملغاة هنّ فقيراتٌ ومحدودات التعليم وبعيداتٌ عن الخدمات. حتى حين يصلن إلى طبيب، يجدن صعوبةً في فهم ما يقوله.
Kabita Mukhiya كانت شابةً في العشرين من عمرها، تعيش في قريةٍ فقيرة قرب الحدود الهندية. حين حملت، عانت من آلامٍ بطنية حادة وتورّمٍ شديد وحالةٍ من الهذيان. كانت تعاني كذلك من الجوع؛ إذ أُلغيت المكمّلات الغذائية والأغذية التي كانت تتلقّاها في حملٍ سابق بسبب التخفيضات. وعاملات التوعية اللواتي كنّ يزرن قريتها توقّفن عن المجيء.
لم تُدرك Mukhiya أن ما تعانيه يُمثّل حالةً طارئة، فمكثت في منزلها أسابيع قبل أن تأخذها عمّتها إلى المستشفى. كان الوقت قد فات: ماتت هي وجنينها معاً. السبب؟ مضاعفات تسمّم الحمل (الإيكلامبسيا) مع فقرٍ حادٍّ في الدم — وكلا الحالتين قابلتان للكشف والإدارة عبر رعايةٍ منتظمة سابقة للولادة.
تقول Rajkumari Patel، التي عملت عاملةَ توعية ضمن برنامج CARE الملغى: "كنتُ سأسألها: هل الجنين يتحرّك؟ متى آخر مرة أحسستِ بحركته؟ كنتُ سأفحص تورّم يديها ووجهها. كنتُ سأنظر في عينيها لأرى علامات فقر الدم. هذه هي العلامات التي كنتُ سأُلاحظها في Kabita وأقول: هذه المرأة تحتاج إلى مستشفى اليوم — لا غداً. ربما كان بإمكاننا إنقاذ حياتها".
ما تكشفه هذه الأرقام والقصص ليس مجرّد أزمةٍ إنسانية في بلدٍ نامٍ بعيد — بل هو درسٌ في الوبائيات السياسية: حين تُقطع خيوط الرعاية الوقائية، لا يتوقّف الضرر عند الميزانيات، بل يصل إلى أجسادٍ حيّة وأرواحٍ لم تُعطَ فرصةً للنجاة.
أخبار ذات صلة

تفشّي نادر لفيروس إيبولا: ما تحتاج إلى معرفته

الجراح الفلسطيني أبو السِتّة يعالج جروح الأطفال الحربية في لبنان

الآلاف يفرّون من الجفاف المستمرّ في الصومال وسط تفاقم الجوع وتراجع المساعدات
