وورلد برس عربي logo

تأثير الصراع الأمريكي الإيراني على السلام في السودان

تسعى باكستان لوقف القتال بين أمريكا وإسرائيل وإيران، لكن التوترات تزداد. كيف يؤثر هذا الصراع على السلام في السودان؟ المقال يستكشف تأثير الدبلوماسية المتلاشية على مستقبل البلاد وأهمية موقعها الاستراتيجي.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تُطفئ أضواء أزمة السودان
A Sudanese soldier carries anti-tank rockets seized from a base that had been used by the rival Rapid Support Forces, in the Salha area of Omdurman, on 26 May 2025 (Ebrahim Hamid/AFP)
التصنيف:Sudan War
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-بعد ستة أسابيع من التصعيد المتواصل في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، نجحت باكستان في رعاية هدنة هشّة مدّتها أسبوعان في مطلع أبريل، تبعتها محادثات سلام عُقدت نهاية الأسبوع الماضي في إسلام آباد.

غير أنّ المنطقة لا تزال على حافة الانزلاق؛ إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu أنّ تل أبيب تضع إصبعها على الزناد وقادرةٌ على استئناف الحرب في أيّ لحظة، فيما حذّر الرئيس الأمريكي Donald Trump من عواقب مدمّرة إذا أخفقت المفاوضات.

لا يسير هذا الصراع وفق سيناريو محدّد المعالم؛ فهو يتشكّل في الوقت الفعلي بوصفه مواجهةً مفتوحة تتردّد تداعياتها الاستراتيجية عبر جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، بما في ذلك السودان، حيث دمّرت حربٌ أهلية مستمرة مؤسسات الدولة، وهجّرت الملايين، وأجهضت آمالاً هشّة في السلام الداخلي.

قد لا يبدو الربط بين هذا الصراع البعيد وأوضاع السودان بديهياً، لكنّه ضروري. من تشتّت الدبلوماسية إلى إعادة رسم التحالفات الإقليمية والصدمات الاقتصادية، تُعيد الحرب الأمريكية الإيرانية تشكيل الحوافز والقيود التي كانت ترسم ملامح المسار السياسي السوداني وآفاق السلام فيه.

عندما تتشتّت الدبلوماسية

لم تكن عملية السلام السودانية الهشّة يوماً بمنأى عن التأثير الخارجي. فعلى مدى العامين الماضيين، كانت الضغوط الدبلوماسية الأمريكية والخليجية والأوروبية ومساعي مبعوثي الأمم المتحدة تُشكّل العمود الفقري لإبقاء محادثات وقف إطلاق النار حيّة، والحفاظ على مظهر التفاوض بين الأطراف المتحاربة.

بيد أنّ اندلاع الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما أعقبها من ردٍّ إيراني واسع النطاق، يعني أنّ الطاقة الاستراتيجية لواشنطن باتت محدودة بشكل متزايد. تُعيد العواصم الكبرى توجيه اهتمامها الدبلوماسي نحو منع التصعيد الإقليمي، وإدارة التحالفات العسكرية، واحتواء تبادل الصواريخ عبر الحدود.

وحين تنشغل القوى الكبرى بأزمات أكثر إلحاحاً، يتراجع اهتمامها بالصراعات الأخرى، وتضمر معه أوراق الضغط.

ما قد لا يظهر في العنوان هو أنّ مفاوضات السلام السودانية تقوم أساساً على هذه الأوراق: ضغط العقوبات، وحوافز الانسحاب العسكري، وتهديد العزلة الدبلوماسية. فانشغال واشنطن يُخفّف من تكلفة عدم الامتثال على المتحاربين السودانيين. وعندما يتشتّت الاهتمام الدولي، كثيراً ما تُضاعف أطراف النزاع رهاناتها بدلاً من أن تتّجه نحو التسوية.

إعادة رسم التحالفات الإقليمية

في عام 2011 مثلاً، حين انصبّ الاهتمام الدولي على انتفاضات القاهرة وتونس، انهار الاهتمام الدبلوماسي بدارفور مؤقتاً ، وعادت موجة العنف من جديد. أتاح تخلّي القوى الكبرى عن الملف الصراعات المحلية أن تتعمّق وجهود الوساطة الدولية أن تتعثّر.

الدرس واضح: الصراعات الهامشية تزداد اشتعالاً لا هدوءاً حين يتّجه الاهتمام الدولي إلى مكانٍ آخر.

يواجه السودان اليوم المخاطرة ذاتها. فمع انشغال صانعي السياسة الأمريكيين بإدارة الأزمة الإقليمية، يتراجع الضغط على الفصائل المتحاربة. وهذا التأخير لا يُبطئ السلام فحسب، بل يُعيد تشكيل حوافز التفاوض على أرض الواقع.

يُعرّض الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسودان البلادَ لشكلٍ آخر من أشكال الهشاشة. فساحله على البحر الأحمر وسيطرته على بورت سودان يضعانه في قلب واحدة من أهمّ الممرات البحرية في العالم. ما يصل إلى 15% من التجارة العالمية يعبر ممرّ قناة السويس، وهو مسارٌ تعتمد عليه أسواق النفط وسلاسل التوريد الدولية. أيّ اضطراب هنا تتردّد تداعياته على نطاق واسع.

مع تصاعد المخاوف المتعلّقة بأمن الملاحة البحرية والطاقة في أعقاب فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وبينما دول الخليج في مرمى النيران مباشرةً، تتغيّر معادلات التدخّل الخارجي. قد يتحوّل السودان من صراعٍ هامشي إلى ورقةٍ استراتيجية، أصلاً يُراد تأمينه، أو عبئاً يُراد تفاديه. الجهات الخارجية التي موّلت ذات يومٍ مسارات السلام أو مشاريع إعادة الإعمار قد تُحوّل اهتمامها نحو ضمان بقاء بورت سودان مفتوحاً وآمناً وخارج نطاق النفوذ المنافس.

هذا الإطار المُعاد تشكيله سيحمل تبعاتٍ حقيقية على السياسة الداخلية السودانية. إذا نظرت القوى الخارجية إلى السودان من منظور أمن الملاحة البحرية، فإنّ أهدافها السياسية ستنتقل من دعم التحوّل الديمقراطي إلى الاستقرار التعاملي. وقد يجد المجتمع المدني والمدافعون عن السلام أنفسهم على الهامش، في مقابل مصالح جيوسياسية ضيّقة.

في الوقت ذاته، قد تُعيد القوى الإقليمية المهدَّدة بالتمدّد الإيراني رسم تحالفاتها. دول الخليج، التي استثمرت طويلاً في التوازنات الفصائلية السودانية، قد تُعمّق انخراطها العسكري لمواجهة طهران، أو تنسحب لحماية مصالحها الأساسية الأقرب إلى الوطن. في كلا السيناريوين، ستتغيّر طبيعة شبكات الدعم الخارجي التي أسهمت في تشكيل مسار الحرب السودانية والتأثير فيه.

هذا التحوّل لن يُفضي إلى السلام تلقائياً. بل سيُشعل التنافس على النفوذ، ويُغذّي مزيداً من التشرذم إذا انحازت الفصائل السودانية إلى رعاةٍ خارجيين متنافسين.

الصدمات الاقتصادية

لا تعيش الصراعات في معزلٍ عن القوى الاقتصادية، والتوترات الإقليمية الراهنة تُغذّي بالفعل تقلّبات في أسواق النفط العالمية. ارتفاع أسعار الطاقة، وشُحّ سلاسل التوريد، وعلاوات المخاطر، كلّها تُهدّد بتفاقم البيئة الاقتصادية في دولٍ هشّة كالسودان.

كانت المالية العامة السودانية في حالة انهيار حرّ قبل الحرب، ولم تزدد إلا تردّياً منذ اندلاعها. التضخّم الجامح، وأزمة الوقود، وجموح أسعار الغذاء، كلّها تُراكم الضغط فوق الأزمة الإنسانية القائمة. في هذا السياق، تُثقل الصدمات الاقتصادية الخارجية كارتفاع أسعار النفط عالمياً كاهل الأسر السودانية والخدمات العامة بشكل مضاعف.

الإشارة الأضعف هنا، والأكثر خطورة على المدى البعيد، هي الأثر على اقتصادات الحرب. فالتدهور الاقتصادي يُعزّز منطق السيطرة على الموارد؛ إذ يتحوّل التحكّم في الوقود المهرَّب ومناجم الذهب ونقاط التفتيش على طرق التجارة والموانئ إلى استراتيجية بقاء. في هذه البيئة، قد ترى الجماعات المسلّحة في استمرار الصراع خياراً أكثر عقلانيةً اقتصادياً من التسوية.

فضلاً عن ذلك، قد يتراجع الدعم المالي الخارجي، حين تواجه الشركاء الدوليون ضغوطاً على موازناتهم مرتبطة بإدارة الأزمة الإقليمية. دول الخليج المنشغلة بنفقات الدفاع وعلاوات المخاطر قد تُقلّص تمويلها للوكلاء السودانيين. والحكومات الغربية المنشغلة بمنع اتّساع رقعة الصراع الإقليمي قد تُعيد توجيه المساعدات الخارجية وأموال بناء السلام نحو أولوياتٍ أخرى.

المحصّلة هي تصلّب حوافز الصراع. حين يرتبط البقاء الاقتصادي بالسيطرة على موارد متنازَع عليها، لا سيّما في غياب خططٍ اقتصادية موثوقة لمرحلة ما بعد الحرب، يغدو منطق نزع السلاح أو التفاوض غير مُجدٍ في نظر الأطراف المتحاربة.

ثلاثة سيناريوهات لمسار السودان

الحرب الأمريكية الإيرانية إذن ليست مجرّد بؤرة توتّر إقليمية. إنّها تُشكّل تهديداً جدّياً للبنية السياسية والأمنية الهشّة في السودان. فحملةٌ مفتوحة النهاية يُقدّمها Trump باعتبارها تستلزم تركيزاً مستداماً يرافقها ردٌّ إيراني مضادّ عبر الخليج تُضيّق هامش الاهتمام الدولي بالأزمات الأخرى، وتُعيد تشكيل الحوافز الخارجية، وتُفاقم الضغوط الاقتصادية التي تُعزّز اقتصادات الحرب على حساب السلام.

ثلاثة سيناريوهات تبدو الأكثر واقعيةً في ضوء هذه المعطيات:

الأرجح : استمرار تشتّت الاهتمام الدولي طوال فترة الأزمة الأمريكية الإيرانية، مع تراجع ملموس في الضغط الدبلوماسي على الأطراف السودانية، وتعمّق اقتصادات الحرب محلياً.

المحتمل: إعادة توجيه الدعم الخليجي نحو أهداف أمن بحري ضيّقة في بورت سودان، مع تراجع التمويل المخصّص لمسارات السلام والإعمار.

الأقلّ احتمالاً : أن تُفضي الأزمة الإقليمية إلى إعادة تقييم استراتيجي يمنح السودان أهمّيةً جديدة بوصفه ورقةً في التوازنات الكبرى، ممّا يُعيد تفعيل الضغط الدولي من زاوية مختلفة.

مستقبل السودان لن تُحدّده الصواريخ فوق طهران أو الطائرات المسيّرة فوق الخليج. لكنّ التحوّلات الاستراتيجية التي تُطلقها تلك المواجهات، تراجع النفوذ الدبلوماسي، وإعادة تعريف الأولويات الجيوسياسية، والصدمات الاقتصادية المزعزِعة ستُلوّن السياق الذي تتطوّر فيه الحرب السودانية ومسار السلام.

وفي الوقت الذي انعقد فيه مؤتمر السودان الدولي الثالث هذا الأسبوع في برلين، يجب أن يمتدّ النقاش إلى ما هو أبعد من قاعة الاجتماعات، ليتناول الكيفية التي تُعيد بها المواجهة الأمريكية الإيرانية تشكيل آفاق السودان. فهذا الصراع ليس مجرّد بؤرة توتّر نائية، بل هو محرّكٌ فعليّ للأزمة الإنسانية السودانية.

وإذا كانت المنابر الدولية جادّةً في مواجهة هذه الحقيقة، فعليها أن ترفض الفصل الزائف بين الحروب «الرئيسية» و«الثانوية». في بيئة الأمن المترابطة اليوم، لا يوجد صراعٌ في معزل وتجاهل هذه الروابط النظمية يُخاطر بأن تتعمّق حرب السودان في ظلّ القوى الكبرى، بعيداً عن الأضواء.

الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية