تراجع ميزانية حفظ السلام يهدد استقرار العالم
ميزانية عمليات حفظ السلام الأممية تهبط لأدنى مستوياتها منذ 25 عاماً بسبب تأخر كبار المانحين في التمويل مما يهدد تقليص البعثات وزيادة النزاعات. تعرف على تداعيات الأزمة في تقرير وورلد برس عربي.

هبطت ميزانية عمليات حفظ السلام الأممية وأعداد كوادرها إلى أدنى مستوياتها منذ 25 عاماً خلال العام الماضي، بعد أن أخفق كبار المانحين في مقدّمتهم الولايات المتحدة في الوفاء بالتزاماتهم الإلزامية في مواعيدها المحدّدة. هذا ما كشف عنه تقريرٌ صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (Sipri).
جاء الإفراج عن هذه البيانات قُبيل اليوم الدولي لحفظة السلام الأمميين الذي يُحتفل به يوم الجمعة.
ففي يوليو 2025، كان نحو 35% من ميزانية الأمم المتحدة المخصّصة لحفظ السلام والبالغة 5.6 مليار دولار لا يزال مفقوداً، ممّا اضطرّ عدداً من البعثات إلى تقليص كوادرها البشرية.
وبحلول 31 ديسمبر 2025، لم يتجاوز عدد العاملين الدوليين المنتشرين في عمليات السلام 78,633 شخصاً، وهو ما يمثّل انخفاضاً بنسبة 49% مقارنةً بعام 2016، ويُعدّ الأدنى على الإطلاق منذ عام 2000 على الأقل، وفق ما أشار إليه Sipri. وبينما كانت الأعداد في تراجعٍ مستمرّ طوال العقد الماضي، شهد العام الماضي أحدّ انخفاضٍ سنوي بنسبة 17%.
وقال جاير فان دير لاين، مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في Sipri، معلّقاً على نتائج التقرير: "إذا استمرّت الأمور على هذا النحو، فقد نشهد إضعافاً دراماتيكياً لإدارة النزاعات متعدّدة الأطراف، وتهميشاً شبه كامل لمؤسّساتٍ كالأمم المتحدة، نتيجة عاصفةٍ مثالية من العوامل التمويلية والسياسية والجيوسياسية."
وأضاف: "الأرجح أن تكون النتيجة مزيداً من النزاعات، وأن تُلقي هذه النزاعات بظلالٍ أشدّ وطأةً على المدنيين، مع تخلّي الدول عن الأعراف الراسخة منذ أمدٍ بعيد."
تُموّل الولايات المتحدة والصين مجتمعتَين نصف ميزانية حفظ السلام الأممية بأكملها، وتُحدَّد الاشتراكات بناءً على الدخل القومي الإجمالي للدولة وحجم ديونها.
أمّا على صعيد الكوادر البشرية الفعلية، فإنّ أكبر 10 دول مساهمة في عمليات السلام متعدّدة الأطراف هي في معظمها دولٌ نامية من الجنوب العالمي: أوغندا، ونيبال، وبنغلاديش، والهند، ورواندا، وإثيوبيا، وبوروندي، وكينيا، وباكستان، وإندونيسيا.
تحديد المسؤولية
لا يُحمّل تقرير Sipri واشنطن صراحةً المسؤولية عن العجز التمويلي في ميزانية حفظ السلام، غير أنّه يُسلّط الضوء على موجةٍ متصاعدة من التسييس المتعمّد بدأت في عام 2025.
تُموّل الولايات المتحدة نحو ربع الميزانية التشغيلية العادية للأمم المتحدة، فضلاً عن ميزانية حفظ السلام. بيد أنّه منذ عودة الرئيس الأمريكي Donald Trump إلى السلطة في يناير 2025، عمد هو وإدارته إلى تقويض صريح لولاية الأمم المتحدة والمطالبة بإصلاحاتٍ جوهرية.
وفي وقتٍ سابق من هذا العام، سحب التمويل من عددٍ من المنظّمات الأممية والمرتبطة بها، من بينها السجلّ الأممي للأسلحة التقليدية والمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب وهي قضايا ظلّت ذات أولويةٍ لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة بصرف النظر عن توجّهاتها السياسية.
كما تراجع Trump عن المبادرات المرتبطة بالمناخ.
وفي العام الماضي، كشفت وكالة Reuters أنّها اطّلعت على وثيقةٍ داخلية صادرة عن مكتب الميزانية في البيت الأبيض تقترح إلغاء التمويل الأمريكي لبعثات حفظ السلام الأممية بالكامل، في إطار تدابير تقشّفٍ واسعة في وزارة الخارجية. وهذا الاقتراح لم يُعلَن رسمياً ولم يحظَ بموافقة الكونغرس حتى الآن.
وفي أكتوبر، دفع الجانب الأمريكي نحو خفض ميزانية حفظ السلام بنسبة 25%، في حين لم تسعَ الأمم المتحدة إلّا إلى تخفيضٍ بنسبة 15%.
وقال Daniel Forti، رئيس الشؤون الأممية في مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، يوم الخميس: "على مدى العقدَين الماضيَين، كان الإصلاح موضوع نقاشٍ دائم، سواءٌ في ما يخصّ الاتّهامات المقلقة للغاية بالاستغلال الجنسي والإساءة من قِبَل حفظة السلام الأمميين، أو الحوادث كما جرى في هايتي حين أفضى الإدخال غير المقصود لوباء الكوليرا إلى أزمةٍ بيئية وصحية مدمّرة."
وأضاف: "لكنّ إحجام واشنطن عن دفع ما يقارب ثلثَي ما تدين به لحفظ السلام الأممي، بذريعة تحسينه، لا يزيد الأمر إلّا تعقيداً ويجعل مهمّة البعثات الأممية أشدّ صعوبةً."
وفي الشهر الماضي، أكّد Jeff Bartos، مندوب Trump لدى الأمم المتحدة المعنيّ بالإدارة والإصلاح، أنّ "الرئيس أبدى وضوحاً تاماً بشأن الإمكانات الكبيرة للأمم المتحدة، وأنّ مسؤوليتنا تكمن في مساعدتها على بلوغ هذه الإمكانات والتجاوز عليها."
وأشار إلى أنّ أحد الإصلاحات الجوهرية التي تسعى إليها الولايات المتحدة في ما يتعلّق ببعثات حفظ السلام يتمثّل في تغيير آلية تعويض المعدّات غير المستخدمة، وهو إجراءٌ قد يُوفّر "عشرات الملايين من الدولارات".
وقال Bartos: "نحن ممتنّون للغاية للدول والجنود الذين يتطوّعون للمشاركة في هذه البعثات، لكن لا يمكننا التعويض على معدّاتٍ لا تُستخدم."
وأضاف أنّ الإدارة الأمريكية دفعت حتى الآن 159 مليون دولار من اشتراكها في الميزانية العادية، إلى جانب 2 مليار دولار لصندوق التمويل المشترك لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.
انسحاب بعثة لبنان
رصد Sipri خلال عام 2025 ما مجموعه 58 بعثةً لحفظ السلام متعدّدة الأطراف نشطة في 34 دولةً أو إقليماً حول العالم.
وتتمركز ما يقارب 75% من إجمالي الكوادر في خمس بعثاتٍ فحسب، أربعٌ منها في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
و أوضح التقرير أنّ عملياتٍ في جمهورية الكونغو الديمقراطية وهايتي والعراق ومنطقة ناغورنو كاراباخ في أذربيجان أُغلقت جميعها، وحلّت محلّها في بعض الحالات بدائل من خارج المنظومة الأممية، ممّا يُجسّد توجّهاً متنامياً نحو الخروج عن الإطار الأممي التقليدي في التعامل مع النزاعات.
وتتّخذ هذه البدائل أشكال ترتيباتٍ أحادية أو ثنائية أو مؤقّتة، تتّسم في الغالب بطابعٍ عسكري أكثر وضوحاً وتأثيرٍ مباشر لمصالح الدول المعنية، كبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، وقوّة قمع العصابات في هايتي، وقوّة الاستقرار الدولية التي اقترحها "مجلس السلام" الذي أطلقه Trump لقطاع غزة.
وفي ديسمبر المقبل، ستُنهي قوّة الأمم المتحدة المؤقّتة في لبنان (Unifil) المرابطة هناك منذ عام 2006 مهمّتها، وذلك تحت ضغطٍ أمريكي مورس على أعضاء مجلس الأمن.
و أوضحت واشنطن أنّها تريد من الجيش اللبناني أن يحلّ محلّ Unifil، على الرغم من افتقاره إلى التدريب الكافي والتجهيزات اللازمة، وعجزه عن الوفاء بأبرز التزاماته بموجب اتّفاق وقف إطلاق النار اللبناني-الإسرائيلي لعام 2024، وهو نزع سلاح حزب الله.
وعلى الرغم من الاتّفاق، لا تزال الحرب الإسرائيلية على لبنان مشتعلة.
وقد أودت هذه الحرب بحياة أكثر من 3,000 لبناني وأصابت ما يقارب 10,000 آخرين منذ أن شنّ حزب الله هجومه على إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 دعماً لحليفه حماس في غزة.
وفي يوم الخميس وحده، لقي ما لا يقلّ عن 14 لبنانياً حتفهم في غاراتٍ جوية إسرائيلية.
وفي الشهر المقبل، يعتزم الأمين العام للأمم المتحدة Antonio Guterres نشر تقريرٍ يُحدّد فيه الخطوات المقترحة للمرحلة التالية من مهمّة Unifil.
وقال Forti : "رغم أنّ الاهتمام سينصبّ على التفاصيل التقنية، فإنّ القرار المتعلّق بما سيخلف Unifil هو في جوهره قرارٌ سياسي بامتياز، ويتوقّف في نهاية المطاف على المعطيات السياسية الكبرى، ليس فقط بين إسرائيل ولبنان، بل أيضاً في إطار الصراع الإقليمي الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران."
وختم بالقول: "لا يمكن فصل هذا النقاش عن ذلك السياق."
أخبار ذات صلة

إيران وعمان تتفقان على فرض رسوم مشتركة في مضيق هرمز

غزة تصبح قضية محورية للناخبين الشباب في الانتخابات الديمقراطية بنيويورك

الكونغو تحظر التجمعات في مناطق بعيدة عن بؤرة الإيبولا.. قيود على الحريات؟
