الذكاء الاصطناعي تهديدات جديدة في عالم الحرب الهجينة
حذرت رئيسة GCHQ من أن الذكاء الاصطناعي أصبح سلاحاً في صراعات المنطقة الرمادية بين السلم والحرب، مشيرةً إلى تصاعد النشاط الروسي كتهديد رئيسي. تدعو إلى تعاون دولي لمواجهة المخاطر المتزايدة وتأمين الفضاء الإلكتروني.

قرب لندن، في المقرّ التاريخي الذي شهد كسر شيفرات الحرب العالمية الثانية، أطلقت رئيسة وكالة الاستخبارات الإلكترونية البريطانية GCHQ تحذيراً صريحاً: الذكاء الاصطناعي بات «قوةً لا يمكن إيقافها»، ويُوظَّف سلاحاً في صراعاتٍ تقع في المنطقة الرمادية بين السلم والحرب.
Anne Keast-Butler، مديرة وكالة GCHQ المعنية بالاستخبارات الإلكترونية والاتصالات، قالت في خطابها السنوي الذي ألقته في Bletchley Park المقرّ الذي كسر فيه علماء الرياضيات والمشفِّرون شيفرات ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية إنّ بريطانيا وحلفاءها يجدون أنفسهم اليوم في «فضاءٍ واقعٍ بين السلم والحرب»، في ظلّ تصاعد ما وصفته بـ«النشاط الهجين اليومي» الروسي.
تحذيرٌ من حسابات خاطئة
لم تُخفِّف Keast-Butler من حدّة تقييمها حين قالت: «قضيتُ ثلاثة عقود في العمل بمجال الأمن القومي، ومخاطر الحسابات الخاطئة اليوم هي الأعلى التي شهدتها على الإطلاق.»
وأضافت أنّ شركات التكنولوجيا تُطلق ابتكاراتها المدفوعة بالذكاء الاصطناعي بوتيرةٍ مذهلة، «مع عواقب لا يمكن التنبّؤ بها، فيما تُوظَّف الخوارزميات سلاحاً في أغلب الأحيان دون أن تتجاوز عتبة الحرب التقليدية.»
وخلصت إلى أنّ «الذكاء الاصطناعي قوةٌ لا تُقاوَم تنطوي على فرصٍ هائلة، لكنّه في الوقت ذاته قوةٌ تحمل مخاطر جسيمة.»
روسيا في مرمى الاتهامات
خصّت Keast-Butler روسيا بالاسم بوصفها التهديد الأبرز، متّهمةً موسكو بـ«استهداف البنية التحتية الحيوية والعمليات الديمقراطية وسلاسل الإمداد والثقة العامة» في بريطانيا وأوروبا، فضلاً عن سرقة التكنولوجيا والتخطيط لعمليات تخريب واغتيال.
وقالت أمام جمهورٍ ضمّ خبراء الحوسبة والدبلوماسيين والصحفيين وكبار المسؤولين: «روسيا تُصعِّد نشاطها الهجين اليومي ضدّ المملكة المتحدة وأوروبا، في مدىً يمتدّ من قاع البحر إلى الفضاء الإلكتروني.»
وأشارت إلى أنّ حماية البيانات والطاقة المتدفّقة عبر الكابلات والأنابيب الحيوية في المياه البريطانية وحولها تمثّل «محوراً بالغ الأهمية» لعمل الوكالة، مؤكدةً أنّ ذلك يتمّ «عبر كشف نوايا روسيا ودوافعها وقدراتها تحت الماء.»
وتأتي هذه التصريحات في سياق سلسلة متواصلة من التحذيرات الغربية بشأن تصاعد النشاط الروسي في «المنطقة الرمادية». وفي الأشهر الأخيرة، اتّهمت دولٌ كالسويد وبولندا والدنمارك والنرويج قراصنةً مرتبطين بروسيا باستهداف بنيتها التحتية الحيوية، بما فيها محطات الطاقة والسدود.
وكان Richard Horne، رئيس المركز الوطني للأمن الإلكتروني في المملكة المتحدة، قد حذّر الشهر الماضي من أنّ دولاً معادية كروسيا والصين وإيران تقف وراء أخطر الهجمات الإلكترونية التي تتعرّض لها البلاد، منبّهاً إلى أنّ هذه الهجمات قد تتضاعف بشكلٍ حادّ إذا انزلقت بريطانيا إلى نزاعٍ دولي.
الذكاء الاصطناعي: نافذةٌ تضيق
أكّدت Keast-Butler أنّ التقدّم المتسارع في الذكاء الاصطناعي يعني أنّ «الأرض تتزلزل تحت أقدامنا»، محذّرةً من أنّ «النافذة المتاحة للمملكة المتحدة وحلفائها للبقاء في الطليعة» تضيق أمام دولٍ كالصين التي وصفتها بـ«القوة العظمى» في العلوم والتكنولوجيا.
ودعت إلى جهدٍ مشترك «من قاعات مجالس الإدارة إلى غرف المعيشة» لجعل الأمن الإلكتروني «أكثر إلحاحاً بعشرة أضعاف ممّا هو عليه الآن.»
وكشفت أنّ GCHQ تعمل على خطّةٍ لـ«دمج الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI) المتطوّر في منظومة الدفاع الإلكتروني بسرعة الآلة.» وإذا جُرِّد بمسؤولية، قالت، فإنّ الذكاء الاصطناعي يمكنه مساعدة أجهزة الاستخبارات على «تطوير الخوارزميات وترجمة اللغات الأجنبية والعثور على الإبرة في كوم القشّ بسرعةٍ لم تكن ممكنة من قبل.»
الشراكة الأمريكية في مهبّ الريح
في سياقٍ لافت، شدّدت Keast-Butler على أهمية الشراكات الدولية في وقتٍ تُلقي سياسة «أمريكا أولاً» التي ينتهجها الرئيس Donald Trump بظلالها على العلاقات بين لندن وواشنطن، وتُجهد الروابط مع الحلفاء التاريخيين.
وقالت بوضوح إنّ الشراكة الاستخباراتية بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة «أساسيةٌ لأمن كلتا دولتينا.»
تجدر الإشارة إلى أنّ GCHQ اختصاراً لـGovernment Communications Headquarters هي وكالة الاستخبارات الإلكترونية والإلكترونية البريطانية، وتعمل جنباً إلى جنب مع جهاز الأمن الداخلي MI5 وجهاز الاستخبارات الخارجية MI6.
وتُعدّ Keast-Butler أولى النساء اللواتي يتولّين قيادة الوكالة. وقد اختارت Bletchley Park المنزل الريفي الواقع على بُعد 72 كيلومتراً شمال غرب لندن، والذي ضمّ خلال الحرب العالمية الثانية مئات علماء الرياضيات وخبراء التشفير وحلّالي الألغاز مسرحاً لخطابها السنوي. ذلك المكان الذي لم يُسهم عملُه في تقصير أمد الحرب فحسب، بل أسهم أيضاً في تعجيل ولادة الحوسبة الحديثة.
أخبار ذات صلة

غارة إسرائيلية على بيروت تسفر عن استشهاد ثلاثة أشخاص

ألمانيا والإدانة الأممية: حكمٌ على التواطؤ في الإبادة

ترامب يحاول إجهاض تنظيمات الذكاء الاصطناعي بالولايات، لكن بعضها يمضي قدماً
