مليارات الرياح البحرية تتحول لوقود أحفوري في صفقة مثيرة
إدارة ترامب دفعت مليارات لإلغاء عقود طاقة الرياح البحرية الأمريكية والأموال عادت للشركات الكبرى التي استثمرت في الوقود الأحفوري مما يثير جدلاً قانونياً حول إعادة توزيع الموارد على حساب الطاقة النظيفة وحقوق العمال وورلد برس عربي

قرابة 4 مليارات دولار دفعتها إدارة Trump منذ ربيع عام 2026 لإلغاء عقود إيجار طاقة الرياح البحرية الأمريكية — لكنّ هذه الأموال لم تذهب إلى خزينة الدولة، بل عادت إلى الشركات الكبرى التي كانت تعتزم بناء مزارع الرياح. والأكثر إثارةً للجدل أنّ جزءاً من هذه المليارات يتجّه مباشرةً نحو مشاريع الوقود الأحفوري، في ما يصفه المنتقدون بأنّه إعادة توزيع ممنهجة للموارد العامة لصالح قطاع النفط والغاز.
مليارات تُصرف لإيقاف الرياح
القصة تبدأ بعقود أبرمتها شركات طاقة كبرى مع وزارة الداخلية الأمريكية لاستثمار مناطق بحرية قبالة سواحل كاليفورنيا ونيويورك وولايات أخرى. دفعت شركة Golden State Wind عام 2022 نحو 120 مليون دولار مقابل حق الإيجار قرب خليج Morro Bay في كاليفورنيا. وفي أبريل 2026، أعلنت وزارة الداخلية استرداد هذا المبلغ بالكامل للشركة، التي تملكها Ocean Winds North America، وهي مشروع مشترك بين Engie و EDP Renewables و Reventus Power. لكنّ الاسترداد لم يقتصر على هذا المبلغ؛ إذ حصلت Ocean Winds أيضاً على 765 مليون دولار إضافية مقابل التخلّي عن عقود إيجار Bluepoint Wind قرب نيويورك ونيوجيرسي.
أما الشركة الألمانية RWE، فقد نالت الحصّة الأكبر: 1.22 مليار دولار في أغسطس 2026 مقابل التخلّي عن عقود إيجار قبالة سواحل كاليفورنيا ولويزيانا ونيويورك. وبموجب الاتفاق، التزمت RWE باستثمار 900 مليون دولار في محطة للغاز الطبيعي المسال (LNG) في لويزيانا، تعود ملكيتها جزئياً إلى Michael Dorrell، مدير صندوق للأسهم الخاصة وأحد المانحين لحملة Trump الانتخابية — وهو ما كشفته صحيفة Washington Post في أغسطس 2026.
وفي سياق موازٍ، حصلت الشركة الفرنسية TotalEnergies على استرداد قيمته 795 مليون دولار مقابل التخلّي عن عقد إيجار في منطقة نيويورك-نيوجيرسي، وكانت الشركة تخطّط لإنشاء مزرعة رياح بحرية بقدرة 3 غيغاواط في تلك المنطقة، إضافةً إلى مشروع بقدرة 1 غيغاواط قرب شمال كارولاينا. وكما في صفقة RWE، اشترط الاتفاق على TotalEnergies إعادة استثمار الأموال المستردّة في مشاريع وقود أحفوري.
ما الذي يعنيه هذا للعمال وأسواق الطاقة؟
قبل أن نتابع الجانب القانوني، ثمّة سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: ماذا يعني إلغاء هذه العقود لأسواق العمل والطاقة في الولايات المتأثرة؟
قال David Hochschild، رئيس هيئة الطاقة في كاليفورنيا، إنّ "طاقة الرياح البحرية تمثّل فرصةً لولايتنا لتوسيع صناعة نظيفة ومبتكرة تُقلّص التلوّث وتوفّر فرص عمل واستثمارات جديدة لمواطني ولايتنا". هذه الكلمات ليست خطابةً سياسية فحسب؛ فالمشاريع البحرية المُلغاة كانت تحمل معها آلاف الوظائف في التصنيع والتركيب والصيانة، فضلاً عن قدرات توليد كهربائي كانت الولايات الساحلية تعوّل عليها لتحقيق أهدافها المناخية وضمان موثوقية الشبكة الكهربائية.
وللمقارنة، كانت Royal Dutch Shell قد تخلّت عام 2022 عن عقود إيجار بحرية قرب ألاسكا دون أن تحصل على أيّ استرداد، وخسرت بذلك 2.1 مليار دولار. المعيار تغيّر جذرياً: ما كان يُعدّ خسارةً تجارية طبيعية أصبح اليوم يُعوَّض من المال العام.
الدعاوى القضائية: هل هذا قانوني أصلاً؟
السؤال الذي يطرحه المحامون والمشرّعون بصوتٍ عالٍ هو: من أين تستمدّ وزارة الداخلية صلاحية صرف هذه الأموال؟
كاليفورنيا لم تنتظر طويلاً. في أغسطس 2026، رفع المدّعي العام Rob Bonta وهيئة الطاقة في الولاية دعوى قضائية وصفت فيها صفقة استرداد Golden State Wind بأنّها "مخالفة صريحة للقانون". وقال Bonta إنّ هذه الصفقات تهدف إلى "إثراء المانحين من شركات النفط الكبرى". في الوقت ذاته، رفعت نيويورك وستّ ولايات أخرى دعوى مماثلة ضدّ وزارة الداخلية بشأن استرداد الـ 795 مليون دولار لصالح TotalEnergies، مستندةً إلى أنّ إلغاء العقود جاء دون اتّباع الإجراءات القانونية الصحيحة، وأنّه ينتهك قانون Judgment Fund الفدرالي الذي خُصِّص أصلاً لتسوية النزاعات القضائية لا لاسترداد مدفوعات الإيجار الطوعية.
الجانب القانوني الأكثر تعقيداً هو أنّ إدارة Trump لجأت إلى هذه الصفقات بعد أن فشلت محاولاتها السابقة لوقف مشاريع الرياح البحرية عبر أوامر وقف العمل وتجميد تراخيص البناء، إذ أوقفتها المحاكم. بعبارة أخرى، ما عجزت عنه القرارات الإدارية أُنجز عبر الشيكات.
"لن أصرف الشيك"
النائب Jared Huffman من كاليفورنيا، العضو في لجنة الموارد الطبيعية بمجلس النواب، لا يخفي موقفه. يقول إنّه يوسّع التحقيقات البرلمانية في هذه الصفقات وما يرتبط بها من استثمارات في الوقود الأحفوري، وقد وجّه رسائل مباشرة لرؤساء شركات الطاقة: "كتابةً وفي وجوههم حين أجتمع بهم، أقول لهم: 'من الأفضل أن تُخبروا مساهميكم بأنّنا قادمون لاسترداد تلك الأموال. لن أصرف الشيك'".
هذا الموقف يعكس قناعةً بأنّ الصفقات لا تقف عند حدود السياسة الطاقوية، بل تمسّ الحوكمة ومبدأ الفصل بين المصالح العامة والخاصة. فالأموال المستردّة لا تعود إلى خزينة الدولة لتُعاد توجيهها نحو بنية تحتية أو خدمات عامة، بل تذهب مباشرةً إلى شركات تُلزَم بضخّها في مشاريع وقود أحفوري — بعضها مرتبط ارتباطاً موثّقاً بمانحين لحملة Trump.
ما الذي ينتظرنا؟
يرى الباحث James Sallee أنّ هذه الصفقات تُعيد تشكيل خريطة الطاقة الأمريكية بصورة قد يصعب عكسها على المدى القريب. الدعاوى القضائية في كاليفورنيا ونيويورك ستحدّد ما إذا كانت وزارة الداخلية تجاوزت صلاحياتها القانونية، وقد تُلزم المحاكم باسترداد الأموال أو على الأقل بوقف صفقات مماثلة مستقبلاً.
لكنّ السؤال الأعمق يبقى معلّقاً: في ظلّ تصاعد التحدّيات المناخية وارتفاع أسعار الطاقة، من يدفع الثمن الحقيقي لهذا التراجع عن الطاقة المتجدّدة؟ الجواب ليس في أرقام الناتج المحلّي، بل في فاتورة الكهرباء للأسرة الساحلية، وفي وظيفة التركيب التي لن تُوجَد، وفي الهواء الذي سيظلّ أقلّ نقاءً ممّا كان يمكن أن يكون.
أخبار ذات صلة

قواعد المناخ للمحطّات الكهربائية: ماذا بعد قرار ترامب؟

آخر توربينة في مزرعة أمريكية بحرية كبرى تُنصّب

العام الأول لـ ReFuelEU: الالتزام الإلزامي يثبت فعاليته
