رفض سويسرا لتحديد عدد السكان يثير الجدل
رفض الناخبون السويسريون مبادرة تحديد عدد السكان عند 10 ملايين نسمة، حيث بلغت نسبة الرفض 54%. المبادرة، التي طرحها حزب الشعب السويسري، أثارت جدلاً حول الهجرة وتأثيرها على الاقتصاد والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

رفض الناخبون السويسريون، في استفتاءٍ أُجري يوم الأحد، مبادرةً تدعو إلى تحديد سقفٍ لعدد سكان البلاد عند 10 ملايين نسمة، وذلك بنسبة بلغت نحو 54% من الأصوات، فيما تجاوزت نسبة المشاركة 57% على المستوى الوطني. وكانت النتائج الأولية قد أشارت منذ وقتٍ مبكّر إلى ميلٍ واضح نحو الرفض، وإن ظلّت نتائج عددٍ من المقاطعات السويسرية الست والعشرين معلّقةً في حينه.
المبادرة كانت من صياغة حزب الشعب السويسري (Swiss People's Party)، أكبر الأحزاب تمثيلاً في البرلمان، الذي طرحها تحت مسمّى "مبادرة الاستدامة". يرى الحزب أن النموّ الديموغرافي المتسارع أثقل كاهل البنية التحتية والإسكان والبرامج الاجتماعية والموارد الطبيعية ونمط الحياة السويسري. وقد تبنّى الحزب على مرّ السنين خطاباً شعبوياً معادياً للهجرة، لا سيّما في ما يتعلّق بتدفّق العمال من دول الاتحاد الأوروبي المجاورة.
في المقابل، وقف المعارضون للمبادرة بحزم في وجهها. يرى المنتقدون أن قطاعاتٍ حيوية كالرعاية الصحية والمال والصناعات الدوائية والتكنولوجيا قامت في جزءٍ كبير منها على الكفاءات الأجنبية التي جلبتها موجات الهجرة على مدى العقود الماضية. وأبدى بعضهم قلقاً إضافياً من أن المبادرة، لو مرّت، كانت ستُلحق ضرراً بالغاً بالعلاقة مع بروكسل، إذ يُعدّ الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لسويسرا. الحكومة الفيدرالية والبرلمان كانا بدورهما يعارضان المبادرة.
ما كان يعنيه "نعم" قانونياً هو إلزام الحكومة باتخاذ تدابير لتحديد عدد السكان بحلول عام 2050. وكان النصّ يُقرّ آليةً تلقائية: متى بلغ عدد السكان 9.5 ملايين نسمة قبل ذلك التاريخ، وجب على الحكومة تقييد حقّ اللجوء ولمّ شمل الأسر وتصاريح الإقامة، مع احتمال تعليق الاتفاقية المبرمة مع الاتحاد الأوروبي بشأن حرية تنقّل الأشخاص وهو ما اعتبره كثيرون ثمناً باهظاً.
البيانات تُقدّم صورةً أوضح للمشهد: منذ أن خفّفت سويسرا والاتحاد الأوروبي القيود المفروضة على إقامة مواطنيهما وعملهم عبر الحدود في عام 2002، ازداد عدد السكان السويسريين بنسبة 23%، ليبلغ 9.1 مليون نسمة بنهاية العام الماضي. وفي الفترة ذاتها، ارتفع الناتج الاقتصادي بنسبة 24% وفق البيانات الحكومية. وقد رصدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن نسبة المولودين خارج سويسرا بلغت 32% من إجمالي السكان عام 2024، وهو ما لا يتجاوزه سوى لوكسمبورغ وأستراليا بين الدول الـ38 الأعضاء في المنظمة.
الهجرة الدولية ملفٌّ حسّاس يشغل أوروبا منذ عقود، في ظلّ شيخوخة السكان وتصاعد مشاعر العداء للأجانب. غير أن المشهد السويسري يختلف في تفاصيله عن نظيره في دولٍ أوروبية أخرى؛ فبينما تتمحور النقاشات في تلك الدول حول المهاجرين القادمين من دول الجنوب، تُشكّل الجاليات الأوروبية الغالبية العظمى من الأجانب المقيمين في سويسرا.
والجدير بالذكر أن سويسرا لم تُجرِ استفتاءها الأول حول الهجرة اليوم؛ فقد تناول الناخبون هذا الملفّ مراراً على مدى نصف قرن. الاستفتاء الوحيد الذي نجح في تلك الحقبة كان استفتاء "ضدّ الهجرة الجماعية" عام 2014، الذي اجتاز العتبة بفارقٍ ضيّق بعد أن أجّج المؤيّدون مخاوف من الاكتظاظ وتنامي أعداد المسلمين في البلاد. ويُشير الخبراء السويسريون إلى أنه رغم وجود دولٍ كثيرة تضع قيوداً على الهجرة، لم تُصوّت أيٌّ منها قطّ على تحديد سقفٍ لعدد سكانها وهو ما كانت سويسرا ستكون سبّاقةً إليه لو جاءت النتيجة مغايرة.
تُجري سويسرا استفتاءاتٍ شعبية بصفةٍ منتظمة، عادةً أربع مرّاتٍ في السنة، في إطار نظامٍ ديمقراطي يمنح المواطنين رأياً مباشراً في صنع السياسات. وتُدلى معظم الأصوات عبر البريد، فيما تُغلق مراكز الاقتراع الحضوري أبوابها عند الظهر بالتوقيت المحلي كلّ يوم أحد.
أخبار ذات صلة

غارة إسرائيلية على بيروت تسفر عن استشهاد ثلاثة أشخاص

ألمانيا والإدانة الأممية: حكمٌ على التواطؤ في الإبادة

ترامب يحاول إجهاض تنظيمات الذكاء الاصطناعي بالولايات، لكن بعضها يمضي قدماً
