الإشعاع الفضائي وأثره الخفي على صحة قلب رواد الفضاء
دراسة تكشف أن الإشعاع الفضائي لمحاكاة رحلة إلى المريخ يسبب تندباً في قلب الجرذان مرتبط بمخاطر فشل القلب ما يسلط الضوء على أهمية متابعة صحة رواد الفضاء لفترات طويلة بعد العودة للحفاظ على سلامتهم وورلد برس عربي يدعم التوعية بهذه المخاطر.

هل يمكن أن تظهر آثار رحلة إلى المريخ في قلب رائد الفضاء بعد عودته بسنوات طويلة؟ دراسة أُجريت على الجرذان تشير إلى أن الإشعاع الفضائي بمستوى رحلة إلى المريخ ارتبط بزيادة تندّب القلب، وهي علامة مرتبطة بالفشل القلبي. غير أن النتائج لا تثبت أن الأثر نفسه سيحدث لدى البشر، ويرى الباحثون أنها تؤكد الحاجة إلى متابعة صحة روّاد الفضاء زمناً طويلاً بعد انتهاء المهمات.
ماذا وجد الباحثون في قلوب الجرذان؟
وجد الباحثون نسيجاً ندبياً أكثر حول الأوعية الدموية الصغيرة في قلوب الجرذان المعرّضة للإشعاع مقارنة بالجرذان غير المعرّضة. وبعد 360 يوماً كان التندّب القلبي لدى المجموعة المعرّضة ضعف ما سُجّل لدى المجموعة الأخرى. ويُعرف هذا التندّب بالتليّف القلبي، وهو نسيج ندبي يتكوّن حول الأوعية الصغيرة في القلب ويرتبط بالفشل القلبي. وقد ظهر في الجرذان بعد قرابة عام من تعرّضها الأول للإشعاع.
ونُشرت الدراسة في 30 سبتمبر في مجلة PLOS One، ويمكن الاطلاع عليها عبر صفحة الدراسة المنشورة، وأعدّها جون بيكر (John Baker) مع فريق من الباحثين.
كيف حاكت التجربة رحلة إلى المريخ؟
استخدم الفريق نموذج وكالة ناسا (NASA) لمحاكاة الأشعة الكونية المجرّية، المعروف اختصاراً بـ SimGCRSim. ويحاكي هذا النموذج مستويات الإشعاع التي قد يواجهها روّاد الفضاء عند استكشاف الفضاء السحيق لأكثر من عام. وتلقّت الجرذان إشعاعاً دام عدة دقائق، جرى تحجيمه بحسب حجمها لمحاكاة رحلة إلى المريخ. وتستغرق رحلة الذهاب والإياب إلى المريخ بالتقنيات الحالية نحو 18 شهراً. وتعرّضت الجرذان للإشعاع مرة واحدة فقط.
وأضاف الباحثون عاملاً ثانياً، إذ عُلّقت الأطراف الخلفية لبعض الجرذان لمحاكاة انعدام الوزن. وقال بيكر، أستاذ الجراحة في مختبر علوم الإشعاع الحيوي (Radiation Bioscience Laboratory) بالكلية الطبية في ويسكونسن (Medical College of Wisconsin)، إن هذه الطريقة «تحاكي ظروف انعدام الوزن».
وبيّنت النتائج أن الجرذان التي تعرّضت لمحاكاة انعدام الوزن وحدها لم تُظهر التندّب القلبي المرتبط بالإشعاع. ويلخّص بيكر ذلك بقوله: «كان الإشعاع وحده هو الذي أحدث الأثر الضار في القلب». لكن هذه المجموعة سجّلت في الاختبارات الطويلة الأمد مستويات أقل من الخلايا المناعية الرئيسية.
وعن أثر التندّب في عمل القلب قال بيكر: «القلب لا يستطيع الاسترخاء إلى الحد الذي يحتاج إليه».
هل تنطبق النتائج على البشر؟
لا تستطيع الدراسة أن تحسم ما إذا كانت التأثيرات نفسها ستظهر لدى البشر. وتتّصل إحدى نقاط الحذر بالزمن. فمتوسط عمر الإنسان 80 عاماً مقابل 2 إلى 4 أعوام للجرذان، وقال الباحثون إن ما ظهر في الجرذان خلال نحو عام قد يستغرق نحو 30 عاماً ليظهر لدى البشر. وتتّصل النقطة الثانية بالتشابه البيولوجي، فالجرذان والبشر يتشاركون أكثر من 90% من المعلومات الجينية ولديهم أجهزة قلبية متشابهة. وهذا ما أشار إليه روباك باثاك (Rupak Pathak)، أستاذ مشارك في العلوم الصيدلانية بجامعة أركنساس للعلوم الطبية (University of Arkansas for Medical Sciences)، إذ قال: «يتشاركان أكثر من 90% من المعلومات الجينية».
وتتصل بالموضوع أعمال سابقة، فالعلاقة بين التعرّض للإشعاع ومشكلات القلب موثّقة، وكان فريق بيكر قد رصد في دراسة سابقة مشكلات قلبية في جرذان تعرّضت للإشعاع. كما ارتبط انعدام الوزن بآثار صحية قصيرة الأمد متنوعة. أما الإشعاع المجرّي طويل الأمد فلم يتعرّض له أي رائد فضاء من قبل، كما يقول بيكر: «لم يتعرّض أي رائد فضاء للإشعاع الكوني المجرّي لفترات طويلة».
لماذا تهمّ المتابعة بعد العودة؟
هنا يضع بيكر الرسالة الأساسية للدراسة: «الرسالة التي نحاول إيصالها… هي أن مدة المتابعة مهمة فعلاً». ويضيف: «عندما يعود روّاد الفضاء إلى الأرض، فإنهم يتوقعون، ونحن نتوقع، أنهم سيعيشون طويلاً. أعتقد أن علينا أن نتوخى الحذر، فقد يصابون فعلاً بنوع من أمراض القلب على الأقل». وقد شدّد مؤلفو الدراسة على أن صحة روّاد الفضاء ينبغي أن تُتابع زمناً طويلاً بعد عودتهم إلى الأرض.
ويأمل بيكر وزملاؤه أن تساعد التجارب المقبلة ناسا على وضع وسائل وقاية للمهمات الطويلة. وتشمل الاحتمالات أدوية للقلب تُعطى لروّاد الفضاء، وتحسين الدروع الواقية في المركبات الفضائية. ويقول بيكر: «كلما عرفنا أكثر قبل أن نبدأ، كانت ناسا أقدر على تحديد أنواع التدابير المضادة التي يمكن تطويرها».
أما باثاك فوصف الدراسة بأنها «مساهمة قيّمة جداً في علم الأحياء الفضائية»، ورأى أن التجارب اللاحقة ينبغي أن تختبر أثر التعرّض المزمن للإشعاع في القلب وفي الأعضاء الحيوية الأخرى. وتبقى الأسئلة الأساسية مفتوحة: كيف يتصرف الإشعاع المزمن بدل الجرعة الواحدة، وهل يمتد الضرر إلى أعضاء أخرى، وكم من السنين تلزم لمعرفة ما يحدث فعلاً لقلوب البشر.
أخبار ذات صلة

تلسكوب هابل يرصد "ذيل القط" الكوني الذي قد يلتف حول الأرض والشمس 500 مرة

ناسا ترصد كرة نارية في الغلاف الجوي بعد انفجار صاروخ روسي فوق غرب أفريقيا

نجم الجبار يخفت: لماذا يتغيّر لمعان بيتلجيوز؟
