تحديات إدارة الحطام الفضائي وأمن الأقمار الصناعية
مع تزايد الأقمار الصناعية والحطام في المدار الأرضي يزداد خطر التصادم وتأثيره على حياتنا اليومية. تعرف على الاستراتيجيات والتقنيات العالمية لإدارة حركة الفضاء والحد من الحطام وضمان استدامة استخدام الفضاء في مقال وورلد برس عربي.

يدور حول الأرض اليوم نحو 16,000 قمر اصطناعي نشط، بحسب أرقام وكالة الفضاء الأوروبية (ESA). وتتوقع شركة Novaspace لتحليلات سوق الأقمار الاصطناعية أن يقترب العدد من 60,000 قمر نشط بحلول عام 2035، وفق تقديراتها المنشورة. وتعني هذه القفزة أن مدارًا واحدًا يستوعب حركةً تتضاعف بسرعة، وأن احتمال الاصطدام يرتفع معها، في وقت تعتمد فيه حياتنا اليومية على هذه المنظومات اعتمادًا شبه كامل.
هذه الصورة يرسمها ديفيد زامورا (David Zamora)، رئيس «رابطة بيانات الفضاء» (Space Data Association)، في مقال رأي كتبه لزاوية «Expert Voices» في موقع Space.com. والرابطة جهة صناعية، فالمقال يعكس رؤية القطاع نفسه لمشكلته، ويستحق أن يُقرأ بهذا الاعتبار.
ما الذي يزدحم به المدار الأرضي؟
كان الفضاء قبل عقود حكرًا على الدول. ثم تضافرت عوامل عدة وسّعت الوصول إليه: تراجع تكاليف الإطلاق، وتقدّم التقنية، وظهور أقمار أصغر حجمًا وأعلى كفاءة. والنتيجة كوكبات ضخمة في المدار الأرضي المنخفض (LEO) تضم آلاف الأقمار، ومن المتوقع أن تتوسع وتكبر في السنوات المقبلة.
ويُنتظر أن يضيف النشاط التجاري عنصرًا جديدًا خلال سنوات قليلة، هو أولى مراكز البيانات الفضائية. وقد تنقل هذه المراكز جزءًا من عمليات معالجة البيانات من الأرض إلى الفضاء، أي أنها ستزيد الحمل على مدارات مزدحمة أصلًا.
أما الحطام فأرقامه أثقل. يدور حول الأرض أكثر من 1.2 مليون قطعة يزيد حجم كلٍّ منها على سنتيمتر واحد (0.4 بوصة). وقد تُلحق أيٌّ من هذه القطع أضرارًا بالأقمار والمركبات الفضائية، بعواقب قد تكون كارثية.
كيف يُمنع الحطام الجديد وتُتفادى التصادمات؟
يقوم النهج الأول على الوقاية. فعلى البعثات الفضائية أن تقلّص ما تُنتجه من حطام جديد في مراحل الإطلاق والتشغيل ونهاية العمر، وأن تُصمَّم الأقمار والمركبات أصلًا بما يحدّ من تولّد الحطام. وكان المعيار المعمول به منذ زمن طويل يسمح ببقاء القمر في مداره 25 عامًا بعد انتهاء مهمته، لكن التوصيات الحالية تدعو إلى خفض هذه المدة إلى خمس سنوات.
ويقوم النهج الثاني على إدارة الحركة. يرسم نظام «الإحاطة بالأوضاع الفضائية» (Space Situational Awareness – SSA) خريطةً لمواقع الأقمار والحطام ومساراتها وسرعاتها ويصفها. ثم يتولى «تنسيق حركة المرور الفضائي» (Space Traffic Coordination – STC) إدارة الحركة التي رصدها النظام الأول لمنع التصادم. وحين يُرجَّح اقتراب جسمين من بعضهما اقترابًا خطرًا (وهو ما يسمى «اقترانًا» أو Conjunction)، يُنبَّه المشغّلون المعنيّون. والقرار النهائي بإجراء مناورة لتفادي الاصطدام يبقى بيد المشغّل.
وهناك مقاربات أخرى تعالج جذور المشكلة:
إطالة عمر التشغيل: تقلّل الحاجة إلى إطلاقات جديدة، فتخفّض خطر الحطام.
الدفع الكهربائي: يحسّن قدرة القمر على المناورة ويطيل مدة مهمته.
الخدمة في المدار: الصيانة والتزوّد بالوقود في المدار مقترحة كإجراءات للحدّ من الحطام.
أما إزالة الحطام الموجود فقطاعٌ ينمو بسرعة ويجذب استثمارات كبيرة. وتشمل التقنيات المقترحة الالتقاط المادي، وإسقاط الجسم من المدار بحبل ربط (Tether)، والاستئصال بالليزر من الأرض أو من الفضاء، وأنظمة البلازما. وثمة فكرة ناشئة تذهب أبعد: استخراج المعادن والغازات من الحطام لمعالجتها داخل المدار.
من يضع القواعد؟
لا يوجد مرجع واحد، بل شبكة من الأطر الدولية والوطنية.
على المستوى الدولي، تتناول معاهدات الأمم المتحدة واتفاقاتها الاستخدام السلمي والآمن والمستدام للفضاء، وقضايا التصادمات والحطام وسلوك التشغيل المسؤول.
وعلى مستوى الوكالات:
ESA: تستهدف استراتيجيتها «صفر حطام» (Zero Debris) بيئةً مدارية محايدة من حيث الحطام بحلول 2030. وحدّثت الوكالة متطلباتها الخاصة بالحدّ من الحطام، وهي تحكم تصميم البعثات وبناءها وتشغيلها والتخلص منها، وتسري كذلك على الشركات والمؤسسات العاملة في بعثاتها.
وكالة الفضاء البريطانية: تدير برنامجًا لإزالة الحطام النشط (ADR)، وتطوّر مع الصناعة معايير للاستدامة واستراتيجية منسّقة لاستدامة الفضاء.
NASA: تحدد استراتيجيتها للاستدامة الفضائية خمسة تحديات تواجه الولايات المتحدة والمجتمع الفضائي الأوسع، منها غياب إطار واحد مقبول لدى الجميع للاستدامة، وتوتر محتمل بينها وبين مصالح أخرى للبعثات. وتضع الاستراتيجية ستة أهداف لكلٍّ منها غايات مقابلة.
وفي الولايات المتحدة أيضًا صدرت «الخطة الوطنية للحدّ من الحطام المداري» عام 2022. أما «قانون الاستدامة المدارية» (ORBITS Act) فقد قُدّم إلى مجلس الشيوخ ولم يصبح قانونًا بعد؛ ولو أُقرّ لأنشأ جهدًا نشطًا لمعالجة الحطام المداري وفرض ممارسات موحّدة بشأنه. وطوّر مكتب التجارة الفضائية نظام TraCSS لتوفير بيانات SSA وخدماتها الأساسية، دعمًا لسلامة الرحلات الفضائية للمشغّلين المدنيين والخاصين، ولا يزال النظام في مرحلة تجريبية (Beta).
ولعل أبرز ما يخص مسألة التنسيق الدولي هو مسار المنظمة الدولية للمعايير (ISO)، التي تعمل على معيار لتنسيق حركة المرور الفضائي يوحّد أنشطة SSA. ويقترب المعيار المعنون «أنظمة الفضاء تنسيق حركة المرور الفضائي» (Space Systems Space Traffic Coordination) من صيغته النهائية. ويركّز على بروتوكولات أساسية وصيغ بيانات ومتطلبات تشغيلية، ويشمل سلامة الفضاء وتقييم الاقترانات المدارية وتفادي الاصطدام.
هل تصبح الاستدامة مبدأً أساسيًا؟
يرى الكاتب أن جهود الاستدامة تتطلب سرعة وتعاونًا متواصلًا ومشاركة من جميع مستخدمي الفضاء. وتشكّل القرارات والإجراءات في العقد المقبل بيئة الفضاء لأجيال. ويبدي تفاؤلًا بالمسار، لكنه يقرّ بأن السؤال الأهم لم يُحسم بعد: هل ستصبح الاستدامة مبدأً جوهريًا في العمل الفضائي، أم تبقى فكرة لاحقة تُستحضر بعد وقوع الأزمة؟
وما تكشفه هذه الخريطة أن معظم الأدوات موجودة نظريًا أو قيد التطوير، من معايير وأنظمة تتبّع وتقنيات إزالة، لكن بعضها لم يخرج من مرحلة المشروع أو التجربة. وبين أطر متعددة وتشريع لم يُقرّ وبيانات لا تزال في طور البناء، يبقى توحيد القواعد الشرط الذي يحدد إن كان المدار سيتسع لخمسين ألف قمر إضافي.
أخبار ذات صلة

الأقزام البيضاء ليست بيضاء: ألوان حقيقية تكشفها الفيزياء الفلكية

تلسكوب خاص يستهدف 27 كوكباً خارجياً في مهمته الأولى

رحلة أرتيميس 3 القمرية: ناسا تحدد الخطة لكن التاريخ غامض
