كشف أسرار السبيكيولات ودوران البلازما في تسخين الشمس
تشرح ورقة بحثية جديدة لغز ارتفاع حرارة غلاف الشمس الخارجي عبر اكتشاف ستائر بلازما مطوية ودوامات عملاقة تدور في الغلاف الجوي للشمس تساهم في نقل الطاقة وتسخين الإكليل ودعم الرياح الشمسية في نموذج مبتكر ومبهر من وورلد برس عربي.

لماذا يبلغ الغلاف الخارجي للشمس حرارةً تفوق بكثير حرارة سطحها؟ هذا هو «مشكلة تسخين الإكليل الشمسي»، وهو من أقدم ألغاز فيزياء الشمس. ورقة بحثية جديدة تقترح مساراً محتملاً لنقل الطاقة إلى الإكليل: ستائر بلازما مطويّة تبدو من بعيد كنفّاثات مستقلة، ودوّامات عملاقة تدور في أعلى الغلاف الجوي للشمس.
قاد الورقة باحثون من جامعة Newcastle والمعهد الهندي للفيزياء الفلكية (Indian Institute for Astrophysics) وجامعة Sheffield، ومن مؤلفيها S. Dey وP. Chatterjee وR. Erdélyi. وهي ورقة بحثية منشورة عن دوران السبيكيولات، وقد أعلنت جامعة Sheffield عنها في بيان صحفي.
ما السبيكيولات، ولماذا حيّرت الباحثين؟
السبيكيولات (Spicules) نافورات من البلازما، أي الغاز المشحون الساخن، ترتفع داخل الغلاف الجوي للشمس بسرعة عشرات الكيلومترات في الثانية، ثم تسقط عائدةً نحو السطح بعد دقائق قليلة. ويقدّر العلماء عددها بعشرات الآلاف على حافة القرص الشمسي وحدها، وبما قد يبلغ ملايين على امتداد الشمس في أي لحظة.
ظلّ التفسير الشائع طويلاً أنها نفّاثات مستقلة، أشبه بأعاصير بلازما مصغّرة. وقد رصدتها أجيال من الأجهزة الفضائية، فأُطلق القمر الصناعي Hinode عام 2006، وأظهر مقطع مصوّر عام 2007، منشور عبر قناة WebMaster Hinode على «يوتيوب»، السبيكيولات كما رصدها. وفي عام 2013 انضم إليه مقراب Interface Region Imaging Spectrograph أو IRIS.
هل هي نفّاثات فعلاً أم ستائر مطويّة؟
تقترح الدراسة صورة مختلفة: السبيكيولات قد تكون إسقاطات لصفائح بلازما مغناطيسية ثلاثية الأبعاد ومطويّة. وحين تُرى هذه الطيّات المتراكبة من حافة الشمس، قد تبدو نفّاثات منفصلة تدور حول نفسها.
لاختبار الفكرة استخدم الفريق برنامج المحاكاة Pencil Code لنمذجة الهيدرودينامية المغناطيسية (Magnetohydrodynamics)، من تحت سطح الشمس حتى الإكليل السفلي. وتسير المحاكاة على النحو التالي:
- حبيبات البلازما المتلاطمة تحت السطح تقرع الغلاف الجوي للشمس بقوة صوتية.
- موجات هيدرودينامية مغناطيسية تصعد متتبعةً خطوط المجال المغناطيسي.
- يرقّ الغاز في الأعلى، فتنمو الموجات إلى موجات صدمية قوسية كبيرة.
- تنكسر هذه الصدمات فتدفع البلازما آلاف الكيلومترات داخل الغلاف الجوي.
- تتشكّل ستائر تبدو من الأعلى كطيّات الأكورديون، وتظهر طيّاتها مجتمعةً من حافة الشمس خطاً واحداً يشبه السبيكيول.
وبحسب هذا التفسير، قد تعكس الحركة الظاهرة للسبيكيول تمايل الستائر والتفافها مع الزمن. وقارن الباحثون حركات السبيكيولات في المحاكاة بحركات غير مألوفة رصدها IRIS وHinode، فوجدوها متطابقة.
ما «الأنابيب الدوّامة» التي اكتشفتها المحاكاة؟
كشفت خوارزميات آلية لرصد الدوّامات، طُبّقت على النموذج، أعمدةً هائلة من البلازما الدوّارة. سمّاها الباحثون «قنوات الإكليل الدوّامة» (Coronal Swirling Conduits)، واختصارها CoSCos. يمكن أن تمتد هذه الأعمدة إلى الإكليل، ويبلغ عرضها مئات الكيلومترات، وتدور بسرعة تصل إلى 20 كيلومتراً في الثانية.
وتطرح الورقة مسارين محتملين لتشكّلها:
- انقطاع خطوط المجال المغناطيسي: تنكسر خطوط المجال وتنقطع. وهذه الآلية من أبرز المشتبه بهم في لغز تسخين الإكليل، وتصفها المقالة المصدرية بأنها من أبرز العوامل المقترحة.
2.فروق الضغط والكثافة على حواف الستائر: ستائر السبيكيولات أكثف من «الفراغ» المحيط بها في الإكليل، وهذه الفروق على حوافها تولّد ما يُعرف بالدوامية الضغطية (baroclinic vorticity). وتشبّهها المقالة بالطقس الساحلي الذي تحرّكه نسائم البحر حين تلتقي هواءً دافئاً فوق اليابسة.
كيف قد يصل ذلك إلى الرياح الشمسية؟
بحسب النموذج، تفقد الستائر طاقتها وتهبط، فقد تسحب قنوات CoSCos بلازماها عائدةً إلى الإكليل. وهكذا تنتقل بلازما الصفائح السبيكيولية إلى الإكليل، فتغذّي الرياح الشمسية وتسهم في تسخين تلك المنطقة. وتدعم هذا الطرح ملاحظات من Hinode وIRIS تُظهر حزماً دوّارة من السبيكيولات في مناطق ترتبط بانتقال طاقة CoSCos.
ما حدود هذه النتائج؟
ينبغي التمييز هنا بين فرضية مدعومة بنموذج حاسوبي وحقيقة مثبتة بالرصد المباشر. اعتمدت الدراسة على المحاكاة، ولم تستخدم بيانات جديدة من مسبار Solar Orbiter أو مسبار Parker Solar Probe. أما التقاطع مع ملاحظات IRIS وHinode فيعزز الفرضية ولا يحسمها، وتقرّ المقالة بأن الكثير عن هذه العملية لا يزال مجهولاً.
وقد يتغيّر ذلك قريباً، فأجهزة رصد شمسية جديدة تراقب الشمس حالياً. وتتناول المقالة المصدرية مقطعاً مصوّراً يتحدث فيه Fraser عن أعلى صورة دقة التُقطت للشمس على الإطلاق. ويبقى السؤال المفتوح: هل ستؤكد الأرصاد الأدق أن ما بدا نفّاثات مستقلة كان في الحقيقة ستائر مطويّة، وأن دوّامات CoSCos تنقل الطاقة إلى الإكليل؟
أخبار ذات صلة

تاريخ محاولات التواصل مع الحضارات الفضائية: من الكواكب إلى النجوم

رئيس بعثة أرتيميس الثانية ريد ويزمان نائباً لمدير مختبر الدفع النفاث بـ NASA

لا حاجة للمذنبات، كيف يمكن للأرض أن تكون قد أنشأت مياهها الخاصة
