انبعاثات الميثان في سيبيريا تهدد المناخ العالمي
سيبيريا تتحول إلى مصدر متصاعد للميثان بسبب ذوبان التربة الصقيعية وحرائق الغابات المستمرة التي تزيد من أزمة الاحتباس الحراري. دراسة تكشف نظامين مناخيين مختلفين يغذيان هذه الأزمة ويهددان الكوكب بمخاطر أكبر. وورلد برس عربي

في نهاية كلّ صيف سيبيري، حين تذوب طبقات التربة المتجمّدة وتشتعل الغابات، تتصاعد إلى الغلاف الجوي كمياتٌ من الميثان لم تكن النماذج المناخية تتوقّع حجمها ولا استدامتها. دراسةٌ نُشرت في مجلة Science بتاريخ 6 أغسطس 2026 تكشف أنّ سيبيريا لم تعد منطقةً مناخية واحدة بل باتت تنقسم إلى نظامَين مختلفَين تفصلهما جغرافياً نهر Yenisei، وكلٌّ منهما يُغذّي أزمة الميثان بآليةٍ مختلفة.
نظامان مناخيان، مصدران للخطر
غرب سيبيريا يصبح أكثر رطوبةً بفعل رطوبةٍ قادمة من المحيط الأطلسي الشمالي عبر نمطٍ جوي اسكندنافي. هذه الرطوبة تُسرّع ذوبان التربة الصقيعية (Permafrost) وتُنشّط الأراضي الرطبة، حيث تُنتج الميكروبات الميثان في غياب الأكسجين. شرق سيبيريا، في المقابل، يخضع لأنظمة ضغطٍ عالٍ مرتبطة بظاهرة Arctic Oscillation، ما يُولّد موجات حرارة وحرائق غابات متصاعدة وهي بدورها مصدرٌ مختلف للميثان، يأتي هذه المرّة من احتراق الكتلة الحيوية.
النتيجة الإجمالية: ارتفعت انبعاثات الميثان من سيبيريا بمعدّل 5% سنوياً بين عامَي 2010 و2023، بزيادةٍ إجمالية تبلغ نحو 13.2 مليون طن خلال فترة الدراسة. وتُسهم سيبيريا بنحو 5% من انبعاثات الميثان العالمية، لكنّها تُعدّ من أسرع المصادر الطبيعية نمواً وهو ما يجعل الإشارة هنا أثقل من رقمها الظاهر.
"عملاقٌ نائم" على وشك الاستيقاظ
يقول Paul Palmer، أستاذ في جامعة Edinburgh وأحد مؤلّفي الدراسة: «بالنظر إلى الزيادات الملحوظة في ذوبان التربة الصقيعية ونشاط الأراضي الرطبة وحدوث الحرائق، كان من المتوقّع حدوث ارتفاع في انبعاثات الميثان. لكنّ المفاجئ هو الحجم الكبير لهذا الارتفاع واستمراريته».
ويُحدّد Palmer شرق سيبيريا باعتباره المحرّك الرئيسي للمسار المستقبلي: «يبدو أنّ شرق سيبيريا هو المحرّك الرئيسي للزيادة المتوقّعة، لأنّه يسخن بوتيرةٍ أسرع من غرب سيبيريا، وشهد ارتفاعاً حاداً في حرائق الغابات المتطرّفة».
ما قد لا يظهر في العناوين هو الحلقة المفرغة التي تُلوح في الأفق: الحرائق لا تُطلق الميثان من الكتلة الحيوية فحسب، بل قد تُعجّل بذوبان التربة الصقيعية من تحتها، فتفتح خزيناً أعمق وأقدم من الكربون المتجمّد. يُشير Palmer إلى أنّ «هناك أدلّةً على أنّ الحرائق قد تُسرّع ذوبان التربة الصقيعية وإطلاق الميثان من التربة المتجمّدة سابقاً».
تحتضن سيبيريا 46% من التربة الصقيعية في نصف الكرة الشمالي وهو رقمٌ يُعيد تأطير المشهد بالكامل. يصف Palmer هذا الواقع بعبارةٍ لافتة: «مخزون الكربون الهائل في التربة الصقيعية السيبيرية يشبه العملاق النائم. الاحترار المستمر يُخاطر بإيقاظ مصدرٍ أضخم بكثير من غازات الاحتباس الحراري».
إشاراتٌ قادمة من الفضاء
تزداد صعوبة رصد هذه التحوّلات بسبب بُعد المنطقة وشُحّ محطّات القياس الأرضية وهو ما تفاقم في ظلّ الحرب الروسية الأوكرانية. لذا تعتمد الدراسة اعتماداً رئيسياً على بيانات الأقمار الاصطناعية المدمجة في نظام «انعكاس تدفّق الميثان» (Methane Flux Inversion)، مع هامش عدم يقين يبلغ نحو 10%.
معظم الانبعاثات تتركّز في الربيع والصيف حين يتوفّر ضوء الشمس وهو نمطٌ موسمي يُسهّل الرصد نسبياً، لكنّه يعني أيضاً أنّ النوافذ الزمنية للتدخّل ضيّقة.
السؤال الذي تتركه الدراسة مفتوحاً يتعلّق بشرق سيبيريا تحديداً: هل ستُبطئ الحرائق المتكرّرة من نفسها حين تستنزف الغطاء النباتي المتاح للاحتراق؟ يُلمح Palmer إلى هذا الاحتمال، لكنّه يُقيّده بتحفّظٍ جوهري أنّ الحرائق ذاتها قد تكون تفتح خزّاناً لا يُغلق: التربة الصقيعية التي تذوب بعد كلّ موسم حرائق، ولا تعود إلى الانجماد كما كانت.
أخبار ذات صلة

قواعد المناخ للمحطّات الكهربائية: ماذا بعد قرار ترامب؟

آخر توربينة في مزرعة أمريكية بحرية كبرى تُنصّب

العام الأول لـ ReFuelEU: الالتزام الإلزامي يثبت فعاليته
