استبعاد عباس وأثره على السياسة الإسرائيلية
تسعى إسرائيل لاستبعاد حزب القائمة العربية الموحّدة من الانتخابات، بينما تتجه الأحزاب العربية لإحياء القائمة المشتركة. هل ستؤثر هذه التطورات على مستقبل نتنياهو السياسي؟ اكتشف المزيد عن الصراع الديموغرافي والتحديات الراهنة.

منذ أكثر من عقدين، أعلن Benjamin Netanyahu، وكان آنذاك وزيراً للمالية الإسرائيلية، في مؤتمر هرتسليا الأمني أنّ التهديد الديموغرافي الأول الذي تواجهه إسرائيل لا يصدر عن الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وغزة، بل عن «عرب إسرائيل» في أراضي 1948.
اليوم، وبعد حلّ الكنيست مع اقتراب انتخاباتٍ جديدة، لا تزال هذه «التهديدات» تُحرّك قرارات Netanyahu رئيساً للوزراء. ففي خضمّ مفاوضاتٍ تجريها الأحزاب العربية للترشّح على قائمة موحّدة، تشير التقارير إلى أنّه يسعى إلى حظر أحد الأطراف المرتقبة في هذا التحالف، وهو حزب القائمة العربية الموحّدة وزعيمه Mansour Abbas، من المشاركة في الانتخابات.
القائمة العربية الموحّدة، المعروفة بـ Ra'am، هي أحد الأحزاب العربية الأربعة الرئيسية التي تعهّدت في مطلع هذا العام بإحياء القائمة المشتركة، وهو تحالفٌ انتخابي تأسّس عام 2015 للتنافس على منصّةٍ مشتركة تمثّل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
يأتي السعي لإقصاء Abbas في وقتٍ تتداول فيه التقارير أنّ مسؤولين إسرائيليين يبحثون خطّةً لتصنيف الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية، الذي يُعدّ المرجعية الأم لحزب Ra'am، منظّمةً إرهابية.
تبدو هذه التطوّرات لافتةً للنظر، إذ إنّ القائمة العربية الموحّدة كانت أوّل حزبٍ عربي يدخل حكومةً إسرائيلية، في عهد الائتلاف القصير الأمد بين Naftali Bennett وYair Lapid بين عامَي 2021 و2022. وكانت الأحزاب العربية في إسرائيل تنظر تقليدياً بعينٍ متشكّكة إلى مسألة الانضمام إلى الحكومة، باعتبارها شكلاً من أشكال إضفاء الشرعية على آليات الاحتلال، أو حتى المشاركة فيها.
كان Abbas أيضاً أوّل سياسي عربي يعترف علناً بإسرائيل بوصفها دولةً يهودية. وتفيد التقارير بأنّه أجرى مفاوضاتٍ مع Netanyahu حول شراكةٍ بين Likud وحزبه، وفي الشهر الماضي أعلن دعمه لأداء المواطنين العرب الخدمة المدنية الوطنية، وإن كان قد تراجع عن هذا الموقف لاحقاً. هذه السلسلة من الخطوات والتصريحات التي تجاوزت ما كان يُعدّ من الخطوط الحمراء حوّلت القائمة العربية الموحّدة إلى كيانٍ بالغ الجدل داخل المشهد السياسي الإسرائيلي.
التآكل الممنهج
قبل اندلاع الإبادة الجماعية في غزة بوقتٍ طويل، كان المشهد السياسي الإسرائيلي يرزح تحت وطأة هيمنة Netanyahu، منقسماً بين مؤيّديه ومعارضيه. على أحد الجانبين وقف اليمين التقليدي ممثّلاً بـ Likud والأحزاب الأرثوذكسية المتشدّدة وتيار اليمين الاستيطاني المسيحاني.
وعلى الجانب المقابل، تموضع معسكر «أي شخصٍ إلا Bibi»، الذي يضمّ أحزاباً يمينية و وسطية أخرى كـ Yisrael Beiteinu وYesh Atid، ترفض استمرار Netanyahu في الحكم.
هذا الانقسام داخل الأحزاب الصهيونية، مع احتفاظ معسكر Netanyahu بالأغلبية، منح الأحزاب العربية القدرة على لعب دور صانع الملوك. والآن، مع العودة المتوقّعة للقائمة المشتركة، يتوقّع المحلّلون أن ترتفع نسبة إقبال الناخبين العرب ارتفاعاً ملحوظاً، ممّا قد يحرم Netanyahu من الحصول على أغلبيةٍ حاكمة.
لا يمكن فهم محاولة استبعاد Abbas وحزبه بمعزلٍ عن السياق التاريخي لمسار Netanyahu الممنهج في تآكل المشاركة السياسية الفلسطينية، داخل الكنيست وخارجه على حدٍّ سواء.
حين أُسِّست القائمة المشتركة لأوّل مرّة قبل أكثر من عقد، إثر قرار الكنيست رفع نسبة الحسم الانتخابية التي هدّدت بقاء الأحزاب الصغيرة كتكتّلاتٍ مستقلّة، ارتفعت نسبة إقبال الناخبين العرب بشكلٍ لافت، ما دفع Netanyahu إلى إطلاق تصريحه الشهير عن الفلسطينيين الذين «يتوافدون إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة»، مضيفاً أنّ «منظّمات يسارية» هي من «تنقلهم بالحافلات».
بعد أشهرٍ قليلة فحسب، وعقب تشكيل حكومةٍ جديدة، أقدم Netanyahu على حظر الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، الذي يقاطع الانتخابات الوطنية لأسبابٍ أيديولوجية وسياسية. أفضى ذلك القرار إلى تهميش حركةٍ تمثّل شريحةً واسعة من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وكانت تدير شبكةً من مؤسسات الرعاية الاجتماعية والمنظومة التعليمية ووسائل الإعلام.
جرى الحظر بمعزلٍ عن أي إجراءٍ قضائي ديمقراطي، إذ أُوقفت أنشطة الحركة بين عشيّةٍ وضحاها. وبعد عامٍ واحد، داهمت الشرطة الإسرائيلية مكاتب حزب Balad، المعروف بالتجمّع الوطني الديمقراطي، واعتقلت أكثر من 20 من أعضائه بتهمٍ تتعلّق بتمويل الحزب.
القوّة المتوقّعة
تكشف دراسة التشريعات التي أقرّتها حكومات Netanyahu المتعاقبة منذ عام 2009 عن سلسلةٍ متواصلة من القوانين التي تستهدف المواطنين العرب: من «قانون النكبة» الذي يحظر إحياء ذكرى التهجير الفلسطيني عام 1948، إلى قانون القومية الصادر عام 2018 الذي يُرسّخ التفوّق اليهودي. وبعد 7 أكتوبر 2023، أُضيفت تشريعاتٌ جديدة تتيح ترحيل ذوي الفلسطينيين المتّهمين بتنفيذ عمليات ضد الإسرائيليين.
في الوقت ذاته، يُدرك Netanyahu جيّداً الزخم الذي تولّده عودة القائمة المشتركة في أوساط الناخبين الفلسطينيين. هذا الدعم لا ينبع بالضرورة من إيمانٍ بالتحالف الانتخابي وسيلةً للتمثيل أو للتغيير الفاعل، بل من منطق البقاء والصمود.
تُشير استطلاعاتٌ حديثة إلى أنّ 82 بالمئة من المواطنين العرب في إسرائيل يؤيّدون القائمة الموحّدة، ويتراوح الثقل المتوقّع لها بين 13 و16 مقعداً، ممّا قد يجعلها من أقوى الكتل داخل الكنيست.
وبينما يشهد كلّ دورةٍ انتخابية تقريباً محاولةً لاستبعاد حزبٍ عربي على الأقل وهي قراراتٌ طالما أبطلتها المحكمة العليا الإسرائيلية لاحقاً فإنّ ما يحيكه Netanyahu هذه المرّة يختلف في طبيعته؛ إذ يسعى إلى توظيف الوضع الأمني الهشّ والغضب الجمعي لدى الإسرائيليين اليهود لصياغة ساحةٍ سياسية جديدة خاليةٍ من الأحزاب العربية.
يعلم Netanyahu أنّه في غياب الأحزاب العربية، يستطيع على الأرجح تأمين ليس فقط الانتخابات المقبلة، بل الحكومات المتعاقبة في المستقبل.
وقد نجح Netanyahu فعلاً في نزع الشرعية عن مشاركة الأحزاب العربية في أي ائتلافٍ حاكم. فمنافسوه الرئيسيون، Bennett وLapid، باتا يُصرّحان علناً بأنّهما لا ينويان بناء ائتلافٍ مستقبلي مع الأحزاب العربية.
كلّ هذا يرسم مساراً واضحاً لما تتجّه إليه إسرائيل في السنوات المقبلة: إلى جانب الإبادة الجماعية في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية المحتلة، نشهد تآكلاً كاملاً لشرعية المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل ذاتها.
تماماً كما يستهدف Netanyahu وشركاؤه السلطة الفلسطينية رغم استمرار تعاونها الأمني مع إسرائيل فإنّهم يلاحقون اليوم القائمة العربية الموحّدة، على الرغم من كلّ تنازلاتها الأيديولوجية واستعدادها للانضمام إلى الائتلافات وإضفاء الشرعية على الاحتلال. بالنسبة لـ Netanyahu، لا يكفي شيءٌ من هذا كلّه.
أخبار ذات صلة

قمّة مجموعة السبع على الحدود السويسرية الفرنسية تحت حراسة مشدّدة

وكالة التحقيقات الفيدرالية تُغلق 13 موقعاً استخدمت لاستقطاب عاملين أمريكيين لصالح الصين

لقاء بين نائبَي جمهوريين أمريكيين وزعيم المعارضة الموالية لبكين في تايوان
