وورلد برس عربي logo

الإمبراطورية البريطانية وإرثها في العالم المعاصر

تستعرض وورلد برس عربي كيف ورثت الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات إرث الإمبراطورية البريطانية الاستعماري عبر سياسات التوسع والقوة العسكرية والصراعات المستمرة التي تشكل واقع السياسة العالمية اليوم.

ظلال طائرة مقاتلة وجندي في قاعدة عسكرية، تعكس استمرار الهيمنة العسكرية للإمبراطورية الأمريكية وريث الإمبراطورية البريطانية.
جندي بريطاني يقف بجانب طائرة مقاتلة يوروفايتر تايفون في قاعدة القوات الجوية الملكية أكروتيري في قبرص، 22 سبتمبر 2016 (وكالة فرانس برس)
التصنيف:العالم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تعدّ الإمبراطورية البريطانية، دون منازع، أنجح مشروعٍ استعماري وإمبريالي شهده العالم خلال الثلاثمائة عام الماضية إن كان النجاح يُقاس بمعيار الفتح والاستغلال الممتدّ على رقعةٍ شاسعة من الكوكب.

وإن كانت الإمبراطورية قد أسدلت ستارها فعلياً في العقدين الممتدّين بين عامَي 1947 و1967، فإنّ آثارها على عالمنا المعاصر لا تزال تتكشّف حتى اليوم.

لقد طوت القوى الأوروبية الاستعمارية السابقة صفحة ماضيها الإمبريالي، وقبلت في مجملها بمكانتها بوصفها قوىً متوسّطة، غير أنّ بريطانيا لم تسلك هذا المسار.

كانت آخر الكوارث الكبرى التي أفرزتها الإمبراطورية البريطانية في أيّامها الأخيرة: تقسيم الهند عام 1947 الذي أودى بحياة مليون شخص وأدّى إلى تهجير خمسة عشر مليوناً آخرين، ثم إنشاء دولة إسرائيل التي حظيت بدعم القوى الكبرى في الأمم المتحدة لكنّها قوبلت برفض الدول العربية التي اقتُطعت من إقليمها، فأُهجر 750,000 فلسطيني عام 1948.

ثمّة ثلاث دول ما بعد استعمارية نشأت من رحم الإمبراطورية البريطانية، وكان لها تأثيرٌ بالغ على السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين: الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، والإمارات العربية المتحدة.

وعلى الرغم من اختلاف هذه الأنظمة الحكومية والمنظومات الاجتماعية اختلافاً جوهرياً، فإنّها تشترك في سماتٍ مشتركة: فالولايات المتحدة كانت اقتصاداً قائماً على العبودية وزراعة المزارع، ثم تحوّلت إلى قوّةٍ صناعية عملاقة وقوّةٍ عالمية؛ وإسرائيل كانت اقتصاداً استيطانياً نما ليصبح قوّةً تقنية-عسكرية مفرطة؛ أمّا الإمارات فكانت سلسلةً من قرى الصيد قبل أن تغدو الوجهة الأولى عالمياً للأثرياء، ثم بزغت مؤخّراً بوصفها قوّةً عسكرية إقليمية.

فضلاً عن ذلك، أعادت هذه الأنظمة إنتاج التسلسلات العرقية وأنماط الحوكمة الاستعمارية الكامنة في المشروع الإمبريالي البريطاني؛ إذ تحوّلت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى قوّتَين مسلّحتَين توسّعتا بالقوّة في الأراضي المجاورة والأراضي الأصلية، وقد انضمّت إليهما الإمارات مؤخّراً في هذا النادي.

ومن الأنظمة الاستعمارية البريطانية السابقة أيضاً نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، غير أنّه انهار بفضل النضال العالمي المناهض للأبارتهايد وحلفائه في أفريقيا وكوبا ودول الجنوب العالمي.

وهكذا، بينما كانت بريطانيا تفقد إمبراطوريتها، كانت تُورث العالم هيمنةً أمريكية إمبريالية تمتلك أضخم بصمةٍ عسكرية في التاريخ، ومستعمرةً استيطانية مفرطة التسليح في إسرائيل، ودكتاتوريةً خليجية ذات اقتصادٍ يُشبه نظام الفصل العنصري وطموحاتٍ إمبريالية في شرق أفريقيا.

لقد خلفت الولايات المتحدة الإمبراطوريةَ البريطانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظلّت في حالة حربٍ شبه متواصلة منذ ذلك الحين، إذ راح ضحيّة حروبها في كوريا والهند الصينية والشرق الأوسط وتدخّلاتها في أمريكا اللاتينية ملايين البشر.

وعلى المنوال ذاته، دأبت إسرائيل منذ ميلادها العنيف عام 1948 على خوض حربٍ متواصلة ضدّ الفلسطينيين الأصليين الذين اغتُصبت أرضهم، وضدّ جيرانها العرب جميعاً، لتُقدم منذ عام 2023 على ارتكاب إبادةٍ جماعية.

أمّا الإمارات، فمنذ استقلالها عام 1971 نمت بوصفها مركزاً للتجارة العالمية، لكنّها باتت في عهد محمد بن زايد آل نهيان تسعى إلى بسط نفوذها الإقليمي، عبر تمويل جماعاتٍ بالوكالة وحركاتٍ انفصالية تمتدّ من ليبيا إلى السودان والصومال.

شركة الهند الشرقية الجديدة

على حدّ تعبير المحلّل الخليجي Andreas Krieg، تُعيد الإمارات إحياء أولى المشاريع الاستعمارية البريطانية الكبرى: شركة الهند الشرقية (East India Company). وكإسرائيل تماماً، تواجه الإمارات اليوم اتهاماتٍ بالإبادة الجماعية جرّاء تسليحها لقوّات الدعم السريع شبه العسكرية، التي ارتكبت جرائم جماعية موثّقة بحقّ المجموعات العرقية السودانية السوداء في دارفور.

كان يمكن للمرء أن يأمل في أنّ بريطانيا، بعد أن أورثت العالم هذا الإرث الإمبريالي القائم على سياسة "فرّق تسُد" والتهجير القسري، أن تسعى إلى التخفيف من وطأته، والنأي بنفسها عن أفعال أسلافها الاستعماريين، وسلوك مسارٍ جديد يقوم على السلام.

لكنّ بريطانيا بدلاً من ذلك عادت في القرن الحادي والعشرين إلى حروب الماضي الإمبريالية حليفاً ثانوياً للإمبراطورية الأمريكية. كما حافظت على تحالفها مع نتاجها الاستعماري، وأحجمت عن اتّخاذ أيّ خطواتٍ تصحيحية للحدّ من تصرّفات إسرائيل والإمارات.

وبدلاً من ذلك، تغلّبت المصالح التجارية والتحالفات العسكرية والمصالح الاستراتيجية على أيّ واجبٍ أخلاقي يدعو إلى الانفصال عن هذا الإرث الإمبريالي وطيّ صفحةٍ جديدة. والذريعة المعتادة هي البراغماتية الواقعية وتحقيق الربح.

في مثالٍ حديث ورد، حثّ خبراء إنسانيون الحكومةَ البريطانية مراراً، بوصفها الدولة الحاملة لقلم التفاوض في ملفّ السودان بمجلس الأمن، على التحرّك إزاء الحصار والهجوم الوشيك على الفاشر عاصمة شمال دارفور، الذي كانت قوّات الدعم السريع المموَّلة والمسلَّحة من الإمارات تستعدّ لاقتحامها.

وقال Nathaniel Raymond، مؤسّس مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة Yale، إنّ نداءاتٍ متكرّرة أُطلقت على مدى 18 شهراً موجَّهةً إلى وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية (FCDO)، تطالبها بإطلاق صافرة الإنذار والضغط على حلفائها الإماراتيين لوقف الهجوم.

وأفاد Raymond بأنّ هذه التحذيرات المتكرّرة قوبلت بالتجاهل والتشكيك والرفض من قِبل مسؤولي وزارة الخارجية. كما وثّق الروابط بين الإمارات وقوّات الدعم السريع، وطالب بريطانيا بالإفراج عن هذه المعطيات لممارسة الضغط على أبوظبي، إلّا أنّ المسؤولين البريطانيين أبلغوه بأنّهم يخضعون لضغوطٍ هائلة من حلفائهم في أبوظبي. وعقب هذا الامتناع عن التحرّك، نفّذت قوّات الدعم السريع مجزرةً إبادية راح ضحيّتها ما يُقدَّر بـ60,000 شخص في أكتوبر 2025، في أفظع حدثٍ للقتل الجماعي في هذا القرن.

وقال Raymond إنّ الحكومة البريطانية آثرت علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية مع الإمارات على درء المجزرة الإبادية التي طالت عشرات الآلاف من المدنيين في السودان.

إلى جانب هذا الإخفاق المخزي في السودان، تبرز حقائق التواطؤ البريطاني وتقديم الغطاء الدبلوماسي وصفقات الأسلحة لإسرائيل طوال مسيرة الإبادة الجماعية التي أودت على الأرجح بحياة 100,000 شهيد فلسطيني وأكثر من 8,000 لبناني، فيما تواصل الحكومة البريطانية إنكار الأدلّة الدامغة على جرائم إسرائيل.

إدمان الإمبراطورية

هذان مثالان حديثان وبشعان على كيفية تقديم بريطانيا تحالفاتها مع الدول المارقة التي نشأت من رحم الإمبراطورية البريطانية، لتضعها في صلب سياستها الخارجية، متجاهلةً القانون الدولي وتصريحاتها الحقوقية المُعلنة.

والمثال الثالث هو بالطبع "العلاقة الخاصة" المختلّة كلياً مع الولايات المتحدة في عهد Donald Trump، وهي تشنّ حرباً على إيران وتسلّح إسرائيل وتفرض الحصار على كوبا وتنتهج عدوانيةً صريحة تجاه مؤسّسات القانون الدولي.

على بريطانيا أن تُدرك ما تدين به للعالم: أن تُدير ظهرها للعقلية الإمبريالية والتحالفات المختلّة التي أطلقت العنان لهذا الدمار، بعد نصف قرنٍ على انتهاء الإمبراطورية.

بالطبع، سيكون مثل هذا التحوّل عسيراً سياسياً وسيُثير ردود فعلٍ عنيفة من الدول النافذة المعنيّة، فضلاً عن قوى المؤسّسة المحافظة على الوضع الراهن. لكنّ الملايين من الناخبين باتوا يضيقون ذرعاً بالتواطؤ البريطاني في جرائم الحرب والإبادة الجماعية، وسيدعمون هذا التغيير.

هذه هي مهمّة وزير الخارجية Ed Miliband في حكومة Andy Burnham، غير أنّه لا تلوح حتى الآن أيّ بوادر تدلّ على أنّ الحكومة الجديدة تعتزم الخروج عن المسار المعتاد، إذ يبدو البيان الافتتاحي لـMiliband كأنّه صِيغ من قِبل نسخةٍ خارجيةٍ من ChatGPT تابعة لوزارة الخارجية.

وقد وافق Burnham بالفعل على مواصلة منح الولايات المتحدة حقّ الوصول إلى القواعد الجوية البريطانية في Diego Garcia وRAF Fairford لدعم حربها غير المشروعة على إيران. وبصرف النظر عمّن يتولّى السلطة، يبدو أنّ المؤسّسة مُدمنةٌ في صميمها على الإبقاء على مكانتها في النظام الإمبريالي، بصرف النظر عن الثمن الذي يدفعه السمعة البريطانية المتراجعة على الساحة الدولية. هذا يجب أن يتغيّر.

أخبار ذات صلة

Loading...
ماشية مكسيكية في حظيرة بولاية سونورا استعداداً لاستئناف صادرات الماشية الحية إلى الولايات المتحدة بعد رفع الحظر بسبب ذبابة الدودة اللولبية.

المزارعون المكسيكيون يستعدون لاستئناف صادرات الماشية للولايات المتحدة تحت إجراءات صارمة

مع رفع الحظر الأمريكي على واردات الماشية المكسيكية تبدأ آمال المزارعين في التعافي رغم القيود الجديدة التي تهدف لمنع انتشار ذبابة الدودة اللولبية. اكتشف التفاصيل وكن أول من يعرف مستقبل تجارة الماشية.
العالم
Loading...
نشطاء يرتدون زي السجناء في غوانتنامو ويرتدون أغطية للرأس في احتجاج رمزي ضد الاعتقال التعسفي وتعذيب المعتقلين.

سقوط كابل بعد خمس سنوات: أشباح "الحرب على الإرهاب" تعود إلى الديار

شهدت كابول لحظة تاريخية حين غادرت آخر طائرة عسكرية أمريكية، معلنة نهاية احتلال دام عشرين عاماً. اكتشف كيف قلبت المقاومة الأفغانية موازين القوة بهدوء غير متوقع. تابع القراءة لتفهم أبعاد هذه الهزيمة الاستراتيجية.
العالم
Loading...
جنود أمريكيون على زوارق عسكرية خلال مناورات بحرية مشتركة مع كوريا الجنوبية، في سياق التوترات مع كوريا الشمالية.

كوريا الجنوبية: بيونغ يانغ أطلقت نحو 10 صواريخ باليستية قصيرة المدى

تصاعد التوتر بعد إطلاق كوريا الشمالية صواريخ باليستية رغم تقليص المناورات الأمريكية-الكورية الجنوبية. اكتشف تفاصيل التصعيد والدبلوماسية المتوترة بين بيونغ يانغ وواشنطن الآن.
العالم
Loading...
توم فليتشر المسؤول الأممي عن الشؤون الإنسانية يتحدث عن تحديات الطائرات المسيّرة وتأثيرها على العمل الإنساني في أوكرانيا.

تحذير أممي: الطائرات الروسية بدون طيار تهدد المدنيين والعمل الإنساني في أوكرانيا

في خضم صراع خيرسون، تهدد الطائرات المسيّرة المدنيين والعاملين الإنسانيين، مما يعيق جهود الإغاثة ويزيد من معاناة السكان. اكتشف تفاصيل الأزمة وكيفية مواجهة التحديات الإنسانية الآن.
العالم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية