ابتكار عزل حراري متين لمساكن القمر في بيئة قاسية
كيف يمكن عزل مأوى على القمر حيث تتفاوت الحرارة بين 100 درجة مئوية نهاراً و230 درجة تحت الصفر ليلاً؟ بحث من جامعة بنسلفانيا يكشف أن الرقائق المتوسطة السماكة من Mylar توفر عزلًا أفضل والمتانة ضرورية لإقامة طويلة الأمد وورلد برس عربي

كيف تعزل مأوىً على سطح القمر، حيث تتجاوز الحرارة 100 درجة مئوية في النهار وتهبط إلى ما دون 230 درجة تحت الصفر في الظل؟ أحد الأجوبة المطروحة اليوم رقائق رقيقة من مادة Mylar تُرصّ في طبقات متراكبة. أجرى باحثون في جامعة بنسلفانيا (UPenn) اختبارات على هذه الطبقات، وخرجوا بنتيجة لم تكن متوقعة: الرقائق الأرقّ ليست الأفضل عزلاً.
يأتي هذا البحث في وقت قد تصبح فيه الإقامة البشرية على القمر أمراً معتاداً في المستقبل القريب. وتتناول الدراسة فجوة معرفية تتعلق بالمواد القادرة على تحمّل ظروف القمر والاستخدام الطويل. ونُشرت النتائج في دورية ACS Applied Materials & Interfaces، ويمكن الاطلاع على الورقة البحثية المنشورة عبر الرابط.
لماذا يُعدّ القمر بيئة قاسية على المساكن؟
على الأرض نعيش في درجات حرارة معتدلة نسبياً، أما القمر فيقدّم العكس تماماً. يبلغ سطحه في ضوء الشمس ما بين 70 و127 درجة مئوية (158 إلى 260 فهرنهايت). وفي الظل تتراوح الحرارة بين 238 و247 درجة مئوية تحت الصفر (396 إلى 413 فهرنهايت تحت الصفر).
ويزيد الأمر صعوبة أنّ اليوم القمري الواحد يعادل 29.5 يوماً أرضياً. نصفه نهار متواصل ونصفه الآخر ليل متواصل. أي أن أي مأوى سيتعرّض لفترات طويلة من الحرارة الشديدة تعقبها فترات طويلة من البرد القارس، وهذا ما يجعل العزل شرطاً أساسياً للإقامة لا ترفاً هندسياً.
ما الذي اختبره الباحثون بالتحديد؟
طوّر الفريق رقائق Mylar مرصوصة في طبقات، صُمّمت لتتحمل بيئة الفراغ مع الحفاظ على مرونتها. واختبر ثلاثة سماكات:
- رقائق بسماكة 2.5 ميكرومتر (μm)، رُصّت بكثافة 400 طبقة.
- رقائق بسماكة 5 ميكرومتر، رُصّت بكثافة 200 طبقة.
- رقائق بسماكة 12.5 ميكرومتر، رُصّت بكثافة 80 طبقة.
وهكذا تراوحت كثافة الطبقات المختبرة بين 80 و400 طبقة في الميليمتر الواحد. وخضعت هذه الرزم لظروف الفراغ ولمدى واسع من درجات الحرارة. كما تعرّضت لضغط يعادل 200 رطل على مساحة بحجم رأس الإصبع.
هل الأرقّ هو الأفضل؟ المفاجأة في النتائج
توقّع الباحثون أن تتفوق الرزمة الأرقّ، ذات الـ2.5 ميكرومتر، لأنها الأكثر طبقات. لكن الاختبارات أظهرت أن الرزمتين المتوسطة (5 ميكرومتر) والأسمك (12.5 ميكرومتر) عزلتا أفضل منها.
التفسير يرجع إلى جسيمات دقيقة موجودة في الرقائق. ففي الرقائق الأرقّ أتاحت هذه الجسيمات توزيعاً أكبر للحرارة، فصارت عوازل أضعف. أما في الطبقات المتوسطة والأسمك فكان احتكاك الجسيمات أقل، مما أتاح عزلاً أعلى. أي إنّ كثرة الطبقات وحدها لا تضمن عزلاً أفضل، وللتفاصيل المجهرية للمادة وزنها.
وهناك نتيجة ثانية لا تقل أهمية: تحمّلت الرزم الضغط أكثر مما توقّع الباحثون. يقول الدكتور إيغور بارغاتين، الأستاذ المشارك في الهندسة الميكانيكية والميكانيكا التطبيقية في UPenn وأحد المشاركين في إعداد الدراسة: «عندما نتحدث عن الإقامة طويلة الأمد على القمر، فمن المهم حقاً توفّر مواد متينة تدوم طويلاً بما يكفي».
ويضيف بارغاتين تحفظاً عملياً: «يمكنكم استخدام هذه الطبقات لعزل مأوىً قمري، لكن رواد الفضاء سيتعرّضون حتماً لحوادث صغيرة يصطدمون فيها بها». لذلك تهمّ المتانة بقدر ما يهمّ العزل. وتجد تغطية الجامعة للبحث، وفيها كلام بارغاتين، على موقع كلية الهندسة في UPenn.
أين يقع هذا في خطط وكالة ناسا؟
تخطط NASA لإعادة البشر إلى القمر للمرة الأولى منذ عام 1972. وهدفها بعيد المدى هو وجود بشري دائم على سطحه. وتستهدف الوكالة القطب الجنوبي القمري، لأن في أعماق بعض فوهاته رواسب كبيرة من الجليد المائي.
والوجود الدائم يحتاج إلى تقنيات للعمل والسكن طويلي الأمد، ومنها مواد عزل تصمد أمام الحرارة والبرد والاستخدام اليومي. وتشير نتائج بنسلفانيا إلى أن مادة Mylar قد تؤدي دوراً في ذلك. أما السؤال المفتوح فهو هل ستصمد هذه الرزم في الظروف الفعلية للقمر طوال سنوات من الإقامة، وهو ما ستجيب عنه اختبارات لاحقة لا هذه النتائج وحدها.
أخبار ذات صلة

تاريخ محاولات التواصل مع الحضارات الفضائية: من الكواكب إلى النجوم

رئيس بعثة أرتيميس الثانية ريد ويزمان نائباً لمدير مختبر الدفع النفاث بـ NASA

لا حاجة للمذنبات، كيف يمكن للأرض أن تكون قد أنشأت مياهها الخاصة
