لامين جمال بين فخر الهوية وتحديات الانتماء الإسباني
صورة لامين يمال سجوداً بعد نهائي كأس العالم أشعلت جدلاً حول الهوية والانتماء في إسبانيا بين الدعم والتشكيك. قصة شاب من أصول متعددة يمثل التعددية الثقافية ويواجه تحديات الهوية الوطنية عبر وورلد برس عربي.

صورةٌ واحدة، جدلٌ لا ينتهي: Lamine Yamal بين الهوية والانتماء
انتشرت الصورة بسرعةٍ لافتة على منصات التواصل الاجتماعي Lamine Yamal بقميص المنتخب الإسباني، ساجداً على أرض الملعب، فيما تدور خلفه مشادّةٌ بين لاعبين أرجنتينيين وإسبانيين في أعقاب نهائي كأس العالم. Lamine Yamal Nasraoui، البالغ من العمر 19 عاماً، أصبح بذلك أصغر لاعبٍ يبدأ نهائي كأس العالم ويفوز به منذ Pelé وKylian Mbappé.
لكنّ الحديث الرياضي في إسبانيا لم يتوقّف طويلاً عند النتيجة. انتقل بسرعةٍ إلى سؤالٍ أعمق، سؤالٍ يُلاحق Yamal منذ أن ارتدى القميص الأحمر للمرة الأولى: من يحقّ له أن يُعدَّ إسبانياً، وبأيّ معايير؟
طفلٌ من Rocafonda
وُلد Yamal في حيّ Rocafonda العمّالي بمدينة Mataró، لأبٍ مغربي وأمٍّ من غينيا الاستوائية. تحدّث في مقابلاتٍ عدّة عن عادته بترديد دعاءٍ علّمته إيّاه جدّته قبل كلّ مباراة، وعن صيامه في رمضان بينما كان يتدرّب في Camp Nou، ملعب Barcelona.
وخلال دور المجموعات في كأس العالم هذا الصيف، وبعد تسجيله هدفاً في مرمى المنتخب السعودي، أدّى سجدةَ الشكر وهي ممارسةٌ شائعة بين لاعبي كرة القدم المسلمين. أشعلت هذه اللحظة نقاشاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فبينما أشاد بها كثيرٌ من المشجّعين، رأى آخرون أنّها لا مكان لها في مباراةٍ دوليّة يمثّل فيها اللاعب إسبانيا.
ليس Yamal أوّل مسلمٍ يلعب للمنتخب الإسباني سبقه إلى ذلك Munir Al Haddadi عام 2014 غير أنّه اللاعب الأبرز في جيله، ووارث قميص رقم 10 في Barcelona الذي حمله Lionel Messi من قبل. وقد تعرّض ولاؤه لبلده الذي وُلد فيه للتشكيك المتكرّر في الفضاء العام.
بين المؤيّدين والمعارضين
دافعت Ione Belarra، الوزيرة السابقة والوجه البارز في حزب Podemos اليساري، عن التعدّدية الثقافية، مُعلنةً أنّها "تُحبّ إسبانيا Lamine Yamal أكثر بكثيرٍ من إسبانيا التي يروّج لها حزب People's Party المحافظ وحزب Vox اليميني المتطرّف". وكثيرٌ من المشجّعين شاركوها الفرحة حين رأوا شقيق Yamal الأصغر يركض داخل الملعب وهو يرتدي قميص المنتخب.
في المقابل، تحوّلت مكانة Yamal المتصاعدة بالنسبة لبعض الإسبانيين إلى نقطة توتّرٍ في نقاشاتٍ أشمل حول الهوية الوطنية. رصد المرصد الإسباني للعنصرية وكره الأجانب أكثر من 40,000 منشورٍ يحمل خطاب الكراهية على الإنترنت، إذ شكّل المحتوى الرياضي 16 بالمئة من المنشورات المُراقَبة، وكان Yamal الهدف الرئيسي فيها.
وقد اشتدّ الهجوم عليه بعد سجدة الشكر، حين استغلّ بعضهم الإيماءة للتشكيك في أحقّيته بتمثيل بلده، وكتبوا تعليقاتٍ من قبيل "لقد أُهينت جذورنا" و"هو لا يستحقّ أن يكون إسبانياً".
ودافع Santiago Abascal، زعيم حزب Vox، عن هذه الشعارات عبر منصة X، كاتباً أنّ "هؤلاء الناس يشقّون شعورهم على هتافٍ ليس إهانةً أصلاً، بل مجرّد تعبيرٍ عن الهوية". وأضاف: "يتوقّعون من الإسبانيين أن يتقبّلوا بصمتٍ الغزو الإسلاموي والحكومة المافيوية".
والحزب نفسه وصف سابقاً حيّ Rocafonda، الذي نشأ فيه Yamal، بعباراتٍ مسيئة، وذلك قبل سنواتٍ من صعود Yamal إلى الشهرة العالمية.
في المقابل، رفض Juan Carlos Serrano Muñoz، صاحب مقهىً صغيرٍ في Rocafonda تُزيّنه جداريّاتٌ لأبرز أبناء الحيّ، هذا الخطاب ووصفه بالتفريقي. وقال في إشارةٍ إلى Vox: "يريدون التركيز على الهجرة والجريمة، لكنّ ما فعله Lamine كان ركلةً في وجه هؤلاء، وروايةً مختلفة عن هذا الحيّ روايةٌ أجمل عن اندماج الثقافات المتعدّدة التي تعيش هنا."
"هو إسباني"
على الرغم من أنّ المشهد الثقافي الإسباني لا يزال يحمل إرثه الكاثوليكي، فإنّ إسبانيا دولةٌ علمانية، ويحقّ لأبناء جميع الأديان تمثيل المنتخب الوطني. ومع بقاء كرة القدم قوّةً جامعةً كبرى، وامتلاك إسبانيا لواحدةٍ من أعلى كثافات المرافق الرياضية العامة في أوروبا، يبدو أنّ حضور اللاعبين المسلمين في الملاعب الإسبانية سيتواصل ويتنامى.
استجابةً لذلك، اتّخذ الاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم (RFEF) والأندية جملةً من الإجراءات لتهيئة بيئاتٍ أكثر شموليّةً وضماناً لتكافؤ الفرص، كان من أبرزها إنشاء قسم المساواة عام 2023، أي قبل عامٍ من انطلاق مسيرة Yamal الدولية في Euro 2024. وشكّل ذلك خطوةً مهمّة نحو تقنين الحماية من التمييز في الرياضة، بصرف النظر عن خلفية الشخص أو دينه.
وأبدى كثيرٌ من الإسبانيين دعمهم الصريح لـYamal. في استطلاعٍ أجراه موقع The New Arab، قال أحد المشاركين: "هو إسباني، وبغضّ النظر عن أصوله، فقد دافع عن بلده كما يدافع أيّ إسباني." لم يكن في هذا القول محوٌ لهوية Yamal، بل تعبيرٌ عن قناعةٍ بأنّ إرثه الثقافي وانتماءه الإسباني يمكن أن يتعايشا معاً.
بقي، سجّل، انتصر
صورة Yamal ساجداً، رافعاً يديه، وسط فوضى نهائي كأس العالم، قُرئت بطريقتَين مختلفتَين. بالنسبة للبعض، هي ما تبدو عليه تماماً: لحظةٌ خاصّة لشابٍ يُعبّر عن امتنانه، لا تختلف في جوهرها عن لاعبٍ يرسم إشارة الصليب أو يرفع إصبعه نحو السماء. وبالنسبة لآخرين، مرشَّحةً عبر المخاوف التي أمضى Vox سنواتٍ في تأجيجها حول Rocafonda وأحياءٍ مشابهة، تحوّلت الإيماءة إلى ذريعةٍ في الخطاب السياسي والجدل الإلكتروني.
قسم المساواة في RFEF والنموّ المتواصل لملاعب كرة القدم الشعبية في أرجاء البلاد يُشيران إلى مستقبلٍ يصبح فيه لاعبون يشبهون Yamal ويُصلّون كما يُصلّي جزءاً طبيعياً من المنتخب الوطني. أمّا المشهد السياسي المحيط به فيُشير إلى مستقبلٍ آخر، تُعاد فيه قراءة كلّ إيماءةٍ يؤدّيها في سياق نقاشٍ ممتدٍّ لعقودٍ يتجاوز كرة القدم بكثير.
خلافاً للاعبين كـAchraf Hakimi، الذي وُلد وترعرع في Madrid لكنّه اختار تمثيل وطن والديه المغرب، لم يحسم Yamal سؤال الانتماء باختيار علمٍ آخر. بقي مع إسبانيا، سجّل، سجد، وانتصر ممّا جعل الأمر أشدّ تعقيداً على كلا طرفَي النقاش الهوياتي في البلاد، إذ لا يستطيع أيٌّ منهما الآن أن يُقدّم حجّته دون أن يستحضر اسمه.
أخبار ذات صلة

فرحات أكباش يفوز بجائزة أفضل مدرّب في آسيا لهذا الموسم

أصبحت الرياضية التركية إلكه أوزيوكسل ميهريوغلو بطلة أوروبا

فيفا: كارني يفقد الثقة في إنفانتينو
