كيف فشلت ماكينة الدعاية الإسرائيلية في كسب الشباب
إسرائيل تستثمر مليارات في حملة دعاية رقمية ضخمة لتعزيز صورتها في الغرب لكنها تواجه تراجعًا متزايدًا في شعبيتها خاصة بين الشباب بسبب تصاعد رفض الحرب على غزة. تعرف على تفاصيل ماكينة الهاسبارا وتأثيرها في وورلد برس عربي.

استثمارٌ غير مسبوق في ماكينة الدعاية الرقمية يُخفق في وقف تراجع شعبية إسرائيل في الغرب هذا ما خلص إليه محللون تحدّثوا ، في ظلّ استمرار الحرب على غزة وتصاعد موجة الرفض الشعبي، لا سيّما في صفوف الأجيال الشابة.
استطلاعٌ أجراه مركز Pew Research في مارس الماضي كشف أن 60% من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرةً سلبية، من بينهم 57% من الناخبين الجمهوريين دون الخمسين عاماً، و84% من الديمقراطيين في الفئة العمرية ذاتها. والعامل الأبرز وراء هذا التحوّل هو توجّه الشباب المتزايد نحو منصات التواصل الاجتماعي بديلاً عن وسائل الإعلام التقليدية التي تميل في معظمها إلى الموقف الإسرائيلي.
في مواجهة هذه المعادلة، أقرّ المشرّعون الإسرائيليون في مارس ميزانيةً قياسية بلغت 730 مليون دولار للدبلوماسية العامة المعروفة بالاسم العبري «هاسبارا» تُعادل نحو خمسة أضعاف الميزانية السنوية السابقة، التي كانت بدورها تفوق مستويات ما قبل عام 2023 بعشرين ضعفاً.
في سبتمبر 2025، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu بعددٍ من المؤثّرين الأمريكيين في نيويورك، ساعياً إلى توظيفهم في تضخيم الرسائل المؤيّدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. وفي اللقاء، قال Netanyahu مؤكّداً أهمية دورهم: «علينا أن نقاتل بالأسلحة التي تناسب ساحات المعركة التي نخوضها، وأهمّها اليوم منصات التواصل الاجتماعي». وأضاف أن الصفقة التي استحوذ بموجبها المليارديرالأمريكي Larry Ellison، إلى جانب عددٍ من رجال الأعمال المؤيّدين لإسرائيل، على عمليات TikTok في الولايات المتحدة، هي «أهمّ عملية شراء تجري الآن».
في سياق حملة الدعاية ذاتها، نفّذت إسرائيل عمليات علاقات عامة سرية واستعانت بشركات متخصّصة لإدارة شبكات مؤثّرين مدفوعي الأجر، ضمن خطّةٍ حملت الاسم الرمزي «مشروع إستير». وبحسب وثائق مُودَعة لدى وزارة العدل الأمريكية بموجب قانون تسجيل العملاء الأجانب (FARA)، دفعت إسرائيل للمؤثّرين ما يصل إلى 7,000 دولار لكلّ منشور، وذلك عبر المقاول Bridges Partners الذي تعاون بدوره مع وكالة الإعلانات العالمية Havas Media Group Germany في ما وُصف بـ«حملة المؤثّرين».
كما أبرمت Havas عقداً بقيمة 15 مليون دولار مع شركة Clock Tower X التابعة لـ Brad Parscale، مدير حملة Trump الانتخابية السابق، التي كُشف مؤخّراً أنّها تقف وراء حملة على منصات التواصل الاجتماعي تستهدف الهجوم على صفقة الهدنة التي أبرمها الرئيس الأمريكي مع إيران، وذلك لصالح إسرائيل.
وكشفت مجلة Time الأسبوع الماضي أن المؤثّرين المنخرطين في هذه الحملة كانوا يتلقّون توجيهات في مجموعات دردشة خاصة حول الصياغة اللغوية المطلوبة لمنشوراتهم على منصات X وInstagram وTikTok، مقابل أجرٍ يصل إلى 4,250 دولار للمنشور الواحد.
في سياقٍ منفصل، أشارت صحيفة Wall Street Journal إلى أن مجموعة تُدعى Show Faith by Works قدّمت وثائق تكشف عن خططٍ لإنفاق أكثر من 3 ملايين دولار على ترويج رسائل مؤيّدة لإسرائيل في أوساط رواد الكنائس الكبرى وطلاب الكليات المسيحية، مع اقتراحٍ بالتواصل مع الكنائس والقساوسة والمؤثّرين المسيحيين على وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى أربعة ملايين شخص في جنوب غرب الولايات المتحدة. غير أن مؤسّس المجموعة Chad Schnitger أبلغ الصحيفة بأن هذه الخطط أُلغيت.
ومن أبرز ما كشف عن آليات ماكينة الهاسبارا ما أفصحت عنه Ella Kenan، الضابطة السابقة في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في أبريل الماضي خلال مؤتمرٍ في نيويورك، إذ أعلنت أنها عملت مع 60,000 مؤثّر حول العالم لـ«خدمة الرواية» الإسرائيلية في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023. وادّعت Kenan، التي أسّست منظمة Bright Mind بهدف «مكافحة المعلومات المضلّلة حول إسرائيل»، أن محتوى شبكتها الموجَّه في معظمه لمؤثّرين من غير اليهود — حقّق ما يقارب ثلاثة مليارات مشاهدة عبر منصات التواصل الاجتماعي. كما ادّعت أنها من ابتكرت شعار «Hamas هو ISIS»، الذي تبنّاه لاحقاً قادةٌ عالميون من بينهم الرئيس الأمريكي الأسبق Joe Biden.
وحدة المتحدّث الرسمي
على صعيدٍ موازٍ، أطلقت وزارة الخارجية الإسرائيلية مبادرةً لتمويل زيارات مؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي مرتبطين بحركة «Make America Great Again» (MAGA) إلى إسرائيل. وأنفقت الوزارة 86,000 دولار على عقدٍ مع منظمة Israel365 غير الربحية لاصطحاب 16 مؤثّراً أمريكياً تحت سنّ الثلاثين إلى البلاد، بهدف دفعهم إلى نشر رسائل تتوافق مع الموقف الحكومي الإسرائيلي بين قواعدهم الجماهيرية من المحافظين المسيحيين الشباب.
وفي سياقٍ آخر، تعرّض المؤثّر اليميني الأمريكي Clavicular لانتقاداتٍ واسعة إثر زيارته لإسرائيل، في ما بدا محاولةً لتبرئة نفسه من اتّهامات بمعاداة السامية، بعد ظهوره في مقاطع مصوّرة رفقة Andrew Tate المعروف بمواقفه المسيئة للمرأة، والناشط القومي الأبيض Nick Fuentes، وهم يردّدون كلمات أغنية «Heil Hitler» لـKanye West. واسم Clavicular الحقيقي Braden Eric Peters، وهو أحد الوجوه البارزة في ظاهرة «looksmaxxing»، ثقافةٌ فرعية ذكورية على الإنترنت تقوم على السعي المتطرّف نحو الجاذبية الجسدية.
خلال الزيارة التي احتفى بها الموقع اليميني المؤيّد لإسرائيل The Free Press تحت مسمّى «Israelmaxxing»، ظهر Clavicular في بثٍّ مباشر مع Shira Braun، جنديةٌ تخدم في وحدة المتحدّث الرسمي للجيش الإسرائيلي، وسألها مباشرةً عمّا إذا كان سيتقاضى 7,000 دولار مقابل نشر منشورات مؤيّدة لإسرائيل. وعلى إثر ذلك، جرى إعفاء Braun من منصبها وحُرمت من الاستمرار في دور منسّقة وسائل التواصل الاجتماعي للجيش. وقد واجه Clavicular أيضاً انتقاداتٍ من إسرائيليين بسبب تصريحاته المعادية للسامية في الماضي، ليُخفق المشهد برمّته في تحقيق الصورة اللامعة التي كان المسؤولون الإسرائيليون يسعون إليها.
قال Marc Owen Jones، الأستاذ المشارك في تحليلات الإعلام بجامعة Northwestern : «بدلاً من الاعتماد حصراً على الحسابات الحكومية الرسمية، باتت هذه الحملات تعمل عبر شبكاتٍ هجينة تجمع مؤسساتٍ حكومية ومنظمات مناصرة ومانحين من القطاع الخاص وجماعاتٍ من المغتربين ومنتجي محتوى، ممّا يُضبّب الحدود بين الدبلوماسية العامة الرسمية والنشاط الرقمي اللامركزي». غير أنه أضاف أن «هذه الاستراتيجية تنطوي على تناقضٍ جوهري: المؤثّرون يستمدّون قدرتهم الإقناعية من مصداقيتهم الشخصية، لكنّ الإشراف الصريح أو التمويل المكشوف يُقوّض هذه المصداقية ويُثير ردود فعلٍ عكسية» وهو ما جسّدته تداعيات زيارة Clavicular بوضوح.
أمّا المتحدّثة الإعلامية الإسرائيلية السابقة Rachel Lester، التي أمضت أربع سنواتٍ في الفرع الدولي لوحدة المتحدّث الرسمي منتجةً محتوى لوسائل التواصل الاجتماعي، فقد صرّحت لمنبر The Media Line الأمريكي بأن إسرائيل لا تستطيع ربح معركة مكافحة المشاعر المعادية لها على الإنترنت، لأن «أعداءنا بارعون جداً في التلاعب بعواطف العالم». و أوضحت Lester أن وحدة المتحدّث الرسمي تنقسم إلى ثلاثة فروع: الإعلام العبري، والإعلام الدولي، والإعلام العربي؛ وأن الفرع الدولي كان يسعى إلى إقناع العالم بأن لا يكترث بالمدنيين الفلسطينيين في غزة. وقالت إنها كانت «تحاول دائماً إنتاج مقاطع مصوّرة حول الموضوع المفضّل لدى الجمهور، وهو المدنيون في غزة»، وعن «تأثير هذه الحرب المروّعة على الأبرياء من سكّان غزة». وأشارت إلى أن هذه المقاطع «حقّقت أفضل أداء»، لأن «المجتمع الدولي لا يكنّ كثيراً من التعاطف مع إسرائيل».
وفي مقابلةٍ منفصلة مع موقع Ynet، قالت Lester إن «أكبر تحدٍّ نواجهه هو أنك لا تستطيع فعلاً مجادلة صور الأطفال القتلى».
وصفت Miriyam Aouragh، أستاذة الأنثروبولوجيا الرقمية في جامعة Westminster بالمملكة المتحدة، كثيراً من محاولات إسرائيل لاستقطاب المؤثّرين بأنها «أدارت ظهرها لأصحابها»؛ إذ لم تكتفِ بالفشل في تعزيز الرسائل المؤيّدة لإسرائيل، بل كشفت عن العملية ذاتها بصورةٍ غير مقصودة، حتى «باتت العملية نفسها هي الخبر». و وصفت Aouragh الاستراتيجية بأنها «فشلٌ منتصر»، حيث عجزت إسرائيل رغم سيطرتها المتنامية على الإعلام التقليدي وملكية منصات التواصل الاجتماعي عن اختراق الروح الثقافية السائدة التي تتحوّل تحت قدميها، ولا على الحركة الاجتماعية المنظّمة التي تقف وراءها.
وأشارت إلى أن جزءاً من هذا الإخفاق يعود إلى صعوبة توجيه رسائل متناسقة إلى جمهورَين متناقضَين: الإسرائيليين في الداخل والرأي العام الدولي في الخارج. فإقناع الإسرائيليين بالبقاء في دولةٍ تزداد هشاشةً يستلزم كما قالت استخدام «أساليب استعمارية» لتغذية قناعات التفوّق العرقي لدى السكّان، وهو ما يتعارض جذرياً مع الحرص على صورة إسرائيل بوصفها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
وقالت Aouragh : «باتت فلسطين قضيةً جيلية بالنسبة لنا، كما كانت فيتنام في الستينيات والسبعينيات»، مضيفةً أنه «من المستحيل اختراق روح العصر بالمال والنفوذ. ثمّة أشياء لا يستطيع المال شراءها».
إنفاق AIPAC في الانتخابات الأمريكية
يُمثّل تحوّل المواقف لدى الشباب الأمريكي تحديداً تهديداً وجودياً لإسرائيل، التي طالما اعتمدت على مليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية المكفولة بدعمٍ حزبي متبادل من السياسيين المنتخبين. غير أن الانتخابات التمهيدية الجارية للحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي شهدت نجاح عددٍ من المرشّحين المؤيّدين للقضية الفلسطينية في إزاحة سياسيين من التيار المؤسّسي، ممّن باتت ارتباطاتهم التمويلية بإسرائيل تحت مجهر الناخبين.
أحد هؤلاء المرشّحين هو Abdul El-Sayed، الذي يخوض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية Michigan لمقعد مجلس الشيوخ في مواجهة Haley Stevens، التي أنفقت عليها صناديق الدعم السياسي المؤيّدة لإسرائيل أكثر من 20 مليون دولار، وفقاً لمنظمة TrackAIPAC الرقابية.
وقد أطلق United Democracy Project، الصندوق السياسي الكبير التابع للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، إحدى أبرز جماعات الضغط المؤيّدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، سلسلةً من الإعلانات الهجومية ضدّ El-Sayed، مدّعياً أن له «تاريخاً في عدم احترام المرأة»، وذلك إثر استطلاعاتٍ عدّة أظهرت تقدّمه في السباق قبيل الانتخابات التمهيدية المقرّرة في 4 أغسطس.
وكشف مؤثّرٌ يهودي مؤخّراً أنه تلقّى ملفّاً سرّياً من حملة Stevens، يعرض عليه دفع 1,500 دولار مقابل الترويج لنقاطٍ حوارية تصبّ في صالح صورتها، مشفوعاً باتفاقية عدم إفصاح لم يوقّعها.
خلال السباق الانتخابي، تعرّض El-Sayed لانتقاداتٍ بسبب لقائه بالمعلّق السياسي الأمريكي والمذيع على منصة Twitch Hasan Piker، أحد أبرز الأصوات المؤيّدة لفلسطين في أوساط الجمهور الشاب، والذي تعرّض مؤخّراً لحملة تشهيرٍ منظّمة من وسائل الإعلام الأمريكية التقليدية. بيد أن استطلاعات El-Sayed شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في أعقاب تجمّعه مع Piker، ممّا يدلّ على أن الهجمات أحدثت الأثر المعاكس تماماً، فعزّزت حضوره وترسّخت صورته بوصفه المرشّح المناهض للمؤسّسة الذي يبحث عنه الناخبون.
نمطٌ مماثل تكرّر مع Piker نفسه: فبعد حظر دخوله إلى المملكة المتحدة، الذي قال إنه جاء «بإيعازٍ من إسرائيل»، ارتفعت شعبيته في ما يُعرف بـ«تأثير Streisand» حيث تتحوّل محاولة الإسكات إلى سلاحٍ يُضيء على القضية بدلاً من طمسها.
وعلى عكس مؤثّري الهاسبارا، قالت Aouragh إن منتجي المحتوى المؤيّدين لفلسطين «يضعون الأجندة، ويحدّدون النبرة، ويدركون جيّداً أن الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي مكوّنٌ أساسي في صناعة الخبر»، بما يجعلهم قادرين على العمل بالتوازي مع الإعلام التقليدي، بل والتأثير فيه أحياناً. غير أنها أضافت أن التحرّك لحظر Piker «لعبةٌ بالغة الخطورة، لأن كلّ انتهاكٍ لحقوق المواطن المدنية يُرسّخ قواعدَ اشتباكٍ جديدة» تُطبّع إسكات حرية التعبير.
وأكّدت Abeer al-Najjar، أستاذة الإعلام والصحافة في الجامعة الأمريكية في الشارقة، أن حملات إسكات هؤلاء المؤثّرين وشراء دعم غيرهم ستُخفق على الأرجح، بل «قد تُعجّل بما تخشاه إسرائيل». وأوضحت أن المؤثّرين المؤيّدين لإسرائيل هم «الواجهة الزائفة لعمليةٍ حكومية محترفة» فقدت قنواتها الرسمية مصداقيتها، وتسعى إلى «تمرير رسائل الدولة في هيئة ثقافةٍ شعبية». وختمت بقولها: «المشكلة الحقيقية لإسرائيل هي الهوّة بين الرسالة والواقع؛ لا يمكنك 'تفسير' إبادةٍ تُبثّ مباشرةً». وأضافت أن «حادثة Clavicular تكشف حدود هذا النموذج؛ حتى الرحلات الممولّة والمُنظَّمة لا تستطيع تصنيع الأصالة التي تحاول شراءها». وما يمكن توقّعه بدلاً من ذلك، كما قالت، هو «تراجعٌ في العوائد، وردود فعلٍ علنية كفضيحة Clavicular، وتعمّقٌ في السخرية لدى الشباب المستهدف بالضبط».
أخبار ذات صلة

صاحب التلغراف وبوليتيكو: على الصحفيين أن يؤيدوا إسرائيل أو يستقيلوا
