وورلد برس عربي logo

الصراع الإيراني حول الاتفاق مع أمريكا وتبدل القيادات

بعد اتفاق إيران والولايات المتحدة وتصاعد الخلافات داخل مجلس الأمن القومي الإيراني، استقالة جنرال متشدد وتعيين محسن رضائي يفتحان باب تساؤلات حول مستقبل السياسة الإيرانية وعلاقاتها مع واشنطن في ظل توترات داخلية حادة وورلد برس عربي.

محسن رضائي في زي الحرس الثوري الإيراني إلى جانب مسؤول مدني يرتدي بدلة سوداء، خلال حدث رسمي يعكس دوره السياسي والعسكري في إيران.
حضر الرئيس الإيراني مسعود بيزشيكيان والمستشار للمرشد الأعلى الإيراني محسن رضائي مراسم وداع للمرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في 28 فبراير في غارة جوية أمريكية إسرائيلية، في طهران بتاريخ 3 يوليو 2026 (رويترز).
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

بعد أيامٍ قليلة من توصّل المفاوضين الإيرانيين إلى مذكّرة تفاهم (MoU) مع الولايات المتحدة في أواخر يونيو، بهدف إنهاء أشهرٍ من التوتّرات، أصدر مجلس الأمن القومي الأعلى الإيراني (SNSC) بياناً يُقرّ فيه بالاتفاق.

وُقِّع البيان من قِبَل محمد باقر ذو القدر، وهو جنرالٌ سابق في الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) ينتمي إلى التيار المتشدّد، وكان قد خلف علي لاريجاني، الشخصية المعتدلة البارزة التي دعمت التوصّل إلى اتفاقٍ مع واشنطن وقُتلت في ضربةٍ أمريكية-إسرائيلية في 17 مارس.

في إيران، لا يملك أمين مجلس الأمن القومي الأعلى الذي يعيّنه الرئيس حقَّ التصويت داخل المجلس. غير أنّ ذو القدر عُيِّن في الوقت ذاته ممثّلاً للمرشد الأعلى في المجلس، وهو المنصب الذي يمنحه صلاحية التصويت.

فاجأ تأييد ذو القدر للاتفاق التيارَ الأصولي المتشدّد الذي بدا غير مستعدٍّ لهذا الموقف، فشنّ عليه هجماتٍ لفظية متكرّرة، من بينها ترويج ادّعاءاتٍ بأنّ نجله يقيم في النمسا.

بعد أيامٍ قليلة من صدور بيان المجلس، أصدر مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد لإيران، بياناً خاصاً به أوضح فيه أنّه يعارض الاتفاق «من حيث المبدأ»، مع التأكيد على أنّ مسؤولية القرار تقع على عاتق من تولّوا التفاوض.

جاء البيان في مضمونه تخلّياً صريحاً عن المفاوضين، ممّا أعطى الأصوليين المتشدّدين ذريعةً لتصعيد هجماتهم على الاتفاق والحكومة وفريق التفاوض وذو القدر شخصياً.

ووفقاً لمصدرَين في المعسكر المحافظ، فقد كتب ذو القدر لاحقاً إلى خامنئي معرباً عن استيائه من بيان المرشد، مستنداً إلى أنّ تفاصيل الاتفاق كانت قد عُرضت على خامنئي مسبقاً، ومقدِّماً استقالته. وبحسب المصدرَين، قبل خامنئي الاستقالة في شبه فوريٍّ.

كانت الاستقالة استثنائية بمعنى الكلمة: مسؤولٌ رفيع يُقدم على الاستقالة احتجاجاً صريحاً على قرارٍ صادر عن المرشد الأعلى.

أعلن الأصوليون علناً أنّ ذو القدر «أُقيل» بسبب انحيازه إلى موقف الرئيس مسعود بزشكيان ودعمه للاتفاق عوضاً عن معارضته. بيد أنّ هذه الادّعاءات تتعارض مع ما كشفته محادثات مع مصادر محافظة مطّلعة على تفاصيل الحادثة.

إذ أشارت المصادر إلى أنّ بزشكيان بذل جهوداً مضنية لإقناع خامنئي بعدم قبول الاستقالة، وسعى إلى إبقاء ذو القدر في منصبه لكونه يسير في الاتجاه العام لمقاربة الحكومة في التوصّل إلى اتفاقٍ مع واشنطن. لكنّ مساعيه باءت بالفشل.

عيّن خامنئي لاحقاً المسؤول العسكري السابق في الحرس الثوري محسن رضائي ممثّلاً له في مجلس الأمن القومي الأعلى، وهو ما أجبر بزشكيان فعلياً على تعيينه أميناً للمجلس، رغم مقاومة الرئيس الأوّلية التي استمرّت حتى اللحظات الأخيرة.

من هو محسن رضائي؟

رضائي، البالغ من العمر 71 عاماً، شخصيةٌ متجذّرة في المؤسسة العسكرية والأمنية والسياسية للجمهورية الإسلامية منذ ما يقارب نصف قرن.

عقب ثورة 1979، أسهم في تأسيس جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري، وتولّى قيادة الحرس في سنٍّ لم تتجاوز السابعة والعشرين، ليبقى في هذا المنصب ستّة عشر عاماً، قضى خلالها شبه كامل حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق على رأس قيادة الحرس.

في منتصف الثمانينيات، انخرط رضائي في اتصالاتٍ سرّية مع الولايات المتحدة في إطار ما بات يُعرف بفضيحة إيران-كونترا (Iran-Contra)، حين حصلت إيران على أسلحةٍ أمريكية وجُزء من عائدات صفقات الأسلحة إلى دعم قوات الكونترا (Contra) في نيكاراغوا.

وأفاد الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني في تصريحاتٍ لوسائل الإعلام المحلية بأنّ ابن أخيه علي هاشمي، الوسيط الرئيسي في الاتصالات مع إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك Ronald Reagan، كان قد أطلعه على اجتماعاتٍ مع مسؤولين أمريكيين، ثم أبلغ رضائي بدوره.

ونقل هاشمي عن رضائي قوله: «واصل المسير. نحن بحاجة إلى الأسلحة.»

وتذكّر هاشمي أيضاً: «ذهبت لرؤية السيد رضائي... فقال لي: ربط اتصالاتك بالأشخاص الذين سأعرّفك إليهم حتى تتواصل العملية.»

وأضاف لاحقاً أنّ رضائي أخبره، عقب الجولة الثانية من المفاوضات، بأنّ الإمام الخميني كان «على علمٍ» بهذه المحادثات.

مع استمرار الاتصالات السرّية، سافر هاشمي ومسؤولان من الحرس الثوري إلى واشنطن لإجراء مفاوضاتٍ سرّية.

في التسعينيات، هاجر نجل رضائي الأكبر إلى الولايات المتحدة حيث طلب حقّ اللجوء وتحوّل إلى منتقدٍ للجمهورية الإسلامية. وعاد لاحقاً إلى إيران، لكنّه توفّي بعد سنواتٍ في ظروفٍ غامضة داخل فندقٍ في دبي.

مع اقتراب نهاية التسعينيات، سعى رضائي إلى تجاوز خلفيّته العسكرية وبناء حضورٍ سياسي وإداري أوسع. درس الاقتصاد في جامعة طهران وحصل على درجة الدكتوراه، مركّزاً عمله في مجلس تشخيص مصلحة النظام على ملفّاتٍ كالاقتصاد الكلّي والتخطيط الوطني وأولويات السياسة العامة للنظام.

خاض رضائي الانتخابات الرئاسية مراتٍ عدّة دون أن يفوز في أيٍّ منها. وفي سبتمبر 2021، عيّنه الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي نائباً للرئيس للشؤون الاقتصادية وأميناً للمجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي لرؤساء السلطات الثلاث. وفي يونيو 2023، استقال رضائي من منصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية، فيما وافق رئيسي على إبقائه في منصبه أميناً لمجلس التنسيق الاقتصادي.

براغماتيٌّ بقناعٍ متشدّد

في 6 أبريل، وصف رضائي الحصار البحري الأمريكي بأنّه «هشٌّ» ولا يعدو كونه حرباً نفسية، مؤكّداً أنّه لن يؤثّر على الموقف التفاوضي الإيراني.

وقال: «أنا شخصياً لا أؤيّد تمديد وقف إطلاق النار. لا ينبغي أن يحدث ذلك إلّا إذا تحقّق اتفاقٌ نهائي وضُمنت حقوقنا.»

كما رأى أنّ الولايات المتحدة تفتقر إلى رؤيةٍ واضحة لإنهاء الحرب، قائلاً إنّ واشنطن تجرّب استراتيجيةً فتفشل ثم تنتقل إلى أخرى. وأشار إلى احتمالَين: إمّا أنّ الولايات المتحدة تُسلّم بالهزيمة، وإمّا أنّ Trump قد يُلحق بمكانة بلاده ضرراً بالغاً يُفضي في نهاية المطاف إلى إقالته.

وفي 7 يوليو، قال رضائي: «من يعارضون المفاوضات فليصبروا. الأمريكيون أنفسهم سيُفشلون هذه المحادثات.»

على الرغم من حدّة خطابه العلني المتصاعدة، أكّد مصدرٌ سياسي رفيع مطّلع على تفكيره أنّ رضائي كان في قرارة نفسه أقرب إلى البراغماتية، وأنّه يميل إلى استعادة العلاقات مع الولايات المتحدة وإنهاء الصراع.

غير أنّ المصدر أشار إلى أنّ حساباته السياسية وحرصه على البقاء داخل منظومة السلطة دفعاه مراراً إلى «السير مع التيار» وتكييف مواقفه وفق المتغيّرات. ووصف المصدر هذه السمة بأنّها إحدى أبرز ملامح شخصية رضائي السياسية، مضيفاً أنّه سيتّضح قريباً ما إذا كان خطابه الحادّ يعكس معارضةً حقيقية للمفاوضات، أم أنّه مجرّد ورقةٍ سياسية يوجّهها نحو فريق التفاوض لأنّه ليس في مركز القرار.

أخبار ذات صلة

Loading...
حاملة الطائرات الأمريكية USS Abraham Lincoln في البحر مع طائرات مقاتلة على سطحها، ضمن عمليات الحصار الأمريكي على إيران في الشرق الأوسط.

انتحار بحار على حاملة طائرات أمريكية وتدهور معنويات الطاقم في الخليج

تواجه حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln أزمة نفسية حادة بين أفراد طاقمها بعد انتشار طويل في الشرق الأوسط، ما دفع الجيش الأمريكي لاستبدالها بـ USS George Washington. اكتشف التفاصيل وكن على اطلاع دائم.
Loading...
شاب إيراني يسير أمام جدارية كبيرة تظهر زعيم إيران وخلفها أعلام إيران وطائرات حربية، تعبيراً عن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.

إيران تُحكم قبضتها على مضيق هرمز وسط تراجع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية

تتصاعد التوترات في مضيق هرمز مع خطة إيرانية لتعزيز السيطرة ومنع مرور السفن الأمريكية والإسرائيلية، وسط تهديدات واشنطن بعقوبات اقتصادية غير مسبوقة. اكتشف التفاصيل وكن على اطلاع مستمر.
Loading...
حاملة الطائرات الأمريكية USS George Washington تعبر المحيط في طريقها من آسيا إلى المحيط الهندي وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.

حاملة طائرات جديدة توجّه مسارها نحو الشرق الأوسط وسط تقارير عن مشاكل في يو إس إس لينكولن

تتجه حاملة الطائرات USS George Washington غرباً لتحل محل USS Abraham Lincoln التي تعاني من ظروف صعبة بعد انتشار قياسي في الشرق الأوسط. اكتشف التفاصيل وتابع آخر التطورات البحرية الآن.
Loading...
طائرة حربية إيرانية قديمة مثبتة على قاعدة في قاعدة جوية، تعكس التوترات العسكرية والاستخباراتية بين إيران والولايات المتحدة.

إيران تنتقد الفشل الأمريكي وسط شكوك حول دور إسرائيل في مؤامرة ترامب

تتصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة بسبب معلومات استخباراتية مغلوطة وتحذيرات إسرائيلية أثارت أزمة حول مضيق هرمز. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على الأمن الإقليمي الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية