النيوترينوات سر غلبة المادة في الكون المبكر
نموذج جديد يقترح أن انحياز الكون نحو المادة جاء بسبب اضمحلال نيوترينوات مضادة ثقيلة في بدايات الكون، ما قضى على المادة المضادة وأدى لهيمنة المادة. اكتشف كيف يمكن لقياسات مستقبلية اختبار هذه الفكرة المثيرة على وورلد برس عربي.

لماذا بقيت المادة في الكون واختفت المادة المضادة تقريباً؟ سؤال ظلّ بلا جواب حاسم، ونموذج نظري جديد يقترح أن المفتاح قد يكون في جسيمات تعبر أجسادنا كل لحظة دون أن نشعر بها: النيوترينوات. ويرى النموذج أن اضمحلال نيوترينوات مضادة ثقيلة معزولة عن بقية المادة نقل الميزان الكوني نحو المادة في مراحل الكون المبكرة، وأن القياسات المستقبلية قد تختبر هذه الفكرة.
ما المشكلة التي يحاول النموذج حلّها؟
للجسيمات الأولية توائم تُسمّى الجسيمات المضادة، ويُعدّ التناظر بين المادة والمادة المضادة من التناظرات الأساسية في الكون. ويحدث تخليق الجسيمات في الظروف المناسبة على شكل أزواج. لذلك يفترض أن الانفجار العظيم أنتج المادة والمادة المضادة بكميات متساوية، وهنا يبرز السؤال: أين ذهبت المادة المضادة؟ يمكن الاطلاع على خلفية هذا التناظر في شرح عن التناظر بين الجسيم ونقيضه.
الجواب الذي يقترحه النموذج الجديد يمرّ عبر النيوترينوات. وهو نموذج نظري، أي إنه طرح قابل للاختبار لا نتيجة مرصودة، وينبغي التعامل معه بهذا الوصف.
لماذا النيوترينو تحديداً؟
النيوترينوات تخترق أجسام البشر باستمرار دون أي أثر محسوس، بحسب المقال الذي استند إليه التقرير. وهي بلا شحنة كهربائية، ولهذا لا يمكن التمييز بين نيوترينو المادة ونيوترينو المادة المضادة بالشحنة. يُميَّز بينهما بما يُعرف باليدوية (Handedness): نيوترينوات المادة يسارية اليد، ونيوترينوات المادة المضادة يمينية اليد. للتوسع في هذه الخاصية يمكن العودة إلى شرح اليدوية عند النيوترينوات.
في الكون الحديث، لا يتفاعل مع المادة إلا النيوترينو اليساري. أما اليميني فتأثيره الجذبي ضئيل جداً، ويُسمّى كذلك «عقيمة». وللنيوترينوات ثلاث نكهات مرتبطة بالإلكترون والميوون والتاو، ويمكن مراجعتها في شرح نكهات النيوترينو. ولنيوترينوات المادة ثلاث كتل ممكنة، وللنيوترينوات المضادة ثلاث قيم للكتلة كذلك.
تركّز الدراسة على النيوترينوات المضادة الأثقل كتلة، وتسمّيها النيوترينوات الثقيلة المنفصلة.
ماذا حدث في الكون المبكر؟
في اللحظات الأولى، تفاعلت النيوترينوات بقوة مع البروتونات والنيوترونات والإلكترونات، وبقيت هذه الجسيمات في حالة اتزان حراري إلى أن بلغ تمدّد الكون نقطة حرجة. عندها، وبعد نحو ثانية واحدة من الانفجار العظيم، انفصلت النيوترونات عن بقية الجسيمات المادية، وفق ما ورد في المقال.
النيوترينوات المنفصلة لم تختفِ. فهي باقية اليوم في ما يُعرف بخلفية النيوترينو الكونية، التي يشبّهها المقال بخلفية الإشعاع الكوني الميكروي بوصفها صدىً للانفجار العظيم. ومع ذلك، لا يرى المقال للنيوترينوات دوراً قوياً في تطور الكون في العصر الحالي. ويقترح أن بعضها قد يفسّر مع ذلك سبب سيادة المادة.
كيف يفسّر النموذج غلبة المادة؟
يسمح نموذج المؤلفين للنيوترينوات الثقيلة بالاضمحلال بعد عمر نصف طويل نسبياً. ويضع هذا الاضمحلال في مرحلة لاحقة لتشكّل الإلكترونات والبروتونات والبوزيترونات والبروتونات المضادة.
وبحسب النموذج، أدّت نواتج اضمحلال هذه النيوترينوات المضادة الثقيلة إلى تسخين الكون، كما أفنت جزءاً من المادة المضادة محوّلةً إياه إلى فوتونات متعادلة. وقد نقل ذلك التوازن بين المادة والمادة المضادة نحو المادة. أما ما تبقّى من المادة المضادة الكونية، فدمّرته لاحقاً التفاعلات الاعتيادية بين الجسيمات.
كيف يمكن اختبار الفكرة؟
تكمن قيمة النموذج في أنه لا يكتفي بالتفسير، بل يضع بصمات يمكن البحث عنها:
- إذا كان النموذج صحيحاً، فإن مرحلة هيمنت فيها النيوترينوات ستترك أثراً قابلاً للقياس في الموجات الثقالية البدائية.
- يمكن لمراصد موجات ثقالية محسّنة أن ترصد هذه الموجات وتختبر النموذج.
- سيكون للنموذج أيضاً أثر قابل للقياس في خلفية النيوترينو الكونية.
الدراسة المشار إليها بعنوان «Delayed Charged Lepton Yukawa Equilibration in Minimal Seesaw» لمؤلفيها Rishav Roshan وSudipta Show، ونُشرت في مجلة Physical Review Letters، المجلد 137، العدد 11 (2026)، الصفحة 111802. وهي متاحة عبر ملخص الدراسة على موقع الجمعية الفيزيائية الأمريكية.
يبقى الحكم النهائي مرهوناً بالرصد. فإذا رصدت المراصد المقبلة أثراً للموجات الثقالية البدائية أو لخلفية النيوترينو الكونية بالمواصفات التي يتوقعها النموذج، فقد يقترب العلماء من تفسير غلبة المادة. وإن غابت هذه البصمات، فسيبقى السؤال مفتوحاً.
أخبار ذات صلة

قرصين في واحد، كيفية تراكم الأقراص، ومحرك الثقب الأسود، والنفاثات

الغربان تتخذ قرارات برقية أسرع من البشر بمرتين، تشير دراسة جديدة

الانفجارات النجمية العملاقة: دورها المعقّد في إعادة تأيين الكون الأول
