كيف تمنع الثقوب السوداء ولادة النجوم في المجرات
تُظهر دراسة جديدة كيف تسخن نفاثات الثقوب السوداء الغاز المحيط بالمجرات وتؤيّنه حتى في مناطق بعيدة فتقلل تدفق الغاز نحو الداخل وتحد من تكوين النجوم. اكتشف تأثير هذه النفاثات على تطور المجرات مع وورلد برس عربي.

قد لا تكون أخطر آثار الثقوب السوداء العملاقة في ما تلتهمه، بل في ما تمنعه من الوصول. دراسة جديدة تشير إلى أن نفاثات الثقوب السوداء النشطة تسخّن الغاز المحيط بالمجرات وتؤيّنه، وتفعل ذلك حتى في مناطق تقع خارج مسار النفاثات نفسها. والنتيجة أن كمية أقل من الغاز تسقط نحو الداخل، فيقلّ المتاح من المادة اللازمة لتكوين نجوم جديدة.
نُشرت الدراسة في دورية «ذا أستروفيزيكال جورنال ليترز» (The Astrophysical Journal Letters)، وتحمل عنوان «Lighting Up the Circumgalactic Medium: Strong, Jet-aligned H α Emission around Radio Galaxies». وتظهر في الدورية بالمرجع 1009.2 (2026): L34، وتُنسب إلى الباحثة ناراتا روي (Namrata Roy). ويمكن الاطلاع على الورقة البحثية المنشورة عبر موقع الدورية.
ما حجم الثقب الأسود مقارنةً بمجرّته؟
تبلغ كتلة الثقوب السوداء فائقة الكتلة ملايين أو مليارات أضعاف كتلة الشمس. ومع ذلك يبقى الثقب الأسود محصوراً ضمن حجم نظام نجمي واحد، أما المجرة التي يسكنها فقد يتجاوز امتدادها 100 ألف سنة ضوئية، وقد تزيد كتلتها على 100 مليار كتلة شمسية.
هذا التفاوت الهائل في المقياس هو ما يجعل السؤال مثيراً. فالرصد يُظهر صلةً وثيقة بين الثقوب السوداء والمجرات المضيفة لها، وتتفاعل الجهتان فعلاً، لكنّ تفاصيل هذا التفاعل لا تزال قيد الدراسة. ومن مظاهر قوة الثقب الأسود أنه قادر على تمزيق النجوم التي تقترب منه والتهامها.
أما الأبحاث السابقة فركّزت في الغالب على مراكز المجرات، حيث تتجمع الثقوب السوداء والنجوم والغاز والغبار. وتتناول الدراسة الجديدة الأطراف الخارجية للمجرات، أي المنطقة التي ظلّت أقل حضوراً في هذه الأبحاث. وللتوضيح، فالمنطقة النجمية هي الجزء المرئي من المجرة، أما ما يحيط بها فأقل ظهوراً.
ما الوسط المحيط بالمجرات ولماذا يهمّ؟
الوسط المحيط بالمجرات (CGM) هو الغاز الذي يلفّ المجرة من الخارج. يبرد هذا الغاز مع الزمن ويسقط نحو الداخل، فيمدّ المجرة بالمادة التي تتكوّن منها النجوم الجديدة. وتُظهر المسوح أن جزءاً كبيراً منه يبقى قرب الحافة الخارجية للمجرات.
أما نفاثات الثقوب السوداء فتدفع غازاً مؤيَّناً بسرعات قريبة من سرعة الضوء، وتحمل المادة نحو أطراف المجرة على امتداد المحور القطبي للثقب الأسود. وكان الاعتقاد السائد أن قدراً كبيراً من المادة المحيطة بالمجرات يبقى بمنأى عن تأثير هذه النفاثات.
ماذا وجد الباحثون؟
فحص الفريق مناطق انبعاث ألفا الهيدروجين (H-alpha) حول مئات المجرات ذات النفاثات النشطة. ينتج هذا الانبعاث عن الهيدروجين المؤيَّن، وظهوره يدل على مناطق دافئة بما يكفي لتأيين الهيدروجين.
واستند الفريق إلى بيانات من مصدرين:
- أداة «المطياف الكوني للطاقة المظلمة» (DESI، Dark Energy Spectroscopic Instrument).
- المسح الراديوي «لوفار ذو المترين للسماء» (LoTSS، LOFAR Two-meter Sky Survey).
أظهرت البيانات مناطق ألفا الهيدروجين قرب النفاثات وعلى مسافات أبعد منها. وبيّنت أن ضوء النفاثات يؤيّن مناطق أبعد عنها. وتعني هذه النتائج أن النفاثات تسخّن الوسط المحيط بالمجرات أكثر مما كان مُعتقداً.
وتضمّنت الدراسة معطًى آخر: فقد أشار خط امتصاص المغنيسيوم إلى انخفاض درجة الحرارة الإجمالية داخل الوسط المحيط بالمجرات. وتعزو الدراسة التسخين إلى النفاثات نفسها.
ما أثر ذلك في ولادة النجوم؟
تتبادل النفاثات النشطة الحرارة مع المادة المحيطة بالمجرة، فيتراجع تدفق الغاز إلى الداخل. وإذا قلّ الغاز الساقط قلّ الوقود المتاح لتكوين النجوم. وهذا التأثير أقل ظهوراً من النفاثات ذاتها، لكنه يمسّ مسار تطور المجرة على المدى البعيد.
ومع ذلك، لا تقدّم الدراسة النفاثات بوصفها العامل الوحيد، فهناك عوامل أخرى تؤثر في إنتاج النجوم. والسؤال المفتوح هو وزن هذا التسخين الخارجي مقارنةً بتلك العوامل. ومع تفاصيل التفاعل بين الثقوب السوداء ومجراتها التي ما زالت قيد البحث، ستحدد الأرصاد المقبلة للأطراف الخارجية للمجرات حجم هذا الأثر.
أخبار ذات صلة

اكتشاف مذنّب جديد بواسطة تلسكوب يوكليد الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية

القمر ينكمش: 10 آلاف شرخ تكشف حجم التراجع

تأكيد اكتشاف ميكروبلازار فلكي جديد
