بلازار صغير في درب التبانة يسرع جسيمات الطاقة القصوى
اكتشف علماء الفلك نظام IRAS 18293−0941 في درب التبانة وهو أول بلازار صغير مرشح لتسريع الجسيمات فائقة الطاقة بسرعة تقارب سرعة الضوء، ما قد يفسر مصدر الجسيمات الأعلى طاقة في مجرتنا ويكشف أسرار الكون مع وورلد برس عربي.

-لم يتوصّل علماء الفلك بعدُ إلى إجابة حاسمة عن سؤال قديم: من أين تأتي جسيمات مجرّة درب التبانة الأعلى طاقةً؟ فقد رصدت أجهزة الكشف منذ سنوات جسيماتٍ بمستوى طاقة يُقاس بالبيتا إلكترون فولت (PeV)، لكنّ مصدرها ظلّ غامضًا. ورقة بحثية جديدة تقترح الآن مرشّحًا لهذا الدور: نظام يُدعى IRAS 18293−0941، يُعلن الباحثون أنه أول «بلازار صغير» (Microblazar) يُرصد داخل مجرّتنا. ورصد الفريق في هذا المصدر غير المألوف إلكترونات شديدة الطاقة تتحرك بسرعة قريبة من سرعة الضوء.
نُشرت الدراسة في مجلة «Astronomy and Astrophysics» بعنوان «A Galactic microblazar as a potential accelerator of ultra-high-energy particles»، أي «بلازار صغير مجرّي بوصفه مسرّعًا محتملًا للجسيمات فائقة الطاقة». وتصف الورقة النظام بأنه «مرشّح»، لا حقيقة مثبتة نهائيًا. ويعمل الأستاذ في علم الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة خاين (University of Jaén) في إسبانيا، Jose Marti، مؤلفًا أول للدراسة، فيما يُعدّ Marcote المؤلف الرئيس. وتقع خاين في إقليم الأندلس (Andalucía).
ما الذي يوجد داخل IRAS 18293−0941؟
يبعد النظام نحو 11,700 سنة ضوئية عن الأرض، في كوكبة الدرع (Scutum). ويضم ثقبًا أسود تبلغ كتلته نحو 10 كتل شمسية، يرافقه نجم ضخم هو إما عملاق أزرق أو عملاق فائق أزرق. ويشكّل الثنائي ما يُعرف بـ«ثنائي الأشعة السينية عالي الكتلة» (High-mass X-ray binary).
وكان الجرمان في الأصل نجمين هائلين، ثم انفجر أحدهما في صورة مستعر أعظم وانتهى ثقبًا أسود. وقد رصد الفلكيون المصدر لأول مرة عام 1989 بوصفه مصدرًا للأشعة تحت الحمراء. لكن موقعه في مستوى مجرّة درب التبانة جعل الغاز والغبار يحجبان طبيعته سنوات طويلة، إلى أن ظهر بوضوح أكبر مع تحسّن التلسكوبات وأساليب الرصد.
واعتمد الفريق على مجموعة واسعة من الأدوات: مصفوفتا التلسكوب الراديوي MeerKAT وVLA، وتلسكوبات أخرى، ومطيافات، ومراصد للأشعة السينية. وقال مؤلفو الدراسة: «أجرينا دراسة رصدية ونظرية مكثّفة متعدّدة الأطوال الموجية على المصدر المرشّح الذي اقترحناه».
ما البلازار الصغير، ولماذا يختلف عن غيره؟
للتمييز بين الأنواع نبدأ بالمجرّات. النواة المجرّية النشطة (AGN) هي ثقب أسود فائق الكتلة في مركز مجرّة، يلتهم المادة المحيطة به. ويشكّل الغاز والغبار حول هذا الثقب قرصًا دوّارًا ساخنًا يُطلق ضوءًا شديد الطاقة. وتُسمّى ألمع هذه النوى «كوازارات». وتُقذف بعض مادة القرص في نفاثتين عاليتي الطاقة، تتجهان في اتجاهين متعاكسين على طول محور دوران الثقب الأسود.
أما «البلازار» (Blazar) فهو نواة نشطة خارج مجرّتنا، يغذّيها ثقب أسود فائق الكتلة في مجرّة أخرى، وتتجه إحدى نفاثاتها نحو الأرض. وفي مقابل ذلك، يقع البلازار الصغير داخل درب التبانة، ويضم ثقبًا أسود بكتلة نجمية، أو ربما نجمًا نيوترونيًا، مع نجم مرافق. ويمدّ المرافق الجسم المدمج بمادة تشكّل حلقة تراكم حوله. وتشبه نفاثات البلازار الصغير نفاثات الكوازارات، لكنها تعمل على مقياس أصغر. ويشترط في البلازار الصغير أن تتجه إحدى نفاثاتيه نحو الأرض. وتصف الدراسة البلازارات والبلازارات الصغيرة بأنها ثنائيات أشعة سينية تُنتج أشعة سينية وأشعة غاما قوية.
وقد افترض الفيزيائيون الفلكيون وجود هذه الأجسام نظريًا. ويقول المؤلفون: «يمكن اعتبار النفاثات المستمرة الصادرة عن ثنائيات الأشعة السينية، والمصطفّة على نحو قريب جدًا من خط البصر، نظائر مجرّية للبلازارات، أي "البلازارات الصغرى"».
هل تفسّر هذه النفاثات جسيمات الطاقة القصوى؟
ينتج النظام نفاثات عالية الطاقة طويلة الأمد ومتواصلة، وليس ظاهرة نفاثة قصيرة الأجل. وتتجه إحدى النفاثتين نحو الأرض، أما النفاثة المبتعدة فتصطدم بسحابة جزيئية. وينتج عن الاصطدام «بقعة ساخنة» غير حرارية، ترتبط بمصدر إشعاع معروف. ويمكن أن يأتي إشعاع هذه البقع من الإشعاع السنكروتروني، أي إشعاع جسيمات عالية الطاقة تتحرك لولبيًا داخل مجالات مغناطيسية، أو من تصادمات الجسيمات.
ويفصل بين المصدر والبقعة الساخنة عشرات الفرسخ الفلكي (Parsec)، ما يهيّئ، بحسب الفريق، «مختبرًا طبيعيًا» لتسريع الجسيمات. ويُقصد بالجسيمات شديدة الطاقة (VHE) تلك التي تبلغ طاقتها مستوى التيرا إلكترون فولت (TeV). أما الجسيمات فائقة الطاقة (UHE) فتبلغ طاقتها مستوى البيتا إلكترون فولت (PeV).
ويقول الباحثون: «تشير قدرة النفاثة المستنتَجة ونشاطها المتواصل إلى أن IRAS 18293−0941 قادر على تسريع الجسيمات إلى طاقات VHE، وربما UHE، بما ينسجم مع دراسات حديثة تربط الكوازارات الصغرى (Microquasars) بما يُعرف بـ«البيفاترونات» المجرّية (PeVatrons)». وهذه المسرّعات الكونية هي الأجسام التي يُظنّ أنها تدفع الجسيمات إلى مستويات PeV.
ويضيفون: «لا يسدّ هذا التحديد الذي نعلنه فجوة في تصنيف الأجرام المجرّية فحسب، بل قد يعزّز كذلك دور عائلتي البلازارات الصغرى والكوازارات الصغرى في فهمنا لأكثر ظواهر درب التبانة طاقةً».
ما الخطوة التالية؟
الأثر المحتمل لا يقتصر على أصل الجسيمات. فالنفاثات تؤثر في محيطها، بما في ذلك الوسط بين النجمي، وقد تؤثر في تكوّن النجوم. ويقول Marcote: «نخطط لإجراء مزيد من الرصد على منطقة البقعة الساخنة حيث تصطدم النفاثة بالوسط بين النجمي». ويضيف: «إن توصيف هذه المنطقة على نحو أفضل، وفهم كيفية تسخّن المادة وتأيّنها، سيكون له انعكاسات قوية على تشكّل النجوم في المجرّة، وهو يحدث داخل السحب الجزيئية. كما يمكن أن يعلّمنا كيف تؤثر البلازارات الصغرى في بنية المجرّات التي تشبه درب التبانة وتطوّرها».
أما Jakob van den Eijnden، المشارك في الدراسة من جامعة أمستردام (University of Amsterdam)، فيرى أن النتيجة تبرز قيمة الجمع بين تلسكوبات مختلفة. ويقول: «يسلّط هذا الاكتشاف الضوء على قوة دراسة الكون بأنواع مختلفة من التلسكوبات في الوقت نفسه، لأن أيًّا من التلسكوبات منفردًا ما كان ليحكي القصة كاملة». ويضيف: «إنه نموذج رائع لجهود الفرق الدولية التي تقع في صميم علم الفلك الحديث».
وتبقى نتائج الرصد المقبل للبقعة الساخنة هي ما سيحدد إن كان هذا المرشّح سيثبت موقعه ضمن «البيفاترونات»، أو يظل فرضية واعدة ما زالت تنتظر مزيدًا من الأدلة. وتتاح الورقة البحثية وفق معرّفها الرقمي على موقع المجلة.
أخبار ذات صلة

اكتشاف مذنّب جديد بواسطة تلسكوب يوكليد الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية

القمر ينكمش: 10 آلاف شرخ تكشف حجم التراجع

ملاحظات جديدة تكشف كيف تحرّك الثقوب السوداء مادة المجرة المحيطة بها
