اليونان ودول الخليج تحالفات أمنية وتحديات إقليمية
تتعمق اليونان في شراكات أمنية مع دول الخليج ضمن تحالفات مع إسرائيل لمواجهة النفوذ التركي المتصاعد عبر اتفاقيات دفاعية ومناورات مشتركة تعكس تحولات استراتيجية في المنطقة مع وورلد برس عربي

في مشهدٍ يستحق التأمّل، يجلس وزير الدفاع اليوناني Nikos Dendias في قاعة اجتماعات خليجية، يعرض شراكاتٍ أمنية ويتحدّث عن ضمانات الدفاع المشترك فيما القواعد العسكرية اليونانية كانت قبل أسابيع قليلة ممرّاً لوجستياً للضربات التي أشعلت الحرب في المنطقة. الكادر يحمل تناقضاً صارخاً، لكنّه ليس مصادفةً؛ إنّه سياسة.
العلاقة مع دول الخليج: مرحلتان وحسابان مختلفان
على مدى السنوات الماضية، ومنذ أواخر عام 2019 تحديداً، عمّقت أثينا علاقاتها مع دول الخليج بصورةٍ لم يتوقّعها كثيرون. في القراءة الأولى، تبدو العلاقة اعتيادية: دولة أوروبية تحصل على الطاقة والاستثمارات، ودول الخليج تكسب شريكاً أوروبياً راغباً في التعاون. لكنّ التفاصيل تحكي قصةً مختلفة.
تطوّرت العلاقة اليونانية مع دول الخليج عبر مرحلتَين، كلتاهما تسيران بالتوازي مع اتجاهَين ثابتَين: تحالفٌ متصاعد مع إسرائيل، واحتكاكٌ متعمّق مع تركيا.
المرحلة الأولى (2016 – 2021): تحالف ضدّ أنقرة
بُنيت هذه المرحلة حول محور اليونان وإسرائيل وقبرص، وسعت إلى استقطاب فرنسا ومصر وخليفة حفتر في ليبيا وسوريا بشار الأسد، وعلى خلفية حصار قطر عام 2017، الإمارات والسعودية معاً. كان التعاون الاقتصادي والأمني ذريعةً، أمّا الجوهر فكان الأمن والدفاع. جاء التوافق سهلاً آنذاك، إذ كانت أبوظبي والرياض تتقاطعان هما أيضاً مع السياسات الإقليمية الإسرائيلية.
في هذا السياق، أبرمت أثينا عدداً من الاتفاقيات الاستراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي. في نوفمبر 2020، وقّع رئيس الوزراء اليوناني Kyriakos Mitsotakis شراكةً استراتيجية مع الإمارات، واتفاقيةً منفصلة في السياسة الخارجية والدفاع، تلتزم بموجبها كلٌّ من الدولتَين بمساعدة الأخرى إن تعرّضت سيادتها أو سلامتها الإقليمية للتهديد. في العام ذاته، نشرت الإمارات أصولاً عسكرية في اليونان لإجراء مناورات مشتركة، وتنسّقت الدولتان في الأمن الإقليمي ضمن شبكةٍ أوسع تضمّ قبرص ومصر وفرنسا وإسرائيل.
امتداد النفوذ
على المنوال ذاته، أفضت اتفاقية دفاعية يونانية-سعودية مفصلية عام 2021 إلى إرسال بطارية Patriot يونانية وكوادر عسكرية إلى المملكة، إلى جانب مناورات جوية مشتركة كمناورة Falcon Eye، وزيارات عسكرية رفيعة المستوى. غير أنّ هذه البنية التحالفية انهارت حين زال مسوّغها؛ فبعد انتهاء أزمة الخليج عام 2017 وتطبيع العلاقات بين الإمارات ومصر والسعودية من جهة وتركيا من جهة أخرى، فقد المخطّط اليوناني-الإسرائيلي لاستقطاب دول الخليج ضدّ أنقرة أساسه.
المرحلة الثانية (2023 – 2026): التوسّع في الخليج
تجري هذه المرحلة على الخلفية ذاتها: تحالفٌ يوناني-إسرائيلي أعمق، واحتكاكٌ متصاعد مع تركيا. تسعى أثينا هنا إلى هدفَين: مدّ نفوذ التحالف اليوناني-الإسرائيلي إلى الخليج عبر الروابط الأمنية والدفاعية، وتخفيف الثقل التركي المتنامي في المنطقة ولا سيّما في السعودية والإمارات وقطر أو التصدّي له.
ما يُميّز هذه المرحلة هو الدرجة التي اندمجت فيها السياسة الأمنية اليونانية مع الأجندة الإسرائيلية؛ درجةٌ لا تقترب منها أيّ دولة أوروبية أخرى، في وقتٍ تواجه فيه إسرائيل عزلةً دولية واسعة، وتخضع قياداتها لمذكّرات اعتقال بتهمة جرائم تُصنَّف إبادةً جماعية.
الأرقام تتكلّم بوضوح. برنامج الدفاع الجوي اليوناني الرئيسي المسمّى Achilles' Shield هو مشروعٌ بقيمة نحو 3.5 مليار دولار، يهدف إلى دمج 3 منظومات إسرائيلية في شبكة دفاع متعدّدة الطبقات تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي وقتٍ سابق من هذا العام، أضافت أثينا نحو 750 مليون دولار لشراء مدفعية صاروخية دقيقة من شركة Elbit Systems، مُنتشرةً على حدودها مع تركيا. تُدرّب شركاتٌ إسرائيلية طيّاري المقاتلات اليونانيين، فيما فتح استحواذ Israel Aerospace Industries عام 2023 على الشركة اليونانية Intracom Defense الباب أمام الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا. والضبّاط يتنقّلون بين الهيكلَين القياديَّين بأعدادٍ تجعل العلاقة تبدو أقرب إلى الاندماج منها إلى الشراكة.
التوسّع اليوناني في الخليج يخدم الأجندة الهيمنية الإسرائيلية. فإسرائيل خرجت من حرب غزة مُقيَّدة دبلوماسياً، مكشوفةً قانونياً، ومرفوضةً في معظم المنطقة. وهي تريد البقاء حاضرةً داخل البنية الأمنية الخليجية الناشئة دون أن تكون مرحَّباً بها على الطاولة وشريكٌ موثوق يحمل منظوماتها وعقيدتها وقنوات استخباراتها هو وسيلةٌ لتحقيق ذلك بصمتٍ.
إعادة حساب هادئة
تركيا هي النصف الآخر من المعادلة. فهي الدولة الإسلامية الوحيدة في حلف الناتو التي تمتلك صناعةً دفاعية جادّة، وسجلاً في الانحياز إلى القضايا العربية والإسلامية خلال حرب غزة، وثقلاً جغرافياً يدعم مواقفها. ومنذ انتهاء أزمة الخليج عام 2017، تُعيد دول مجلس التعاون حساباتها بهدوء تجاه أنقرة، التي باتت تُقرأ شريكاً استراتيجياً لا منافساً.
مساعي تركيا لبناء بنية أمنية إقليمية، أو ما يُسمّى "محور الاستقرار" القائم على الملكية الإقليمية بالتنسيق مع السعودية وباكستان ومصر، تتعارض مباشرةً مع السياسات اليونانية في الشرق الأوسط. وإن نجح هذا المسار، فقد يُجهض الخطط اليونانية في المنطقة مجدّداً. لذا تشعر أثينا بالحاجة إلى تعزيز تحالفها مع إسرائيل، والتصدّي لأنقرة ليس فقط في شرق المتوسط، بل في كلّ ساحةٍ تنشط فيها تركيا، بما فيها الخليج.
من هنا لا يبدو مستغرَباً أن يُدرج رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu اليونانَ وقبرص والهند ضمن "سداسي التحالفات" الإسرائيلي، المُصمَّم للتصدّي للتقارب الناشئ بين السعودية وتركيا وباكستان ومصر.
في ديسمبر الماضي، خلال القمّة العاشرة لإسرائيل واليونان وقبرص في القدس، تعهّد قادة الدول الثلاث بتعميق التعاون الدفاعي والأمني. وقبل أيامٍ من ذلك، أفادت تقارير يونانية وإسرائيلية بخططٍ محتملة لتشكيل قوّة تدخّل سريع مشتركة من 2500 عنصر 1000 من إسرائيل، و1000 من اليونان، و500 من قبرص مع مكوّنات جوية وبحرية، وقُدِّمت صراحةً باعتبارها آليةً لردع تركيا في شرق المتوسط وتقييد نفوذها.
في هذه المرحلة، ركّزت أثينا على تعزيز أهمّيتها الجيوسياسية لدى دول الخليج، ولا سيّما السعودية والإمارات، عبر مشاريع الطاقة والبنية التحتية والربط كممرّ الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي (IMEC)، ومبادرة كابل الألياف الضوئية إضافةً إلى الدفاع والأمن. والجدير بالذكر أنّ ممرّ IMEC يُقصي تركيا ومصر عمداً، وهو مرتكزٌ على إسرائيل والهند، ويمتدّ عبر الإمارات والسعودية إلى أوروبا مروراً باليونان، ممّا يشدّ دول الخليج نحو تحالف السداسي.
ما بين السطور
حين اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في فبراير الماضي، سارعت اليونان إلى عرض المساعدة الأمنية والدفاعية على دول الخليج. جال وزير الدفاع Nikos Dendias على دول المنطقة، زائراً الإمارات وقطر في مارس وأبريل، ثم المملكة العربية السعودية لاحقاً. جاءت هذه الزيارات في خضمّ حربٍ كانت المنشآت العسكرية اليونانية فيها شرياناً لوجستياً للضربات التي استدعت ردود الفعل الإيرانية الصاروخية على عواصم خليجية. دولةٌ تعتمد على إسرائيل في منظومتها الدفاعية الجوية، تُقدّم نفسها مزوّداً أمنياً للخليج وسط حربٍ إقليمية هذا يبدو كأنّها تعرض ما لا تملكه فعلاً، إلّا إذا كانت تعرض في الحقيقة الاتصال بمنظومة دولةٍ أخرى وأجندتها.
حين تُصبح دولةٌ ما زبوناً رئيسياً لصناعة أسلحة دولةٍ أخرى، وتستضيف مرافق تدريبها، وتستوعب عقيدتها، وتُدمج ضبّاطها، وتُنسّق معها علناً ضدّ طرفٍ ثالث تبدأ سياستها الخارجية بحمل بصمة حليفها. هذا ما تكشفه البيئة الدفاعية المتشابكة بعمق؛ المعلومات والوصول والثقل السياسي تتحرّك في الاتجاهَين تقريباً بشكلٍ تلقائي. ما يصل إلى المكتب اليوناني لا يبقى بالضرورة في المكتب اليوناني.
فضلاً عن ذلك، المسؤولون الذين يوقّعون اتفاقيات التعاون في الرياض هم أنفسهم الذين يوقّعون الإعلانات في القدس لتعريف تحالفٍ يتميّز جزئياً بما يقف ضدّه. الأثينا ذاتها التي تشتري منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية لردع تركيا، تُدعى الآن للمساهمة في تخطيط الدفاع الجوي الخليجي. والحرب لم تفعل سوى أن جعلت هذا التناقض أكثر حدّة.
هذا ما بين السطور الذي ينبغي لصانعي القرار الخليجيين قراءته قبل جولة المصافحات القادمة. حين يُعرّف القادة اليونانيون والإسرائيليون والقبارصة تحالفهم بمن يستهدف احتواءه وحين تكون تلك الدولة بالذات هي من يتقارب معه الخليج يطرح سؤالٌ جوهري نفسه، وهو يجيب عن نفسه بنفسه.
أين يقع الخليج في هذه الصورة ومن الذي يحمل الصورة إلى غرفه؟.
أخبار ذات صلة

إيران وعمان تتفقان على فرض رسوم مشتركة في مضيق هرمز

غزة تصبح قضية محورية للناخبين الشباب في الانتخابات الديمقراطية بنيويورك

الكونغو تحظر التجمعات في مناطق بعيدة عن بؤرة الإيبولا.. قيود على الحريات؟
