محور جديد يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط
هجوم السابع من أكتوبر قلب موازين الشرق الأوسط وكشف ضعف المحاور التقليدية. اليوم يتشكل محور سنّي جديد بقيادة الرياض وأنقرة وباكستان يعيد رسم خريطة القوى الإقليمية بأمن جماعي جديد في مواجهة التحديات. وورلد برس عربي

منذ ما يقارب ثلاث سنوات، حطّم هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي شنّته حركة Hamas وهمَ الوضع القائل بإمكانية إدارة الأوضاع على النحو الذي يخدم المصالح الأمريكية-الإسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية. واليوم، في منتصف الولاية الثانية للرئيس Donald Trump، لم يعد الشرق الأوسط يرسم نفسه بوضوح على المحورين اللذين حكماه عقوداً متتالية.
ظلّت خطوط الصدع الإقليمية تاريخياً تفصل بين «محور المقاومة» الإيراني الذي يضمّ Hezbollah والحوثيين والفصائل المسلّحة العراقية ونظام الأسد في سوريا وبين ما يمكن تسميته «باكس أمريكانا» (Pax Americana) ذات الإلهام الإسرائيلي: بنيةٌ غير رسمية من الردع والتطبيع والتفوّق العسكري سعت واشنطن وتل أبيب إلى فرضها عبر اتفاقيات أبراهام، ومعايير مزدوجة صارخة، وانتهاكاتٍ للقانون الدولي، وقوّةٍ ساحقة.
اليوم، يبدو أنّ قطباً ثالثاً آخذٌ في التشكّل: «محور سنّي» متصاعد المأسسة، يرتكز على الرياض وأنقرة وإسلام آباد، فيما تقف الدوحة والقاهرة وأبوظبي بدرجةٍ أقل على أطرافه.
حتى أيام قليلة مضت، لم يكن هذا التجمّع تحالفاً رسمياً بأيّ معنى: لا ميثاق يجمعه ولا اسم رسمي يعرّفه. غير أنّه إن سار على طريق الجدّية، فقد يُعيد رسم موازين القوى الإقليمية بصورةٍ أكثر رسوخاً مما فعله أيٌّ من الكتلتين السابقتين.
في السابع من أغسطس، خطت باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا خطوتها الأولى نحو تحويل هذا التفاهم غير الرسمي إلى مؤسسة، وذلك من خلال اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنصّ على ضمانٍ للأمن الجماعي على غرار حلف شمال الأطلسي (Nato).
ثمّة قراءةٌ تذهب إلى أنّ أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحروب التي أعقبتها أفقدت مصداقيتها لكلٍّ من روايتَي «باكس أمريكانا» و«محور المقاومة» في آنٍ واحد.
صدماتٌ متتالية
يقول أصحاب هذه القراءة إنّ إيران وحلفاءها أثبتوا قدرتهم على إيقاع الصدمات والصمود في مواجهةٍ غير متكافئة، لكن بثمنٍ باهظ. فقد جرى تصفية قيادة Hezbollah وتقليص ترسانته عبر عمليات إسرائيلية توّجت بهدنةٍ هشّة؛ وانهار نظام الأسد القاعدة الأمامية الإيرانية في المشرق على مدى نصف قرن في نهاية المطاف؛ فيما سُحق الجناح العسكري لحركة Hamas في غزة في حربٍ راح ضحيّتها عشرات الآلاف من الشهداء وخلّفت القطاع أطلالاً، مع ما خلّفته من تداعيات كارثية على صورة إسرائيل العالمية.
وتكشّف «باكس أمريكانا» عن وهمٍ كبير بوصفها إطاراً للاستقرار. فاستراتيجية واشنطن في عهد Trump كانت تبادليةً لا معمارية: الضغط على Hamas وإسرائيل للتوصّل إلى هدنة، وإنشاء «مجلس السلام» لإعادة إعمار غزة، ومطالبة عواصم الخليج بتوسيع اتفاقيات أبراهام بل بلغ الأمر حدّ التلميح إلى أنّ إيران نفسها قد تنضمّ إليها في نهاية المطاف.
ولم تحقّق إسرائيل أيّاً من أهدافها الحربية المُعلنة في غزة أو لبنان أو إيران. وفيما يخصّ الملفّ الإيراني، تتأرجح الولايات المتحدة بشكلٍ متقطّع بين وعود الحوار وتهديدات القوة، دون استراتيجيةٍ واضحة ودون معرفةٍ جليّة بـقدراتها العسكرية الفعلية.
في غضون ذلك، أنجز تصرّف إسرائيل بنفسها ولا سيّما ضربة الدوحة في سبتمبر 2025 التي استهدفت قيادة Hamas على الأراضي القطرية ما لم تقصده واشنطن قطّ: أقنع دول الخليج بأنّ الضمانات الأمنية الأمريكية قد لا تمتدّ إليها حين تقرّر إسرائيل أنّ تقديرها للتهديد يستوجب العمل داخل أراضيها.
حين تُضرب دولةٌ تستضيف أكبر قاعدةٍ عسكرية إقليمية وتربطها علاقاتٌ مع Nato دون أن يترتّب على ذلك أيّ عواقب، يغدو الردع المبنيّ على كلمة واشنطن وحدها ضرباً من السراب.
من هذه الصدمات المتتالية لا من تقاطع أيديولوجي، إذ لا قاسم مشترك يجمع بين الإسلام السياسي التركي والبراغماتية الاستبدادية السعودية لما بعد رؤية 2030 والواقعية الباكستانية للدولة العسكرية يستمدّ هذا التكتّل الناشئ تماسكه.
يقوم جوهر هذا التكتّل على ميثاق الدفاع المتبادل السعودي-الباكستاني لعام 2025، الذي أُبرم في أعقاب ضربة الدوحة، ويضع بصورةٍ غير رسمية القدرات النووية والصاروخية الباكستانية تحت مظلّةٍ متاحة للرياض. أما تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيشٍ في Nato وقاعدةً صناعية دفاعية تورّد الطائرات المسيّرة والمنظومات البحرية والبرية عبر المنطقة، فقد انزاحت تدريجياً نحو الانضمام إلى هذا الإطار.
تحوّلٌ جيوسياسي
تُكمل مصر، المتحكّمة في قناة السويس وصاحبة أكبر جيشٍ نظامي في العالم العربي، وقطر، التي توفّر قوّةً ماليةً ضاربة وقنواتٍ وساطة لا مثيل لها مع Hamas وواشنطن وطهران على حدٍّ سواء، هذا التحوّل الجيوسياسي اللافت من الهامش. في حين تبقى أبوظبي على مسافةٍ حذرة، لا تزال تتنافس مع الرياض على الريادة الاقتصادية في مرحلة ما بعد النفط وعلى التعاون الأمني مع إسرائيل.
لدى الإمارات أسبابٌ وجيهة للانضمام إلى هذا الإطار، لكنّ ثمّة أسباباً وجيهة أيضاً للبقاء خارجه والمراقبة، لا سيّما في ظلّ التقلّبات الشاملة للمشهد الراهن.
وراء التعاون السعودي-الباكستاني الممتدّ لعقود، ما يجمع هذه المجموعة ليس صداقةً عميقة فقد ظلّت العلاقات التركية-السعودية مسمومةً لسنواتٍ بفعل جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018 بل هو حسابٌ براغماتي متقارب.
توصّلت كلّ عاصمةٍ من هذه العواصم باستقلاليةٍ تامة إلى أنّ لا حرب الوكالة الإيرانية ولا النظام الأمريكي-الإسرائيلي القائم على القوّة وحدها يوفّران استقراراً طويل الأمد ووضعاً مقبولاً.
تضاعفت التدريبات المشتركة هذا العام: مناوراتٌ بقيادة سعودية تشارك فيها أصولٌ جوية تركية وباكستانية، وتعاونٌ بين القوات الخاصة المصرية والباكستانية، و دوراتٌ تخطيطية متعددة الأطراف تشمل الجيوش الأربعة.
لا يرقى هذا كلّه إلى مستوى «Nato الإسلامي» على الأقلّ في هذه المرحلة، وبصرف النظر عن بند الدفاع الملزم والتشكيك في تماسكه أمرٌ مشروع. فتركيا والمملكة العربية السعودية لا تزالان تتنافسان على زعامة العالم السنّي، وقد فتر الحماس الباكستاني بوضوح مع تعمّق الدور التركي.
لكنّ هذا التكتّل، حتى بوصفه احتمالاً لا حقيقةً راسخة، بات يُعيد رسم الحسابات في طهران ونيودلهي وتل أبيب وواشنطن.
ما يميّز هذا المحور عن أسلافه هو تحديداً رفضه تقديم بديلٍ معياري كبير. فهو لا يدّعي تمثيل الإسلام السياسي كما تدّعي إيران تمثيل «المقاومة»، ولا يعد بالاندماج الحتمي في نظامٍ تقوده الولايات المتحدة كما فعلت اتفاقيات أبراهام.
إعادة التموضع عبر إدارة المخاطر
يتحوّط أعضاؤه في آنٍ واحد: فالمملكة العربية السعودية تبقي قناةً مفتوحة نحو التطبيع المحتمل مع إسرائيل، بينما تبني في الوقت ذاته ضمانةً أمنيةً نووية في مواجهتها، وتتفادى الانجرار إلى تصعيدٍ مباشر ومكلف مع إيران.
وتوسّع تركيا نفوذها في سوريا والعراق مع تراجع النفوذ الإيراني، دون أن تقطع علاقاتها الاقتصادية مع طهران، وتستعدّ لموازنة الطموحات الهيمنية الإسرائيلية في المنطقة. أما مصر وقطر فتواصلان دور الوساطة بالضبط لأنّهما غير مرتاحتين لوصاية أيّ طرفٍ منفرد.
هذا إعادة تموضعٍ عبر إدارة المخاطر لا عبر القناعة تحوّطٌ في مواجهة ضمانةٍ أمريكية غير موثوقة وأخرى إيرانية فقدت مصداقيّتها.
غير أنّ هذه البراغماتية ذاتها هي المصدر الرئيسي لمتانة التكتّل، إذ يسعى إلى احتواء ما تبقّى من قدرات إيران بالوكالة، وردع إسرائيل عن ضرب بلدانه منفردةً، والحفاظ على قدرٍ كافٍ من الاستقلالية الاستراتيجية عن واشنطن لتفادي الانزلاق نحو مواجهاتٍ لا تتوافق مع مصالح الأعضاء.
لا يعني هذا كلّه أنّ المنطقة قد وجدت طريقها إلى الاستقرار. فإعادة إعمار غزة لا تزال موضع جدل، وهدنة لبنان هشّة، وإيران رغم إضعافها لم تُكسر، ولا تزال قادرةً على زعزعة الاستقرار عبر ما تبقّى من شبكة وكلائها. وداخل المحور نفسه، ثمّة تنافساتٌ داخلية تستوجب المعالجة، من التنافس التركي-السعودي إلى المسافة الحذرة التي تحافظ عليها الإمارات.
بيد أنّه بوصفه مفهوماً تنظيمياً، يمثّل هذا المحور شيئاً جديداً حقيقياً: ليس انتصار محورٍ على آخر، بل ظهور طريقٍ ثالث إقليمي، تبادلي، ومتحوّط صراحةً في مواجهة التحريفية الإيرانية والتوسّعية المشيحانية الإسرائيلية والتزام واشنطن المتعثّر. وسيتنافس هذا المحور على تحديد معنى الاستقرار في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل.
في الوقت الراهن، تؤدّي اتفاقية مكة دوراً غريباً: تتيح لكلّ طرفٍ إسقاط أحلامه الكبرى عليها.
فإسرائيل وأنصارها المتناقصون في واشنطن ستريان فيها جهداً مرحّباً به لتضييق الخناق على إيران في المنطقة؛ وستعدّها طهران دليلاً على أنّ كبار الفاعلين الإقليميين ينظّمون أنفسهم للإفلات من المظلّة الأمريكية غير الموثوقة ولمواجهة الطموحات الهيمنية الإسرائيلية؛ وقد ترى فيها تركيا إطاراً مفيداً لمعالجة التوتّرات المتصاعدة مع تل أبيب.
أما المملكة العربية السعودية، فقد يكون هذا التحالف خيارها الوحيد للحفاظ على الوضع الراهن الذي ترغب في إبقائه، في حين تجد باكستان فيه فرصةً سانحة لتعزيز مكانتها الدولية مع إبقاء عينٍ على تحدّيها الاستراتيجي الأهمّ: الهند.
مهما يكن من أمر، فإنّ اتفاقية مكة قد تفعل في رسم مسار المنطقة ما لا تستطيع فعله أيّ قراراتٍ تتّخذ في واشنطن أو تل أبيب أو طهران.
أخبار ذات صلة

غزة والإبادة: كيف حوّلت إسرائيل الرعب إلى روتين يومي

الأكاديمي الإماراتي وتغريدة حول باكستان تكشف قلق أبوظبي من اتفاق مكة

الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان: مناطق تجريبية بدلاً من الانسحاب الفعلي
