فرنسا على مفترق طرق بين اليمين المتطرف والتحديات الكبرى
انتخابات رئاسية فرنسية حاسمة قد تغيّر مستقبل فرنسا والاتحاد الأوروبي مع تصاعد فرص Marine Le Pen في الفوز وسط مشهد سياسي متشتت وتحديات داخلية وخارجية معقدة تابع التفاصيل على وورلد برس عربي

في الثامن عشر من أبريل 2027، يتوجّه الناخبون الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع في انتخاباتٍ رئاسية قد تُعيد رسم ملامح فرنسا من الداخل، وتُلقي بظلالها على مستقبل الاتحاد الأوروبي برمّته. لأوّل مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة، تقترب Marine Le Pen من عتبة الإليزيه بجديّةٍ لم تبلغها من قبل، وسط مشهدٍ سياسي مُتشظٍّ وتحدّياتٍ داخلية وخارجية تُثقل كاهل أيّ مرشّح.
من يخلف Macron في زمن الأزمات؟
يغادر Emmanuel Macron قصر الإليزيه مُكبَّلاً بنصٍّ دستوري يحظر عليه الترشّح لولايةٍ رئاسية ثالثة متتالية، تاركاً خلفه إرثاً من الغضب الشعبي والاحتجاجات التي اتّسمت بها سنوات حكمه. وفي غيابه، تتزاحم على الساحة أسماءٌ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، في مشهدٍ يُذكّر المراقبين بعام 2002، حين أفضى تشتّت الأصوات بين 16 مرشّحاً إلى تأهّل Jean-Marie Le Pen للدور الثاني بصورةٍ فاجأت فرنسا وأوروبا معاً.
اليوم، تقف ابنته Marine Le Pen، البالغة من العمر 58 عاماً، أمام رابع تجربةٍ رئاسية في مسيرتها، وهي هذه المرة في موقعٍ أكثر رسوخاً من أيّ وقتٍ مضى. فحزبها «التجمّع الوطني» (National Rally) بات منذ عام 2024 أكبر حزبٍ في الجمعية الوطنية الفرنسية، وقد أسقطت محكمة استئناف باريس في يوليو من العام ذاته الحظرَ المفروض على ترشّحها، ممهّدةً لها الطريق نحو 2027. خسرت Le Pen أمام Macron مرّتين، في 2017 وفي 2022، لكنّ استطلاعات الرأي الراهنة تُشير إلى احتمالٍ جدّي بأن تتصدّر الجولة الأولى، بل وتفوز في الجولة الثانية المقرّرة في الثاني من مايو 2027.
«اليمين المتطرّف قد يفوز هذه المرة»
يُلخّص Gilles Ivaldi، الباحث في معهد Sciences Po المتخصّص في دراسة الشعبوية واليمين المتطرّف، طبيعة هذه المرحلة بصراحةٍ لافتة: «إنها انتخاباتٌ حاسمة بوضوح، لأنّ اليمين المتطرّف قد يفوز بها، وهذا لم يحدث من قبل قطّ».
ولا يقف الأمر عند حدود الداخل الفرنسي. فبحسب Ivaldi، فإنّ وصول Le Pen إلى الرئاسة سيُلقي بتداعياتٍ مباشرة على المشروع الأوروبي: «مع Le Pen رئيسةً، نعلم أنّ الاتحاد الأوروبي سيضعف. لا نعرف إلى أيّ حدٍّ، لكنّنا نعلم أنّها ضدّ الاتحاد الأوروبي. وهذا سيُفضي إلى قدرٍ كبير من عدم الاستقرار».
تسعى Le Pen إلى تقديم نفسها بصورةٍ مختلفة عن صورة والدها Jean-Marie Le Pen، صاحب الإدانات المتعدّدة بتهم خطاب الكراهية وإنكار المحرقة. غير أنّ خصومها يرفضون قبول هذا التمايز، ويرون في سياساتها المُعلنة تجاه الاتحاد الأوروبي والهجرة والأمن امتداداً لمنطقٍ سياسي واحد.
حقلٌ مكتظّ بالمرشّحين... والفرص
المشهد التنافسي لا يقتصر على Le Pen وحدها. فعلى الجانب الآخر من الطيف السياسي، يسعى Jean-Luc Mélenchon إلى بلوغ الدور الثاني للمرة الأولى في مسيرته، بعد أن جاء ثالثاً عام 2022، ورابعاً في 2017 و2012. وفي المنتصف، يتنافس كلٌّ من Edouard Philippe وGabriel Attal، رئيسا الوزراء السابقان، على تمثيل التيار الوسطي الذي أفرزه عهد Macron. فضلاً عن ذلك، يحمل Bruno Retailleau راية اليمين المحافظ، فيما يمثّل Raphaël Glucksmann اليسار التقليدي، وتقود Marine Tondelier حزب البيئيين (Ecologists).
وقد جمع مؤخّراً سبعةً من هؤلاء المرشّحين مناظرةٌ كبرى في ملعب Roland Garros الشهير بباريس، في مشهدٍ يُجسّد حجم التنافس وتعدّد الأصوات التي تُحاول ملء الفراغ الذي يتركه Macron.
يُحذّر Ivaldi من أنّ هذا التشتّت قد يصبّ في مصلحة Mélenchon: «ما لا نعرفه هو مَن سيكون في مواجهتها في الجولة الثانية المحتملة. كلّما زاد التشرذم، زادت فرص Mélenchon في أن يكون ذلك الشخص». ثمّ يُضيف في تحليلٍ يكشف عن طبيعة المعركة الحقيقية: «سيكون من المثير للاهتمام أن نرى أيّ هاتين القوّتين ستنتصر في نهاية المطاف. إنّهما قوّتان مختلفتان، قوّتان متناقضتان تتصارعان».
فرنسا في مواجهة العالم
لا يمكن قراءة هذه الانتخابات بمعزلٍ عن السياق الدولي المُضطرب. فرنسا تواجه اليوم تحدّياتٍ متراكمة: ركودٌ اقتصادي، وارتفاعٌ في تكاليف الطاقة جرّاء تداعيات الحرب مع إيران، وقلقٌ أمني متصاعد مرتبط بالحرب في أوكرانيا، فضلاً عن غموضٍ جيوسياسي تُغذّيه رئاسة Donald Trump وصعود الصين. يُضاف إلى ذلك دَيْنٌ عام متصاعد يُضيّق هامش المناورة الاقتصادية أمام أيّ رئيسٍ قادم.
فرنسا ليست دولةً عادية في هذه المعادلة: فهي الاقتصاد الثاني في الاتحاد الأوروبي، وقوّةٌ نووية، وعضوٌ دائم في مجلس الأمن. وهذا ما يجعل من الاستحقاق الرئاسي الفرنسي لعام 2027 حدثاً يتجاوز الحدود الفرنسية بكثير.
السؤال الذي سيظلّ مفتوحاً حتى ليلة الثاني من مايو 2027 هو: هل تستطيع فرنسا، في خضمّ هذا الانقسام السياسي الحادّ وهذه الضغوط الدولية المتراكمة، أن تُنتج توافقاً حول مشروعٍ للحكم؟ أم أنّ التشتّت سيُفضي إلى ما لم تشهده الجمهورية الخامسة من قبل؟
أخبار ذات صلة

الملك النرويجي الجديد يكرّم والده الراحل وسط حداد شعبي واسع

تهديدات ترامب بشأن غرينلاند تلقي بظلالها على استفتاء أيسلندا حول الانضمام للاتحاد الأوروبي

اعتقال أوكراني في قضية تفجيرات خط نورد ستريم 2022
