تقنية جديدة تخفض تكلفة سحب ثاني أكسيد الكربون
تقنية جديدة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون من الهواء تقترب من تكلفة 92 دولار للطن مع استهلاك طاقة منخفض. هل تصبح هذه التكنولوجيا رخيصة وفعالة لمواجهة تغير المناخ؟ اكتشف التفاصيل في وورلد برس عربي.

هل يمكن أن يصبح سحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء رخيصاً بما يكفي ليُستخدم على نطاق واسع؟ هذا هو السؤال الذي يطارد قطاع تقنيات المناخ منذ سنوات، والهدف الذي تسعى إليه كل الشركات العاملة في هذا المجال هو رقم واحد: 100 دولار للطن. حتى الآن، ظلّت هذه العتبة بعيدة المنال، لكن دراسة جديدة قادها فريق بحثي من جامعة ديلاوير بقيادة الباحث James Buchen تطرح نموذجاً مختلفاً قد يقترب من هذا الهدف، أو حتى يتجاوزه نظرياً.
الرقم اللافت في الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Energy عام 2026، هو 92 دولاراً للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون وهو تقدير مبني على افتراض بناء منشأة أكبر بألف مرة من الجهاز التجريبي الذي اختبره الفريق في المختبر. للمقارنة، تستهدف شركة Climeworks الوصول إلى نطاق 250 إلى 350 دولاراً للطن بحلول 2030، بينما تُقدَّر تكلفة تشغيل نموذج تجريبي أولي مبني على هذه التقنية الجديدة بنحو 566 دولاراً للطن. الفجوة بين هذين الرقمين كبيرة، وهي بالضبط ما يستحق التوقف عنده قبل الانبهار بالعنوان.
كيف يعمل الجهاز فعلياً؟
خلافاً لما قد يوحي به الاسم، لا يُخزّن هذا النظام الطاقة كما تفعل البطاريات التقليدية. الباحثون يصفونه بأنه أقرب إلى «أرجوحة كيميائية»: يستخدم مادة هيدروكسيد النيكل نفس المادة الموجودة في بطاريات النيكل-هيدريد المعدني القابلة لإعادة الشحن من نوع AA وAAA المألوفة في الأجهزة المنزلية كطرفين، الكاثود والأنود، في آن واحد.
العملية تسير كالتالي: عند الكاثود، تتولّد أيونات الهيدروكسيد التي تتفاعل مع ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء الجوي، مكوّنةً كربونات أو بيكربونات. هذه المركبات تعبر بعد ذلك غشاءً فاصلاً نحو الأنود، حيث ينخفض الرقم الهيدروجيني (pH) بما يكفي لعكس التفاعل الكيميائي، فيتحرر ثاني أكسيد الكربون في صورة غاز نقي. بعد ذلك، يُعاد ضبط الجهاز عبر عكس الجهد الكهربائي، ما يجعل الكاثود السابق يتحول إلى أنود والعكس صحيح، ليبدأ الدورة من جديد.
الجهاز الذي اختبره الفريق في المختبر لم يكن ضخماً؛ كان مكوَّناً من تسع خلايا مكدّسة فوق بعضها، كل واحدة منها بحجم نصف ورقة قياسية تقريباً. مروحة كانت تدفع الهواء عبر قنوات متعرجة بين ألواح الخلايا، وهي بنية مستعارة من مكونات خلايا الوقود (fuel cells) المعروفة في صناعات أخرى.
أين تكمن الميزة الحقيقية؟
الرقم الأكثر أهمية عملياً، بعيداً عن التوقعات التسويقية، هو استهلاك الطاقة: قاس الباحثون استهلاك الجهاز بنحو 0.8 ميغاواط/ساعة لكل طن من ثاني أكسيد الكربون الملتقط. تستهلك منشآت الالتقاط المباشر من الهواء القائمة حالياً ما بين 1.5 و3 ميغاواط/ساعة للطن الواحد أي أن هذه التقنية الجديدة، إذا صحّت الأرقام على نطاق أوسع، قد تخفّض استهلاك الطاقة إلى النصف أو أقل.
هذا الفرق مهم لأن أغلب أنظمة الالتقاط التقليدية تعتمد على مرشّحات قابلة للانعكاس، مصنوعة من حبيبات صلبة أو محاليل سائلة، تمتصّ الغاز ثم تحتاج إلى تسخينها لإطلاقه مجدداً كتيار غازي منفصل. هذه المرشّحات هي التصميم السائد في القطاع حالياً، لكنها تستهلك طاقة كبيرة في مرحلة التسخين تحديداً وهي المرحلة التي يتجاوزها النظام الكهروكيميائي الجديد عبر آلية الكربونات/البيكربونات وعكس الجهد بدلاً من الحرارة.
تقنية هيدروكسيد النيكل هذه ليست حبيسة المختبر فقط؛ توجد شركة ناشئة باسم RepAir Carbon تبني نموذج أعمالها على أساسها، وهو ما يعني أن الانتقال من التجربة المخبرية إلى التطبيق التجاري بدأ فعلياً، وإن كان لا يزال في مراحله الأولى إذا أخذنا بعين الاعتبار تكلفة 566 دولاراً للطن في النموذج التجريبي الأول.
لماذا لا ينبغي أخذ رقم 92 دولاراً على محمل الجزم؟
هنا يأتي التحفظ الذي لا بد منه. رقم الـ92 دولاراً ليس نتيجة تجربة فعلية على نطاق صناعي، بل هو إسقاط رياضي يعتمد على «معدلات التعلّم» (learning rates) المستخلصة من صناعة بطاريات الليثيوم-أيون أي الافتراض القائل إن التكلفة تنخفض بمعدل ثابت كلما تضاعف حجم الإنتاج، بالطريقة نفسها التي انخفضت بها أسعار بطاريات السيارات الكهربائية على مدى العقد الماضي. هذا النموذج مفيد للتقدير، لكنه ليس ضماناً.
والتاريخ القريب يقدّم درساً واضحاً في هذا الصدد: شركة Climeworks نفسها واجهت صعوبات حقيقية في تحقيق توقعاتها التسعيرية المتفائلة، رغم أنها كانت من أوائل الشركات الرائدة في مجال الالتقاط المباشر من الهواء. إذا كانت شركة راسخة بهذا الحجم لم تصل بعد إلى أهدافها المعلنة، فمن الحكمة التعامل مع أي توقع لتكلفة لم تُختبر بعد على نطاق واسع بقدرٍ من الحذر، مهما بدا الأساس العلمي وراءه متيناً.
ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن استهلاك الطاقة المنخفض المُقاس فعلياً في المختبر 0.8 ميغاواط/ساعة للطن رقم حقيقي وقابل للتحقق، بخلاف تقدير التكلفة المستقبلية الذي يبقى نظرياً. وهذا الفارق بين ما جُرِّب وما جرى توقّعه هو بالضبط ما يجب أن يبقى حاضراً في ذهن أي قارئ يتابع أخبار تقنيات المناخ.
الخلاصة العملية: هذه التقنية تستحق المتابعة، وتحديداً لأنها تقدّم مساراً كهروكيميائياً مختلفاً جذرياً عن المرشّحات الحرارية التي هيمنت على القطاع لسنوات، وتحقق بالفعل توفيراً ملموساً في الطاقة. لكن الحديث عن هدف الـ100 دولار للطن سيبقى مؤجلاً حتى يُبنى نموذج على نطاق تجاري حقيقي، لا على نطاق تسع خلايا مخبرية. ومع وجود عدة تقنيات منافسة تسعى للهدف نفسه، فربما لا يكون السؤال الأهم أي تقنية ستفوز، بل هل ستصل إحداها فعلاً إلى الرقم الذي يتحدث عنه الجميع منذ سنوات.
أخبار ذات صلة

• آبل تُعدّل صلاحيات الوصول للقرص الصلب لمنع تجاوزات برمجيات الذكاء الاصطناعي

إطلاقات فضائية متتالية: SpaceX تُنجز ثلاث مهمات و Rocket Lab تحقق عقداً ضخماً

رسالة نابليون السرية: الذكاء الاصطناعي يفكّ شيفرة رسالة عمرها 217 سنة
