الثقوب السوداء تكشف أسرارها بأصداء الأشعة السينية
تكتشف أبحاث فيزيائية MIT أن الثقوب السوداء العملاقة تشتعل وتخبو أسرع مما اعتقدنا وتبتلع المادة بسرعة غير متوقعة. تقنية ارتداد الأشعة السينية ترسم خريطة جديدة لسلوك هذه الأجرام الغامضة وتغير فهمنا للكون مع وورلد برس عربي.

تُظهر أبحاث الفيزيائية Erin Kara في معهد MIT أنّ الثقوب السوداء العملاقة قد تتصرّف بوتيرة أسرع مما افترضه الفلكيون: فهي قد «تشتعل» وتخبو في فترات قصيرة، وقد تسقط المادة نحوها أسرع من المتوقّع. وتعتمد Kara في ذلك على تقنية تُعرف بـ«الصدى الراديوي للأشعة السينية»، أو بتعبير أدق «ارتداد الأشعة السينية» (X-ray reverberation)، وهي طريقة ترسم خريطة للمناطق المحيطة بالثقب الأسود وتعيد النظر في تصوّراتنا عن سلوكه.
تقود Kara مجموعة بحثية متخصّصة في الثقوب السوداء ضمن معهد Kavli لعلوم الفيزياء الفلكية وأبحاث الفضاء في MIT، وهو معهد Kavli في MIT. وتستخدم المجموعة بيانات من تلسكوبات فضائية وأرضية لدراسة خصائص هذه الأجرام ونموّها وتأثيرها في محيطها. ويتركّز اهتمامها على الثقوب السوداء فائقة الكتلة (SMBHs) الموجودة في مراكز المجرات الضخمة، وهي أجرام تؤدي دوراً في تشكّل المجرات وتطوّرها. ويستند هذا التقرير إلى مقال نشره MIT عن Kara، وليس إلى دراسة محكّمة منشورة في مجلة علمية.
كيف يرسم الصدى خريطة لما لا يُرى؟
الثقب الأسود بقايا نجم منهار، تصل الجاذبية عند سطحه إلى حدّ يعادل سرعة الضوء، ولا يستطيع شيء، حتى الضوء، الإفلات من أفق الحدث المحيط به. لذلك لا يمكن رصده مباشرة، ويلجأ الفلكيون إلى دراسة ما يحيط به.
حول الثقب الأسود يدور قرص التراكم (accretion disk)، وهو غاز وغبار يلتفّان حوله. وفوقه تقع الهالة (corona)، وهي منطقة عالية الطاقة تصدر أشعة سينية. تعتمد تقنية الارتداد على أنّ جزءاً من هذه الأشعة يرتدّ عن قرص التراكم، فيصل إلى التلسكوبات متأخراً قليلاً عن الأشعة القادمة مباشرة. وتُستخدم أصداء إشعاع الهالة هذه في رسم خريطة لما حول الثقب الأسود.
من أرشيف قديم إلى موضوع دكتوراه
بدأت Kara مسارها بدراسة الفيزياء في برنامج ماجستير مدته سنة في معهد علم الفلك بجامعة كامبريدج. ثم بقيت في كامبريدج لإنجاز الدكتوراه حول ارتداد الأشعة السينية من الثقوب السوداء، بإشراف Andy Fabian، العضو في الجمعية الملكية.
تعود جذور الموضوع إلى عام 2009، حين رصد فريق Fabian تأخرات زمنية غير معتادة في بيانات أرشيفية للأشعة السينية. صدرت هذه التأخرات عن الهالة، وفسّرها الفريق بأنها أول دليل على ارتداد الأشعة السينية حول ثقب أسود، إذ ربطها بأشعة سينية من الهالة ترتدّ عن قرص التراكم. وكان الموضوع جديداً نسبياً حين اختارته Kara لأطروحتها. وتصف الباحثة تلك المرحلة قائلة:
«لم يكونوا قد عثروا على هذه الأصداء إلا في ثقب أسود واحد. لكنّ الأرشيف كان مليئاً ببيانات إشارات الارتداد هذه التي لم يحلّلها أحد بهذه الطريقة تحديداً. فكان أمامي طوال الدكتوراه أن أعبث بهذا الأرشيف، وقد بدا الأمر قائماً على الاكتشاف إلى حدّ بعيد.»
من Hitomi إلى XRISM وNICER
بعد الدكتوراه عملت Kara باحثة ما بعد الدكتوراه في جامعة ميريلاند وفي مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لـ NASA. وشاركت خلال تلك الفترة في مهمة Hitomi اليابانية لعلم الفلك بالأشعة السينية. وقد فشلت المهمة بعد 40 يوماً في الفضاء، لكنّ البيانات التي أعادتها أكدت صلاحية أداة القياس الدقيقة فيها (microalorimeter). وأسهمت تقنية Hitomi لاحقاً في بناء مهمة التصوير والمطيافية بالأشعة السينية XRISM. وتقود Kara اليوم مجموعة علمية تحلّل الإشارات السينية الصادرة عن هالات الثقوب السوداء فائقة الكتلة ضمن هذه المهمة.
وبين المحطتين عملت Kara مع فريق MIT الذي طوّر مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية (NICER). يرتبط هذا الجهاز اليوم بـمحطة الفضاء الدولية، ويقيس توقيت الأشعة السينية الصادرة عن المصادر الفلكية. وتفصّل صفحة NICER لدى NASA تفاصيل المهمة. وتحلّل Kara وطلابها بيانات XRISM وNICER وبعثات أخرى.
ماذا تغيّر في صورة الثقب الأسود؟
لا تقتصر المجموعة على الارتداد، فهي تدرس أيضاً أحداث التمزّق المدّي (tidal disruption events)، والانفجارات الدورية، وثورات الثقوب السوداء. وقد تحدّت نتائج Kara بعض التصورات السابقة عن سلوك هذه الأجرام. تقول:
«كان الأمر في السابق أننا لا نملك عيوناً على هذه الأنظمة طوال الوقت. أما الآن فنرى أنها قادرة على أن تُشعل نفسها وتُطفئها بمعدلات أسرع بكثير مما ظننا أنه ممكن. ونرى أن الأشياء تنجذب نحو الثقوب السوداء أسرع مما ظننا، ربما بسبب نجوم تدور بسرعة كبيرة وتعلق في قرص التراكم حول الثقب الأسود.»
تُقدَّم فكرة النجوم العالقة في القرص تفسيراً محتملاً، وليست نتيجة مثبتة. وهذا يعني أنّ ما يُعرف عن وتيرة تغذية الثقوب السوداء ما زال قيد المراجعة.
ما الذي ينتظر هذا الحقل؟
ستمتد أعمال Kara قريباً إلى مرصدين مقبلين. الأول هو القمر الفلكي للظواهر العابرة في الأشعة فوق البنفسجية (ULTRASAT)، والثاني هو هوائي الفضاء بالتداخل الليزري (LISA). ويُوصف الأول بأنه يمسح السماء باستمرار بحثاً عن مصادر فوق بنفسجية ساخنة، فيما يرصد الثاني الأمواج الثقالية منخفضة التردد الناتجة عن اندماج الثقوب السوداء.
وتقول Kara عن هذا المجال: «من المذهل أننا نحن البشر نستطيع أن نعرف أي شيء عمّا يحدث على بعد مليارات السنين الضوئية.» وتضيف: «هناك الكثير من الألغاز المفتوحة الجديدة حول الثقوب السوداء فائقة الكتلة، وأنا متحمسة لها.»
أخبار ذات صلة

الأقزام البيضاء ليست بيضاء: ألوان حقيقية تكشفها الفيزياء الفلكية

تلسكوب خاص يستهدف 27 كوكباً خارجياً في مهمته الأولى

رحلة أرتيميس 3 القمرية: ناسا تحدد الخطة لكن التاريخ غامض
