تجربة السفن الكهربائية في خدمة العبور البحري الشاقة
هل يمكن لسفينة كهربائية أن تخدم خط عبور مزدحم يومياً لسنوات؟ تعرف على تجربة Bastø Electric وتحول أسطولها نحو الكهرباء والتحديات الحقيقية وراء أرقام التوفير البيئي وأتمتة الملاحة في خدمة يومية شاقة وورلد برس عربي

هل يمكن لسفينة تعمل بالبطاريات فعلاً أن تصمد في خدمة يومية شاقة، على أحد أكثر خطوط العبور ازدحاماً في النرويج، لخمس سنوات كاملة؟ هذا هو السؤال العملي الذي يستحق طرحه بعيداً عن الحماس الإعلامي الذي رافق إطلاق سفينة Bastø Electric في مارس 2021، حين وُصفت بأنها أكبر سفينة عبّارة تعمل بالكهرباء بالكامل في العالم. اللقب لم يصمد طويلاً؛ فسفينة China Zorrilla التي بنتها شركة Incat تجاوزته لاحقاً ببطارية تفوق سعتها 40 ميغاواط/ساعة، مقابل 4.3 ميغاواط/ساعة فقط لبطارية Bastø Electric. وهذا بالضبط نمط متكرر في عالم التكنولوجيا: العنوان "الأكبر في العالم" له عمر افتراضي قصير، والسؤال الأهم دائماً هو ما إذا كان المنتج يعمل فعلاً في الاستخدام اليومي، لا في يوم الإطلاق.
ماذا تفعل هذه السفينة فعلياً؟
تخدم Bastø Electric خط موس-هورتن (Moss-Horten) العابر لمضيق أوسلوفيورد (Oslofjord)، وهو مسار قصير نسبياً بطول نحو 10 كيلومترات تستغرق العبّارة عبوره حوالي نصف ساعة. طول السفينة نفسها 139.2 متراً، وتتّسع لـ600 راكب و200 سيارة في الرحلة الواحدة. هذا النوع من الخطوط القصيرة والمتكررة هو بالضبط ما يناسب الدفع بالبطاريات: نقاط الشحن معروفة ومتوقعة، والسفينة لا تحتاج لحمل طاقة كافية لرحلة بحرية طويلة، بل فقط لعبور قصير متكرر بين نفس المحطتين. عند الرسو، كانت السفينة قادرة على استقبال شحن يصل إلى 9 ميغاواط من محطات الشحن الساحلية.
قبل التحوّل نحو الكهرباء، كان الخط يستهلك نحو 8.5 مليون لتر من الديزل سنوياً، ضمن حركة نقل بلغت في تلك المرحلة نحو 3.7 مليون راكب و1.8 مليون مركبة سنوياً، عبر نحو 36 ألف رحلة. اليوم، ووفق أرقام المشغّل الحالية، ارتفعت حركة الركاب إلى قرابة 4 ملايين راكب سنوياً، وقاربت المركبات المليونين.
من سفينة واحدة إلى منظومة كاملة
المهم هنا أن Bastø Electric لم تكن التجربة الوحيدة، بل كانت البداية لبرنامج أوسع نفّذته شركة Bastø Fosen المشغّلة للخط. فبدلاً من الاكتفاء بسفينة جديدة واحدة، حوّلت الشركة سفينتين ديزل قائمتين أصلاً Bastø IV و Bastø VI إلى الدفع الكهربائي. أكملت Bastø IV تحوّلها عام 2021، بينما خضعت Bastø VI لتجارب بحرية للتحقق من نجاح التحويل في مارس 2022. كلتا السفينتين تحملان الطاقة الاستيعابية نفسها تقريباً: نحو 600 راكب و200 سيارة.
لكن التحوّل لم يكن فورياً ولا كاملاً منذ اليوم الأول. البنية التحتية للشحن على طرفي الخط لم تكتمل إلا بحلول 2023، وهو التاريخ نفسه الذي أصبحت فيه السفن الثلاث قادرة على العمل بالكهرباء بشكل كامل. بعبارة أخرى، ولمدة تقارب عامين من دخول Bastø Electric الخدمة، لم تكن المنظومة الثلاثية تعمل بالكهرباء بالكامل طوال الوقت نقطة تستحق التوضيح لأن الحديث عن "خمس سنوات من التشغيل الكهربائي" قد يوحي بخط زمني أكثر انتظاماً مما حدث فعلياً على الأرض.
هل أرقام التوفير البيئي دقيقة كما تبدو؟
الرقم الأكثر تداولاً في هذا الملف هو أن المنظومة الكهربائية الثلاثية، التي تغطي نحو 75% من رحلات الخط، صُمّمت لتوفير نحو 6 ملايين لتر من الديزل سنوياً، أي ما يعادل تقريباً 16 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون وفق معامل الانبعاثات المعياري للديزل. هذا الرقم يبدو مبشّراً، لكنه وهذا مهم تقدير مبني على التصميم النظري للمنظومة، وليس قياساً فعلياً موثّقاً لما تم توفيره تراكمياً على مدى السنوات الخمس. الوفورات الحقيقية تتوقف على كيفية تشغيل السفن فعلياً وعلى مصدر الكهرباء المستخدمة، وهي متغيرات لا تظهر في الرقم التسويقي المعلن.
الأهم من ذلك: لا توجد بيانات علنية منفصلة توثّق عدد الرحلات التي قامت بها Bastø Electric تحديداً، لأن أرقام حركة الخط تُحتسب إجمالاً للسفن الثلاث معاً، لا لكل سفينة على حدة. كما أن رقماً تراكمياً بحجم 30 مليون لتر من الديزل الموفَّر على مدى السنوات الخمس وهو ما قد يخطر ببال أي قارئ يحاول ضرب 6 ملايين لتر سنوياً في خمس سنوات لم يُطرح أصلاً كادعاء رسمي، وهذا فارق مهم بين التقدير النظري والواقع الموثّق.
أتمتة، لا استقلالية
جانب آخر يستحق التدقيق هو الحديث عن "الأتمتة" في هذه السفن. ركّبت شركة Kongsberg Maritime على السفن الثلاث نظامي Auto Docking وAuto Crossing. الأول يستخدم أجهزة استشعار والتحكّم في الدفّاعات (thrusters) لتنفيذ عمليات الاقتراب من المحطات آلياً، بينما يعتمد الثاني على بيانات الرحلات السابقة لتحسين المسار واستهلاك الطاقة. الدفع الكهربائي بحد ذاته يتيح تحكّماً أدق أثناء الرسو والمناورة بسرعة منخفضة، وهو ما يجعل هذه الأنظمة فعّالة أكثر مما لو طُبّقت على سفينة ديزل تقليدية.
لكن هذا لا يعني أن السفن "ذاتية القيادة". فقد وصف قبطان Bastø Electric، سفين إريك واسكاس (Svein Erik Waskass)، إحدى عمليات العبور بأنها تطلّبت ثلاثة إدخالات فقط على الشاشة من الطاقم وهذا مؤشر دقيق على أن الأتمتة تتولى العمليات المتكررة، لكن السفن ما زالت تحمل طاقم تشغيل كامل. الفارق بين "الأتمتة" و"الاستقلالية الكاملة" فارق تقني وليس لغوياً فحسب، ويستحق التوضيح كلما ظهر مصطلح "ذكية" أو "آلية" في وصف أي مركبة بحرية.
خلف هذه الأرقام والأنظمة، يبقى العنصر البشري حاضراً: طواقم من الفلبين وإندونيسيا يمرّون عبر مطار سخيبول (Schiphol) في أمستردام، عائدين بعد أسبوع من الراحة نحو مقر عملهم القريب من خط موس-هورتن تذكير بسيط بأن خلف كل نظام "أتمتة" يُروَّج له، ثمة طاقم بشري ما زال يتولى معظم القرارات الفعلية.
بعد خمس سنوات، الصورة الواقعية لتجربة Bastø Electric ليست "ثورة" ولا "فشلاً"، بل شيء أكثر تواضعاً وأكثر فائدة عملياً: دليل على أن الخطوط القصيرة والمتكررة بيئة مناسبة فعلاً للدفع الكهربائي البحري، بشرط توفر بنية تحتية للشحن، وبشرط قراءة أرقام "التوفير البيئي" كتقديرات تصميمية لا كإحصاءات مقيسة. السؤال المفتوح الذي يستحق المتابعة هو: هل ستُصدر Bastø Fosen بيانات تشغيلية فعلية موثّقة عن السنوات الخمس، بدلاً من الاكتفاء بالأرقام النظرية للتصميم الأصلي؟ إلى أن يحدث ذلك، يبقى النجاح الحقيقي لهذه التجربة هو الأبسط: عبّارة تعمل بالبطارية، تنقل مئات آلاف الركاب شهرياً، ولم تتعطل عن الخدمة.
أخبار ذات صلة

الجمهوريون يكتشفون الطاقة الشمسية: صوتٌ جديد في المعادلة

الولايات المتحدة نحو شتاء إل نينيو غير مسبوق: السيناريوهات المحتملة

تجنب مسارات الطائرات يؤخر الاحتباس الحراري لقطاع الطيران عقداً كاملاً
