وورلد برس عربي logo

الجزائريون أمام انتخابات تعكس أزمة سياسية عميقة

تتجه الجزائر نحو انتخابات تشريعية جديدة وسط أجواء من الإحباط السياسي. هل ستنجح السلطات في تحفيز المشاركة بعد عزوف عام 2021؟ اكتشف كيف تؤثر الاحتجاجات على المشهد السياسي وما تعنيه هذه الانتخابات لمستقبل البلاد.

امرأة ترتدي حجابًا، تحمل ورقة اقتراع في مركز انتخابي جزائري، مع خلفية تحتوي على خريطة الجزائر. تعكس الصورة أجواء الانتخابات المقبلة.
يعد موظفو الانتخابات بطاقات الاقتراع خلال الانتخابات الجزائرية الأخيرة، في مركز اقتراع ببوشاوي، بالقرب من الجزائر العاصمة، في 12 يونيو 2021 (رياض كرامدي/أ ف ب)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في الأول من يوليو المقبل، يتوجّه الجزائريون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني البالغ عددهم 407 مقاعد لولاية تمتدّ خمس سنوات. لكنّ المشهد السياسي المحيط بهذه الانتخابات يكاد يخلو من أيّ بارقة أمل في انفتاح حقيقي، بعد سبع سنوات على احتجاجات الحراك الشعبي التي أُجهضت قبل أن تبلغ غاياتها الديمقراطية.

نسبة مشاركة تُقلق السلطات

شهدت الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2021 معدّل عزوف قياسياً: لم يشارك سوى 23% من الناخبين المسجّلين وفق الأرقام الرسمية، فيما قاطعت معظم أحزاب المعارضة العملية الانتخابية برمّتها. واليوم، تجد السلطات نفسها أمام تحدٍّ جوهري: كيف تُقنع الجزائريين بالتصويت في انتخابات يرى فيها كثيرون مجرّد ختمٍ رسمي على قرارات مُتّخذة سلفاً؟

قال مسؤول جزائري : "نسبة تتجاوز 35% ستُقدَّم دليلاً على التطبيع السياسي في أعقاب اضطرابات الحراك، أمّا نسبة دون 20% فستكون صفعةً مدوّية."

الحراك الشعبي هو الانتفاضة الواسعة التي أسقطت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عام 2019 بعد عقدَين من حكمه. غير أنّ المجلس الشعبي الوطني، الذي يُجري انتخاباته العاشرة منذ الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، ظلّ تاريخياً حكراً على الأحزاب المرتبطة بالمنظومة الحاكمة.

يهيمن حزب جبهة التحرير الوطني (FLN)، الحزب الحاكم السابق الذي نشأ من رحم حرب الاستقلال، على ما يزيد عن ربع المجلس الحالي بـ105 مقاعد من أصل 407. يليه حركة مجتمع السلم (MSP)، المنبثقة عن تيار الإخوان المسلمين، بـ64 مقعداً، ثمّ التجمّع الوطني الديمقراطي (RND) الذي أسّسه مسؤولون حكوميون عام 1997 دعماً للنخبة الحاكمة، ويحتلّ 57 مقعداً.

"مسرحية ديمقراطية" أم مشاركة مُكرَهة؟

قال الصحفي الجزائري علي بوخلف : "من خلال الانتخابات التشريعية، يريد النظام الجزائري أن يُصوِّر نفسه دولةً ديمقراطية تعدّدية." وأضاف أنّ السلطات "تُعوِّل على نسبة مشاركة مقبولة لإضفاء الشرعية على انتخاباتٍ يراها الجميع مُرجَّحةً مسبقاً لصالح حزبَي RND وFLN."

ويرى الباحث ناصر جابي، الأستاذ السابق في علم الاجتماع بجامعة الجزائر 2، أنّ المواطن العادي "بات منذ أمدٍ بعيد غير مكترثٍ بهذا النوع من الانتخابات، وهو توجّهٌ ازداد حدّةً منذ انتهاء احتجاجات الحراك." وأضاف: "الوضع أشدّ خطورةً بفعل خضوع الهيئة التشريعية للسلطة التنفيذية خضوعاً تامّاً."

في هذا السياق، تأمل السلطات أن يُولِّد عودة الأحزاب المقاطِعة عام 2021 إلى المشاركة شيئاً من الاهتمام الشعبي. فقد أعلنت جبهة القوى الاشتراكية (FFS) وحزب العمال (PT) ذو التوجّه التروتسكي والتجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD) عن مشاركتها في هذه الانتخابات بعد مقاطعتها عام 2021.

بيد أنّ هذه الأحزاب تُدرك جيّداً طبيعة البيئة التي ستخوض فيها الانتخابات. فمنذ الانفراج الديمقراطي الوجيز الذي أطلقه الحراك في فبراير 2019، تشكو الأحزاب السياسية والصحفيون والناشطون من إغلاق شبه تامّ للفضاء السياسي والإعلامي. و وثّقت منظمات حقوق الإنسان، ومنها منظمة العفو الدولية، ما تتعرّض له المعارضة السلمية من اعتقالات تعسّفية ومحاكمات جائرة وحظر سفر.

كما تعرّضت أنشطة الأحزاب للتعطيل؛ إذ جُمِّد حزب الحركة الديمقراطية والاجتماعية (MDS) منذ 2023، وحزب العمال الاشتراكي (PST) منذ 2022. وفي مايو 2025، رفضت السلطات منح RCD تصريحاً لعقد تجمّع في الجزائر العاصمة، كما رفضت مؤتمره في بجاية في أكتوبر دون أيّ تبرير. وفي سبتمبر، اعتُقل فتحي غارس، منسّق حزب MDS، وصدر بحقّه حكمٌ بالسجن سنتَين بتهمة "إهانة رئيس الجمهورية".

وتُفسِّر أحزاب المعارضة عودتها إلى المسار الانتخابي بأنّها نتاج إرهاقٍ من سياسة "الكرسي الفارغ"، وقناعةٍ بأنّ غيابها المطوَّل عن المؤسسات لم يزدها إلّا ضعفاً في مواجهة آلة الأحزاب الحاكمة.

قال أتمان مزوز، رئيس RCD: "من الواضح أنّ هذه الانتخابات التشريعية تجري في ظلّ انغلاقٍ سياسي مستمر. غير أنّ ترك الساحة فارغةً يعني في جوهره إطلاق يد القوى التي تُكرّس الممارسات الاستبدادية والزبائنية. المشاركة تعني رفض هذا التخلّي، وتعني أيضاً إيجاد تعبيرٍ سياسي عن التطلّعات الديمقراطية التي تجلّت بقوّة في السنوات الأخيرة لكنّها لا تجد منافذ مؤسسية."

وأضاف مزوز: "باختصار، نجد أنفسنا في وضعٍ متناقض: نشارك في مسارٍ ننتقده، لا لنُضفي عليه شرعيةً بل لنتحدّاه من الداخل. إنّه موقفٌ مُجهِد وغير مريح أحياناً، لكنّه متسقٌ مع تاريخ RCD ومبادئه."

وأبدى زهير رويس، نائب رئيس حزب جيل جديد (Jil Jadid)، المعارض اليساري الوسطي، قلقاً مماثلاً: "المشكلة تكمن في بيئةٍ سياسية لا تزال منغلقةً بما يكفي: شحّ في فضاءات النقاش، وضعف في قنوات التعبير، وغموضٌ يُغذّي انعدام الثقة. في هذه الظروف، يصعب الحديث عن حياةٍ سياسية فاعلة حقّاً."

في المقابل، جاء تقييم حركة مجتمع السلم (MSP) أكثر اعتدالاً. قال عبد الوهاب يعقوبي، نائب عن الحركة: "بالطبع، كأيّ فاعلٍ سياسي، ولا سيّما في المعارضة، نواجه قيوداً حقيقية وصعوباتٍ متنوّعة وضغوطاً أحياناً. بيد أنّ المشهد السياسي الوطني يستدعي قراءةً دقيقة: فرغم وجود القيود، ثمّة ديناميكيات تغيير تشتغل أيضاً."

قوانين جديدة تُحكم قبضة الدولة

ثلاثة قوانين أُقرَّت قبيل الانتخابات زادت من مخاوف تعميق سيطرة الدولة على الحياة السياسية.

في 9 مارس، صدر قانونٌ جديد وُصف بأنّه يُعزّز سيطرة الحكومة على الأحزاب السياسية. قُدِّم القانون بوصفه تحديثاً للإطار القانوني، لكنّه في الواقع يُشدّد شروط تأسيس الأحزاب وعملها، ويُقيّد ولايات قياداتها، ويُلزمها بالمشاركة في الانتخابات، ويرفع عتبات التمثيل الجغرافي.

وفي 25 مارس، جاء تعديلٌ دستوري قُدِّم رسمياً بوصفه مجرّد "تحديثٍ تقني" ليُقلِّص صلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات (ANIE) تقليصاً ملموساً. هذه الهيئة التي أُنشئت في أعقاب الحراك لإخراج إدارة الانتخابات من وصاية وزارة الداخلية، جُرِّدت من صلاحياتٍ جوهرية وأُعيدت مهمّة الإشراف على الانتخابات إلى تلك الوزارة. كما وسّع التعديل صلاحيات رئيس الجمهورية، وضاعف مدّة ولاية رئيس مجلس الأمة، واشترط حدّاً أدنى من التعليم للترشّح للرئاسة، ممّا يُضيّق الباب أمام المرشّحين المستقلّين من القاعدة الشعبية.

وفي 2 أبريل، أُقرَّت إصلاحاتٌ انتخابية قُدِّمت هي الأخرى بوصفها تقنيةً بحتة، لكنّها عمّقت صلاحيات الرئيس عبد المجيد تبّون وأعطت الإدارة ثقلاً أكبر في إدارة العملية الانتخابية.

قال الصحفي والباحث لشمط عمار، في إشارةٍ إلى نهاية نظام الحزب الواحد عام 1989 بعد أكثر من 25 عاماً من هيمنة FLN: "منذ إرساء التعددية السياسية، يعمل النظام الحالي على وضع قواعد تُؤطّر المشهد السياسي وتُحدّد وتيرته وحدوده." وأضاف: "رغم هامشٍ محسوبٍ بدقّة من الحرية يُتيح بعض التنوّع البرلماني، ستبقى الهيمنة في يد أحزاب النظام الوظيفية. لن يكون ثمّة تحوّلٌ جوهري في موازين القوى داخل المنظومة السياسية الجزائرية."

ويستند عمار في تحليله إلى مؤشّرات عدّة، "أبرزها عودة الإدارة إلى دورٍ مباشر في الإشراف على العملية الانتخابية، ممّا يكشف إرادةً واضحة في التحكّم بالنتائج وتداعياتها."

"ممارسات تصفية" تُقلّص التنافس

منذ انطلاق الحملة الانتخابية، تشكو أحزاب المعارضة من عقباتٍ متعدّدة، فيما طعن المرشّحون في قرارات رفض ترشيحاتهم التي أصدرتها ANIE استناداً إلى المادة 200 من القانون الجديد للأحزاب، معتبرين إيّاها قراراتٍ تعسّفية. وأعلنت الهيئة مطلع هذا الأسبوع أنّها استبعدت 3,174 مرشّحاً من أصل 10,168.

قال زهير رويس، نائب رئيس جيل جديد: "نواجه صعوباتٍ جمّة، وهي ليست حكراً على حزبنا، بل تنبع من بيئةٍ أشمل: محدودية الوصول إلى فضاءات التعبير، وصعوبة بناء برنامجٍ سياسي في سياقٍ يسوده انعدام الثقة، وقيودٌ إدارية وسياسية تُثقل كاهل العمل الحزبي."

كما أصدر RCD بياناً أدان فيه سلسلةً من العراقيل، وكذلك فعل حزب العمال (PT) الذي أعرب عن قلقه إزاء مرحلة جمع التوقيعات التزكوية المطلوبة بموجب قانون الانتخابات.

قال مزوز : "العراقيل الإدارية أمام توثيق التزكيات، والإغلاقات المرصودة في عدّة بلديات، وانعدام حياد بعض المؤسسات المفترض أن تُشرف على العملية الانتخابية... كلّ ذلك يؤكّد أنّ المنظومة لا تزال تُحكم قبضتها على الوصول إلى التنافس." وأضاف: "لسنا أمام أعطالٍ معزولة، بل أمام ممارساتٍ متكرّرة تستهدف تصفية الترشيحات وتقليص تعبير القوى المستقلّة حقّاً."

وقد تجلّت هذه الممارسات بوضوح خلال الانتخابات الرئاسية في سبتمبر 2024، التي أفضت إلى إعادة انتخاب تبّون لولايةٍ ثانية في مواجهة منافسَين اعتُبرا مجرّد ضامنَين لواجهةٍ ديمقراطية، فيما رأى كثيرون أنّ نتيجة الانتخابات كانت محسومةً مسبقاً.

ويُشير بوخلف إلى أنّ "هذه الصعوبات بدأت قبل أشهرٍ طويلة، إذ تبقى جميع الفضاءات مغلقةً أمام أحزاب المعارضة"، مستشهداً بغياب النقاش والتغطية الإعلامية لأنشطة هذه الأحزاب مع استثناءاتٍ نادرة. وأضاف: "حتى بعد الإعلان عن موعد الانتخابات، لا تزال هذه الأحزاب ممنوعةً من الوسائل الإعلامية العامة. يُضاف إلى ذلك العراقيل الإدارية التي ستصبّ حتماً في مصلحة الأحزاب الحاكمة التي تحظى بدعم الإعلام والإدارة معاً. المشهد السياسي لن يتبدّل، بل سيُمكِّن حزبَي RND وFLN من الإبقاء على امتيازاتهما."

أخبار ذات صلة

Loading...
احتجاجات في شوارع تنزانيا، حيث يتجمع المتظاهرون وسط دخان وركام، تعبيرًا عن رفضهم لقرار الحكومة بحظر الأنشطة السياسية.

تنزانيا تحظر التجمعات السياسية قبل احتجاجات معارضة مخطط لها

في خطوة مثيرة للجدل، حظرت الحكومة التنزانية التجمّعات السياسية، مما أثار غضب الشباب المطالبين بالإصلاح. هل ستتمكن المعارضة من مواجهة هذا القرار الجائر؟ تابعوا التفاصيل الكاملة لتعرفوا المزيد عن هذا الوضع المتوتر.
سياسة
Loading...
دونالد ترامب يتحدث في مؤتمر صحفي، محاطاً بأعلام الولايات المتحدة، مهدداً بفرض رسوم جمركية على الدول التي تفرض ضرائب على الخدمات الرقمية.

ترامب يهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الواردات الأوروبية

في ظل تصاعد التوترات الاقتصادية، يهدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الدول التي تفرض ضرائب على الخدمات الرقمية الأمريكية. هل ستتأثر الأسواق الأوروبية؟ اكتشف المزيد حول هذا النزاع المتنامي!
سياسة
Loading...
جنود إسرائيليون يتفقدون الحدود مع لبنان، مع التركيز على الوضع الأمني في المنطقة، حيث تستمر العمليات العسكرية في الجنوب.

إسرائيل تبقى في لبنان وسوريا وغزة "بلا حدود زمنية" نتنياهو وكاتس

في ظل تصاعد الأوضاع، أعلن نتنياهو أن القوات الإسرائيلية ستبقى في لبنان وسوريا وغزة بلا حدود زمنية. تابعوا التفاصيل المثيرة حول العمليات العسكرية والأرقام المروعة لأعداد الشُّهداء. لا تفوتوا قراءة المزيد عن هذا الوضع المتفجر.
سياسة
Loading...
رجل يرتدي قبعة بيضاء مزينة بعلم أمريكي وصورة للرئيس السابق، يحتفل بذكرى تاريخية في تجمع جماهيري.

استطلاع: غالبية الناخبين الأمريكيين يرون حرباً إيرانية "غير مجدية"

تظهر نتائج استطلاع جامعة Quinnipiac أن 60% من الناخبين الأمريكيين يعتبرون الحرب ضد إيران "لا تستحق العناء". كيف أثر هذا التحول في الرأي العام على السياسة الأمريكية؟ تابع القراءة لتكتشف التفاصيل المثيرة.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية