هل تحمي العلامات المائية البروتينات من الاستخدام الخطر
شركة Google DeepMind تطور تقنيات جديدة لوضع علامات مائية خفية في البروتينات المصممة بالذكاء الاصطناعي لتتبع أصلها ودعم الأمن الحيوي لكن الخبراء يشككون بفعاليتها بسبب سهولة إزالتها وصعوبة تطبيقها على نطاق واسع وورلد برس عربي.

-هل تكفي بصمةٌ خفيّة داخل بروتين صمّمه الذكاء الاصطناعي لمنع استخدامه في صنع سلاح بيولوجي؟ هذا ما تحاول شركة Google DeepMind اختباره بتقنيتين جديدتين للعلامات المائية، تهدفان إلى تتبّع أصل البروتينات المصمَّمة بالذكاء الاصطناعي ودعم الفحص الأمني الحيوي. غير أنّ خبراء استطلعت آراءهم «لايف ساينس» (Live Science) يرون أنّ هذه العلامات قابلة للإزالة، وأنّ فرضها على نطاق واسع صعب، ولذلك لا يعدّونها جاهزة للتطبيق الواسع.
لماذا تقلق البروتينات المصمَّمة بالذكاء الاصطناعي علماء الأمن الحيوي؟
تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم توليد بروتينات جديدة، وهذه القدرة مفيدة في تطوير أدوية محتملة، وقد تُستخدم أيضًا في تصميم أسلحة بيولوجية. وتزداد المخاوف لأنّ بروتينات فيروسية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي قد تتفادى جهاز المناعة واللقاحات الحالية.
ويحدّد شكل البروتين وظيفته. فالبروتينات تنطوي في أشكال ثلاثية الأبعاد تشبه فنّ الأوريغامي، وأحماضها الأمينية هي لبناتها الأساسية. وقد مثّل كشف «ألفافولد» (AlphaFold) عام 2020 نقطة تحوّل في هندسة البروتينات، إذ تتنبأ الأداة بالبنية الثلاثية الأبعاد للبروتين انطلاقًا من تسلسل أحماضه الأمينية. وفي عام 2024 نالت التقنية جائزة نوبل في الكيمياء لثلاثة من مطوّريها: ديميس هاسابيس وجون جامبر وديفيد بيكر.
أما أدوات الفحص الحالية فتعتمد على مقارنة التسلسلات الأمينية بتهديدات معروفة، أي على التشابه مع ما سبق رصده. وهذا ما يجعل أيّ وسيلة لتتبّع أصل البروتين، بما في ذلك البروتينات التي لا تشبه شيئًا معروفًا، موضع اهتمام الباحثين.
كيف تعمل العلامة المائية داخل البروتين؟
أطلقت DeepMind اسم SynthIDBio على عائلة التقنيات هذه، وتضمّ طريقتين نُشرتا في دراسة بمجلة «نيتشر» (Nature) عام 2026 بعنوان «Function-preserving watermarking of AI-generated proteins». ويرد في قائمة مؤلفيها D. Stutz وA.I. Cowen-Rivers وG. Ortiz-Jimenez وآخرون. يمكن الاطلاع على الدراسة المنشورة في نيتشر أو على معرّفها الرقمي.
الطريقة الأولى، SynthIDBio-sequence، تدسّ علامة خفيّة في تسلسل الأحماض الأمينية. وهي تعمل مع برنامج ProteinMPNN، الذي يختار الأحماض الأمينية اللازمة للحصول على شكل ثلاثي الأبعاد يحدّده المستخدم. فتُحيّز التقنية خيارات البرنامج بمفتاح سرّي، ثم يفحص كاشفٌ التسلسلَ ليقدّر هل وُلّد تحت تأثير هذا التحيّز. وفي إحدى الدراسات ارتبطت البروتينات الموسومة بأهدافها بالكفاءة نفسها التي أظهرتها البروتينات غير الموسومة، أي أنّ العلامة لم تُضعف الوظيفة.
الطريقة الثانية، SynthIDBio-structure، تضع العلامة في بنية البروتين نفسها عبر تعديل خوارزمية AlphaFold 3. وهي تُحدث تغييرات ضئيلة جدًا في ترتيب ذرّات البروتين، لكنها قابلة للرصد. وأظهرت الاختبارات أنّ الكاشف التقط أكثر من 99% من البروتينات الموسومة، وتجاهل عن صواب 99.9% من البروتينات غير الموسومة.
هذه أرقام قوية على الورق، لكنّ السؤال الأهم في الأمن الحيوي هو كيف تصمد العلامة حين يحاول أحدهم محوها.
ما الذي يضعف العلامة؟
يصف بروس ويتمان، كبير العلماء التطبيقيين في «مايكروسوفت» (Microsoft)، التقنيتين بأنهما «فعّالتان لكنهما هشّتان». ويشرح: «يمكن إزالة العلامات في التسلسلات عبر "إعادة التسلسل"، أي تعديل التسلسل الأميني للبروتين بحيث لا يعود بالإمكان رصد العلامة». ويضيف: «أما في البُنى، فيمكن إزالة العلامات بإضافة ضجيج إلى الإحداثيات المكانية للبنية أو بتعديلها بأي شكل آخر».
والمشكلة الأعمق أنّ أدوات الفحص لا تستطيع معرفة ما إذا كانت علامة بروتين ما قد أُزيلت. وقد تحدّد علامة غير قابلة للمحو الجهة التي أنشأت البروتين أصلًا، أو تكشف دخولًا غير مصرّح به إلى البرنامج. لكنّ خبير الأسلحة السويسري ماكس براكمان يلفت إلى أنّ من يسعى إلى سلاح بيولوجي قد لا يبالي بإمكان تحديد هويته لاحقًا.
وتزيد طبيعة هذا المجال الأمر تعقيدًا، فمعظم برمجيات التنبؤ بالبروتينات وتوليدها مفتوحة المصدر، أي أنّ شيفرتها متاحة للجميع لاستخدامها وتعديلها، ما يعقّد اعتماد العلامات المائية. ويرى ويتمان أنّ الوصول إلى علامات تصبح معيارًا صناعيًا يستلزم التحوّل إلى نماذج مغلقة المصدر. وعن إمكان فرض لوائح بهذا الاتجاه يقول: «أتصوّر أنّ من الصعب جدًا ضمان الالتزام باللوائح».
أما جورج روز، أستاذ الفيزياء الحيوية الفخري في جامعة جونز هوبكنز، فأكثر تشاؤمًا. يقول: «أي شيء يمكن استخدامه في الخير يمكن استخدامه في الشر»، ثم يضيف: «أنا مقتنع بأنها لن تنجح». ويرى أنّه «حين توجد تقنية جذابة تؤدي غرضًا ما، فإنّ التنظيم الحكومي لإبقائها طيّ الكتمان لم ينجح يومًا حقًا».
هل تبقى لها قيمة؟
لا يطرح المتشككون الفكرة جانبًا بالكامل. فويتمان يصفها بأنها طبقة دفاع واحدة ضمن منظومة الأمن الحيوي، وليست حماية قائمة بذاتها. ويرى روي سليتر، أستاذ علم الأحياء في جامعة مونستر التكنولوجية بإيرلندا، فائدة عملية محتملة. فهو يقول: «لهذا النهج القدرة على الحدّ من التهديدات الأمنية الحيوية، مثل صنع السموم دون ترخيص، وقد يساعد في تنسيق قواعد البيانات ويمنع التصاميم الاصطناعية من إغراق قواعد البيانات المعيارية». ويضيف: «عمليًا، يمكن أن يساعد في تتبّع أصل التصميم، ووسم البروتينات المهندَسة لإخضاعها لفحوص أمنية حيوية إضافية، والحدّ من الادعاءات المضلِّلة حول كيفية صنع البروتين».
وهنا يظهر الفارق بين نقاشين. فاستخدام العلامة لتنظيف قواعد البيانات وتوثيق مصدر التصاميم المشروعة هدف واقعي نسبيًا. أما منع جهة عازمة على الأذى فيتطلب علامة لا تُمحى، وعالمًا لا تهيمن عليه الشيفرات المفتوحة، وهما شرطان لا يتوافران اليوم. والسؤال المفتوح هو هل ستصمد العلامات أمام من يقصد إزالتها، وهل ستُعتمد أصلًا قبل أن تصبح الأدوات التي تحاول ضبطها أوسع انتشارًا.
أخبار ذات صلة

الأقزام البيضاء ليست بيضاء: ألوان حقيقية تكشفها الفيزياء الفلكية

تلسكوب خاص يستهدف 27 كوكباً خارجياً في مهمته الأولى

رحلة أرتيميس 3 القمرية: ناسا تحدد الخطة لكن التاريخ غامض
