التحولات الاستراتيجية في الصراع اليمني
تعد الضربة السعودية الأخيرة في اليمن تحولاً استراتيجياً يبرز انهيار التحالفات التقليدية. الإمارات تواجه ضعفاً استراتيجياً، بينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ في البحر الأحمر. هل ستستمر الإمارات كلاعب ظل أم ستدخل الصراع مباشرة؟

تطورات الحرب في اليمن وتأثيرها الإقليمي
لم تكن الضربة العسكرية الأخيرة التي وجهتها المملكة العربية السعودية ضد القوات المدعومة من الإمارات العربية المتحدة في اليمن حادثة تكتيكية عابرة. بل كانت بمثابة لحظة محورية تشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، مرحلة تتسم بانهيار فكرة التحالفات ذاتها.
لقد مثلت الضربة السعودية في المكلا انهياراً لبنية بنيت منذ عام 2011 على وهم إمكانية تسخير الفوضى دون تداعيات على من يصنعها. كان الهجوم نابعًا من إدراك قاسٍ مفاده أن إبقاء اليمن ضعيفًا ينتج كيانات مسلحة تهدد بتحويل الحدود الجنوبية للسعودية إلى نقطة ضعف دائمة، مثل جنوب لبنان في مواجهة إسرائيل، أو شمال سورية في مواجهة تركيا.
لم يكن ذلك استعراضًا للقوة، بل ضربة مدفوعة بمخاوف من أن تتحول أدوات النفوذ التي كان يمكن الاعتماد عليها سابقًا إلى مصادر تهديد مستقبلية.
شاهد ايضاً: تقرير يكشف عن "شبكة سرية" من المواقع غير المدرجة المرتبطة بشركة تسريب المعلومات المؤيدة لإسرائيل
لم تكن الرسالة الموجهة إلى الإمارات العربية المتحدة عسكرية فحسب، بل كانت رسالة هيكلية. فعصر اللعب على الهامش، وبناء النفوذ من خلال الوكلاء المحليين والميليشيات العابرة للحدود، أصبح مكلفًا وربما يؤدي إلى هزيمة ذاتية.
بالنسبة للإمارات، كشفت الضربة عن ضعف استراتيجي شديد. فأبوظبي لم تبنِ قوتها على العمق الديموغرافي أو الثقل التاريخي والسياسي، كما أنها لا تمتلك رأس مال رمزي، كما هو الحال في مدن إقليمية أخرى مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة والقاهرة ودمشق وبغداد وإسطنبول.
هذا الفراغ الهيكلي يجعل من الصعب على أبو ظبي تأسيس نفوذ إمبراطوري دائم في المنطقة، بغض النظر عن ثروتها أو قدراتها المالية. وبدلاً من ذلك، تعتمد على نموذج السيطرة غير المباشرة من خلال الموانئ والجزر والطرق البحرية وشركات الأمن الخاصة.
وقد نجح هذا النموذج خلال فترة الانهيار الإقليمي العربي لكنه يصبح هشاً عندما تبدأ الدول، حتى المنهكة منها، في استعادة غريزة البقاء والدفاع عن مجالاتها الحيوية.
الضربة السعودية: تحليل استراتيجي
السؤال الملح بالنسبة للإمارات العربية المتحدة ليس فقط كيفية الرد على هذه الضربة، بل ما إذا كان بإمكانها الاستمرار في العمل كلاعب ظل في عصر لم يعد يحتمل الظل أم أن المنطق الحالي سيدفعها إلى أن تصبح طرفاً مباشراً في صراعات تتجاوز قدرتها الديموغرافية والسياسية.
الضعف الاستراتيجي للإمارات العربية المتحدة
وهذا يقودنا إلى البحر الأحمر الذي لم يعد مجرد ممر بحري، بل ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ. فإسرائيل لا تسعى إلى السيطرة عليه من خلال الاحتلال، بل إلى تجريده من أي سيادة عربية فاعلة: "بحر متردد"، يتم تأمينه من خلال قواعد غير مباشرة، وكيانات هشة، واتفاقيات أمنية مع دول تسعى إلى الحماية وليس الوكالة.
البحر الأحمر: ساحة جديدة للصراع
وفي الوقت نفسه، لا ترغب إيران في بحر أحمر مستقر، بل تريده مضطرباً، وأداة نفوذ عالمية. أما تركيا، من جانبها، فهي لا تنازع المركز مباشرة، ولكنها تحيط بالأطراف ليبيا، والقرن الأفريقي، وقطر لتمكين مفاوضات أوسع. كل القوى الكبرى تمد يدها إلى المياه، بينما تتنازع الدول العربية على الشواطئ.
دور القوى الكبرى في البحر الأحمر
وفي هذا السياق، لم يكن اعتراف إسرائيل الأخير بصوماليلاند ببادرة رمزية أو دبلوماسية، بل كان خطوة متقدمة تهدف إلى إعادة تشكيل البحر الأحمر. فمن يثبت موطئ قدم له في القرن الأفريقي يراقب مضيق باب المندب ومن يسيطر على هذا الممر المائي الحيوي يمكنه خنق الخليج أو حمايته، والضغط على مصر أو تحييدها.
الحروب الحديثة لا تشن بالدبابات، بل بالاعتراف واللوجستيات وشبكات النفوذ التي تعمل تحت ستار الاستثمار أو مكافحة الإرهاب.
إستراتيجية إسرائيل في إعادة تشكيل النفوذ
لا يمكن فهم هذا السياق الأوسع نطاقًا خارج الاستراتيجية الإسرائيلية الشاملة، التي لا تهدف إلى إسقاط الدول العربية بالجملة، بل إلى تفكيك قدراتها السيادية وتحويلها إلى وحدات وظيفية أو مناطق أزمات دائمة.
كانت فلسطين النموذج الأول: إقليمان بلا سيادة. وتبعها لبنان من خلال شلل الدولة المركزية، وسوريا من خلال خرائط النفوذ، والعراق من خلال الإبقاء على الانقسامات الهيكلية دون تفكك رسمي، والسودان من خلال تفتيت الدولة.
التطبيع كأداة مركزية في الصراع الإقليمي
أما الجزائر فهي حالة مختلفة ولكنها مقلقة في تقدير إسرائيل: دولة ذات ذكريات تحررية، وجيش منضبط أيديولوجيًا وموقف حازم من التطبيع، مما يجعلها هدفًا للإضعاف وليس التفكيك، من خلال الإنهاك الإقليمي عبر الساحل وليبيا والمغرب والصحراء الغربية، إلى جانب العزلة الاستراتيجية عن المشرق العربي.
شاهد ايضاً: احتجاجات إيران: ما الذي يدفع الاضطرابات؟
وقد أصبح التطبيع أداةً مركزية في هذه البنية، حيث تم دمج بعض الدول العربية في منظومة أمنية تقودها إسرائيل، وتوزيع الأدوار كممول أو وسيط أو حارس ممر. وهنا، تبرز "الدولة الوظيفية" كنموذج مثالي: دولة بلا طموحات سيادية دولة يرتكز نفوذها على الموانئ والقواعد والشركات الأمنية، وليس على القرار السياسي أو العمق الشعبي.
وهذا ما يفسر تركيز إسرائيل على مناطق الخليج والقرن الأفريقي. فهي تستهدف كيانات داخل الدول لتجزئتها إلى وحدات وظيفية ضمن شبكة نفوذها، بما في ذلك جنوب اليمن عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، ومناطق القبائل في الجزائر، والأراضي الليبية الخاضعة للواء المنشق خليفة حفتر، وأجزاء من الصومال. وتهدف إسرائيل من خلال التطبيع والاعتراف الدولي إلى تحويل هذه الكيانات إلى أدوات نفوذ، بينما تحتفظ الدول الكبرى الأخرى بسلطات محدودة في صنع القرار.
تفتيت الدول وتأثيره على المنطقة
وهكذا تصبح الإمارات العربية المتحدة كيانًا وظيفيًا يربط هذه المناطق بالتحالفات الإسرائيلية، ويضمن السيطرة على الممرات الحيوية، بينما تواجه القوى العربية التقليدية مثل مصر والجزائر وسوريا ضغوطًا متزايدة لتعديل سياساتها أو القبول بقواعد اللعبة الإقليمية.
الكيانات الوظيفية ودورها في الصراع
في المستقبل، تشمل السيناريوهات المحتملة استمرار التصعيد العسكري في اليمن، وربما يتطور الأمر إلى مواجهة إقليمية تهدد مجددًا حركة الملاحة في البحر الأحمر وتجبر مصر على الانخراط أكثر في حماية الممرات الاستراتيجية وقناة السويس.
السيناريوهات المستقبلية للصراع في البحر الأحمر
وفي الوقت نفسه، قد تتحرك إسرائيل لتعزيز مكانتها في الصومال والقرن الأفريقي لضمان السيطرة على مضيق باب المندب، وربط البحر الأحمر بالتحالفات الخليجية، مما يضع المنطقة تحت إشراف إسرائيلي شبه كامل مع الحد من الاستقلالية العربية.
وفي الوقت نفسه، ستستمر إيران في الاستفادة من الحوثيين والقرن الأفريقي كأدوات ضغط على الخليج ومصر، وإعادة تشكيل التوازنات البحرية وإجبار الدول العربية على إعادة تنظيم التحالفات والتفاوض على ترتيبات أمنية إقليمية شاملة. وقد تدخل تركيا أيضًا إلى هذه الساحة مباشرةً من خلال شراكات مع السودان أو الصومال، مما يزيد من التعقيد الاستراتيجي.
أما بالنسبة لمصر، فإن التحديات المركزية التي تواجهها تشمل تنازلها عن جزيرتي تيران وصنافير، والسودان المنقسم، وليبيا الضعيفة. وتحد هذه العوامل من قدرتها على تأمين الممرات الحيوية، مما يضطرها إلى تطوير تحالفات جديدة أو تعزيز الوجود الأمني الدولي للحفاظ على استقرار البحر الأحمر.
التحديات التي تواجه مصر في المنطقة
وتحتل مصر اليوم الموقع الإقليمي الأكثر هشاشة لأنها الأكثر تقييداً. فالتخلي عن جزيرتي تيران وصنافير لم يكن مجرد خسارة جزيرتين، بل كان خسارة رمز للسيطرة على البوابة الشمالية للبحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، فإن السماح للسودان بالتصدع استنزف عمقه الاستراتيجي، كما أن إدارة ليبيا أمنيًا دون مشروع سياسي طويل الأمد تركها عرضة للتدخلات الخارجية.
والنتيجة هي أن مصر تواجه تآكل قدرتها على الردع، إلى جانب سؤال وجودي: هل ترغب في استعادة قوة مانعة حقيقية، أم أنها ستظل تدار كـ"مساحة مستقرة" داخل إقليم مضطرب؟
ما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة، بل هو تحول تاريخي واضح: من شرق أوسط تدار فيه الأزمات إلى شرق أوسط تدار خرائطه. فالصراع ليس فقط بين الدول، بل على فراغ السيادة والقرار والردع. في هذه المرحلة من تاريخ المنطقة، ليس من يخطئ في حساباته هو من يعاقب، بل من يترك المجال دون حراسة.
تحولات تاريخية في منطقة الشرق الأوسط
أولئك الذين يفشلون في ملء الفراغ بأنفسهم سيشاهدون الآخرين يملأونه. هذا هو القانون القاسي الذي يحكم المنطقة الآن.
أخبار ذات صلة

دعوات للفيفا لوقف الهدم الإسرائيلي لملعب كرة القدم في مخيم للاجئين بالضفة الغربية

يصف عالم السياسة الأمريكي مايكل والزر الحرب الإسرائيلية على غزة بأنها "جهد إجرامي"

أكثر من 50 منظمة غير حكومية تحذر من أن الحظر الإسرائيلي سيعيق بشدة وصول المساعدات إلى غزة
