إسرائيل تواجه عزلة استراتيجية غير مسبوقة
تواجه إسرائيل عزلة غير مسبوقة مع تصاعد تأثير الاتفاق الأمريكي-الإيراني. تتزايد الضغوط على نتنياهو مع اقتراب الانتخابات، بينما تتعزز مكانة إيران إقليمياً. كيف سيؤثر هذا على مستقبل الحكومة الإسرائيلية؟

_في مكانٍ ما بين التحليل الاستراتيجي والقلق الوجودي، تجلس إسرائيل اليوم أمام مشهدٍ لم تألفه منذ عقود. الاتفاق الأمريكي-الإيراني الناشئ ليس في نظر كثيرٍ من قادتها السياسيين والعسكريين مجرّد تسويةٍ دبلوماسية بين واشنطن وطهران بل هو ما يصفونه بنقطة تحوّل استراتيجية قد تُضعف النفوذ الإقليمي الإسرائيلي، وتُجهد أهمّ تحالفاتها، وتُسرّع التراجع السياسي لرئيس الوزراء Benjamin Netanyahu.
وعلى الرغم من أنّ التوقّعات بالتوصّل إلى اتفاقٍ بين الولايات المتحدة وإيران كانت سائدةً منذ أبريل، فإنّ إعلان باكستان يوم الأحد عن التوصّل إلى صفقةٍ أرسل موجةَ صدمةٍ عبر المشهد الإسرائيلي بأسره. لا تزال تفاصيل الاتفاق تكتنفها تساؤلات كثيرة، غير أنّ المؤسّسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية لم تكن تتوقّع أن تنتهي الحملة المشتركة الأمريكية-الإسرائيلية ضدّ إيران على هذا النحو.
حين أطلق Netanyahu الحرب على إيران في 28 فبراير، بدت الأهداف واضحة: تفكيك البرنامجَين النووي والصاروخي الإيرانيَّين، وإسقاط الحكومة في طهران. بعد قرابة أربعة أشهر، لم يتحقّق شيءٌ من ذلك. بل إنّ إيران تبدو اليوم في موقعٍ أكثر قوّةً ممّا كانت عليه في فبراير.
لا تزال طهران تحتفظ ببرنامجَيها النووي والصاروخي، فيما تبدو قيادتها وقد خرجت أكثر تماسكاً رغم الضربات التي تلقّتها، بما فيها اغتيال المرشد الأعلى Ali Khamenei. وتبدو إيران في طريقها إلى ترسيخ مكانتها قوّةً إقليمية، مع انحياز دول الخليج العربي أكثر فأكثر نحو طهران بدلاً من تل أبيب.
في المقابل، تجد إسرائيل نفسها في موقعٍ لم تعشه منذ عقود، يشعر فيه كثيرٌ من مواطنيها بعزلةٍ غير مسبوقة. وكان الإحساس بهذه العزلة يتنامى أصلاً على مدى السنتين والنصف الماضيتَين، مع اتّساع حملات المقاطعة في أرجاء العالم جرّاء الحرب على غزّة. لكنّ المشهد الراهن يبدو مختلفاً من نوعٍ آخر.
فعقب إعلان باكستان، باتت إسرائيل تبدو منعزلةً حتى عن الولايات المتحدة، وسط تقاريرَ تشير إلى شرخٍ متنامٍ بين Netanyahu والرئيس الأمريكي Donald Trump. وبالنسبة لكثيرٍ من الإسرائيليين، يُعدّ أيّ تصدّعٍ في العلاقة مع واشنطن تهديداً وجودياً، إذ يرتكز المذهب الأمني الإسرائيلي تاريخياً على هذا التحالف. وتبدو أوساط الحكومة وكبار الضبّاط العسكريين في حالةٍ من الارتباك إزاء تداعيات الاتفاق الناشئ، وهم يتخبّطون في محاولة التكيّف مع مشهدٍ استراتيجي يتغيّر بسرعة.
عزلة Netanyahu المتصاعدة
مع اقتراب موعد الانتخابات في إسرائيل خلال الأشهر المقبلة، قد يحمل الاتفاق تداعياتٍ داخلية بالغة على Netanyahu، الذي يواصل ائتلافه تراجعه في استطلاعات الرأي. وفي مؤتمرٍ صحفي يوم الاثنين، أعلن Netanyahu أنّ إسرائيل انتصرت في جميع صراعاتها الأخيرة، مستشهداً بما وصفه بإنجازاتٍ كبرى في غزّة ولبنان وسوريا وإيران.
وأكّد أنّه لولا تحرّك إسرائيل ضدّ إيران في يونيو 2025 وفبراير من العام الجاري، لكانت طهران قد امتلكت سلاحاً نووياً. وقال للإسرائيليين المتابعين عبر شاشات التلفزيون: "كنتم جميعاً في خطرٍ داهمٍ من الموت الجماعي"، مضيفاً أنّ "إسرائيل أنقذت الدولة من الفناء".
بيد أنّ هذه الخطابية زادت من انفصال رئيس الوزراء عن الرأي العام. فقد قدّم نفسه زعيماً أسطورياً يقف فوق الأحداث، لا سياسياً مسؤولاً أمام ناخبيه.
والاتفاق الناشئ قد تكون له تداعياتٌ عميقة على مستقبله السياسي. فبينما يتراوح ائتلافه في استطلاعات الرأي بين 50 و53 مقعداً في الكنيست، فإنّ أثر الاتفاق لم ينعكس بعد بالكامل على المزاج الشعبي. وحتى لو تُرجمت نتائج الاستطلاعات الراهنة إلى أصواتٍ فعلية، فإنّ Netanyahu سيكون بعيداً عن تحقيق الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة.
ولا يزال غير واضحٍ ما إذا كان الاتفاق سيتضمّن بنوداً تُلزم إسرائيل بإنهاء وجودها العسكري في جنوب لبنان، أو ما إذا كان Trump قادراً على الضغط لانسحابٍ إسرائيلي من دون مثل هذا الشرط. على أيّ حال، يمثّل لبنان لـ Netanyahu ورقةَ ضعفٍ سياسية واضحة، وقد سارعت أحزاب المعارضة إلى توظيف الاتفاق الناشئ للهجوم عليه لا على قرار خوض الحرب في حدّ ذاته، بل على طريقة إدارتها.
وقد يُمثّل أيّ انسحابٍ إسرائيلي من لبنان بداية النهاية لعهد Netanyahu بوصفه أطول رؤساء وزراء إسرائيل في منصبه. فقد يكسب رئيس الأركان السابق Gadi Eisenkot زخماً متصاعداً في استطلاعات الرأي، ويبدو مرشّحاً رئيسياً لخلافته.
وقد تكون هذه الأسبوع نقطة تحوّلٍ في السباق نحو رئاسة الوزراء المقبلة. فـ Netanyahu يُصوَّر بشكلٍ متزايد زعيماً منغمساً في صراعاتٍ مفتوحة بلا استراتيجيةٍ واضحة ولا أفقٍ للحلّ، فيما عزّزت خلافاته الظاهرة مع واشنطن صورةَ العزلة المتنامية. أمّا Eisenkot، فيُنظر إليه بالمقابل باعتباره شخصيةً أكثر رصانةً ومسؤوليةً، قادرةً على اتّخاذ خياراتٍ حاسمة في ما يخصّ حروب إسرائيل. وهذا التناقض قد يكون حاسماً في الانتخابات المقبلة.
تحدٍّ أعمق؟
بصرف النظر عن التداعيات على مستقبل Netanyahu السياسي، يطرح الاتفاق الأمريكي-الإيراني الناشئ تحدّياً أكبر بكثيرٍ لإسرائيل ذاتها.
فالاتفاق يُشكّك في اعتماد إسرائيل على القوّة العسكرية الساحقة وسيلةً أولى لمواجهة التحدّيات الإقليمية، في الغالب على حساب المبادرات الدبلوماسية. والمؤسّسة العسكرية الإسرائيلية، التي اضطلعت في عهد Netanyahu بدورٍ محوري في تنفيذ هذا النهج، تبدو في حالةٍ من الصدمة الكبيرة إزاء الاتفاق.
ليس حلّ المشكلات بالقوّة سمةً جديدة في السياسة الإسرائيلية، لكنّ القوّة العسكرية باتت منذ إطلاق الحملة الإبادية على غزّة الأداةَ الطاغية التي تسعى إسرائيل من خلالها إلى تحقيق أهدافها. وقبل أكتوبر 2023، كان القادة العسكريون الإسرائيليون يحتفظون عموماً بنظرةٍ استراتيجية أشمل. منذ ذلك الحين، تخلّى الجيش ولا سيّما في عهد رئيس الأركان Eyal Zamir عن هذا التفكير، ولم يعد لديه ما يقدّمه للحكومة والرأي العام الإسرائيلي سوى الدمار الشامل بذريعة تعزيز الردع.
وفيما يواصل كبار الضبّاط وفق التقارير المناداة بمزيدٍ من العمليات العسكرية في المنطقة، فإنّ أعمالاً كضربة حيّ الضاحية في بيروت قد تنطوي في نهاية المطاف على أثمانٍ استراتيجية باهظة. وإن أُجبرت إسرائيل على الانسحاب من لبنان، فإنّ ذلك سيُلحق ضربةً بالغة بمكانة جيشٍ غدا فاعلاً سياسياً رئيسياً يدفع باستمرارٍ نحو الحرب.
وعلى الرغم من أنّ Netanyahu وحليفَيه من اليمين المتطرّف Bezalel Smotrich وItamar Ben Gvir كثيراً ما يُصوَّرون باعتبارهم المحرّكين لإسرائيل نحو صراعاتٍ مطوّلة، فإنّ دور المؤسّسة العسكرية في صياغة هذه السياسات يحظى بقدرٍ أقلّ بكثيرٍ من الاهتمام.
والاتفاق الناشئ قد يُشكّك لا في نهج الجيش وحده، بل في الأسلوب الأشمل الذي تدير به إسرائيل شؤونها في الشرق الأوسط. ويبدو أنّ Netanyahu، ربّما أكثر من كثيرٍ من منافسيه السياسيين، يستوعب حجم هذه التداعيات المحتملة.
فإن أفضى الاتفاق في نهاية المطاف إلى انسحابٍ إسرائيلي من جنوب لبنان تحت الضغط الإيراني، بينما يتشكّل تحالفٌ إقليمي جديد يضمّ إيران وقطر والسعودية ومصر وتركيا، فقد تمتدّ التداعيات إلى ما هو أبعد من لبنان بكثير، لتطال مجريات الأحداث في غزّة أيضاً.
في لحظةٍ تبدو فيها إسرائيل في موقفٍ أضعف ومنعزلةً أكثر عن واشنطن، قد تسعى إيران وشركاؤها الإقليميون إلى دفع تغييراتٍ في القطاع مماثلة لتلك التي يطالبون بها في لبنان. كما قد تسعى دولٌ كقطر وتركيا إلى انتزاع تنازلاتٍ من واشنطن مقابل الإبقاء على علاقاتها الوثيقة مع إدارة Trump بدلاً من الانزياح أكثر نحو إيران والصين وقد تشمل هذه التنازلات تغييراتٍ في السيطرة الإسرائيلية على غزّة.
وهذا ما حدث عام 1991، حين "كافأت" الولايات المتحدة الدولَ العربية والإسلامية على مشاركتها في حرب الخليج بدعم مفاوضاتٍ إسرائيلية-فلسطينية في مؤتمر مدريد.
إسرائيل في عزلتها
قد يتكرّر ديناميكٌ مشابه، وإن اتّخذ أشكالاً مختلفة. فكلٌّ من غزّة والضفّة الغربية المحتلّة قد يتحوّلان إلى قضيّتَين محوريّتَين في المستقبل القريب.
وفيما يتّهم المعارضون Netanyahu بالإضرار بالعلاقة الخاصّة مع الولايات المتحدة، فإنّ إصلاح هذه العلاقة قد يكون أصعب ممّا يتصوّر كثيرون. زيارةٌ إلى البيت الأبيض وحدها لن تكفي لعكس التحوّل الاستراتيجي الذي تشهده إسرائيل.
لهذا السبب، ليس مستبعداً أن ترفض إسرائيل الانسحاب من لبنان حتى لو طالب بذلك Trump مخاطِرةً بشرخٍ أعمق مع واشنطن.
يوم الأربعاء، اقترح Yinon Magal، الصحفي في قناة Channel 14 News والمقرّب من Netanyahu على نطاقٍ واسع، اسماً محتملاً للعملية العسكرية الإسرائيلية المقبلة ضدّ إيران: "شعبٌ يسكن وحده". وكما في قصّة المتمرّدين اليهود في ماسادا، تعكس هذه العبارة رؤيةً لإسرائيل تخوض معاركها منفردةً، حتى من دون دعم أهمّ حلفائها.
تمتلك إسرائيل قدراتٍ عسكرية هائلة سلاح جوٍّ قوي وترسانةٌ نووية. وهي قادرةٌ في المدى المنظور على تحمّل العزلة الإقليمية بفضل تفوّقها العسكري. وقد يغدو الوقوف منفردةً وتحدّي الرئيس الأمريكي نفسه ثيمةً محورية في حملة Netanyahu الانتخابية، إذ قد يسعى إلى تقديم نفسه الزعيمَ الوحيد المستعدّ لمقاومة الضغوط الدولية والدفاع عن الإسرائيليين في مواجهة التهديدات الخارجية.
لكن إن لم تسلك إسرائيل مسار العزلة الذي يبدو Netanyahu يدعو إليه، فقد تُذكر هذه الأسبوع في نهاية المطاف بوصفها لحظةَ تحوّلٍ فارقة يوم وجدت إسرائيل نفسها مضطرّةً إلى قبول إملاءاتٍ خارجية، لا في لبنان وحده، بل في الأراضي الفلسطينية المحتلّة أيضاً.
أخبار ذات صلة

ترامب وإيران يوقّعان اتفاق هدنة مؤقتة في فرنسا

بوتين وقادة جنوب شرق آسيا يتفقون على تعزيز العلاقات في قمّة روسية

اعتقال مشتبه به في قتل الفنان الروسي الناقد لبوتين بوضح النهار في بولندا
