تغييرات جذرية في سياسة الهجرة الأمريكية
أعلنت إدارة ترامب عن قرار جريء يلزم الأجانب بتعديل وضعهم الهجري من خارج الولايات المتحدة، مما يهدد عشرات الملايين ويؤثر على الأسر. القرار يفتح باب الطعون القانونية ويثير ردود فعل حادة من محامي الهجرة.

-تُعدّ هذه الخطوة من أكثر القرارات المتعلّقة بالهجرة القانونية جرأةً منذ سنوات. فقد أعلنت إدارة Trump، يوم الجمعة، أنّ كلّ أجنبي يقيم في الولايات المتحدة ويرغب في تعديل وضعه الهجري عليه مغادرة البلاد أوّلاً، ثم تقديم طلبه عبر السفارة الأمريكية في الخارج. القرار يُلغي عملياً آليةً قانونية معمولاً بها منذ خمسينيات القرن الماضي، وقد تترتّب عليه تداعيات تمسّ عشرات الملايين من الأشخاص.
تحوّل جذري في السياسة الهجرية
يُشكّل هذا القرار تحوّلاً عميقاً في السياسة الهجرية الأمريكية، إذ يطال فئاتٍ واسعة من حاملي التأشيرات: الطلاب الدوليين، والعمال المؤقّتين، واللاجئين الحاملين لتأشيراتٍ إنسانية خاصة، بل وحتى أولئك المتزوّجين من مواطنين أمريكيين.
وقال المتحدّث باسم خدمة الجنسية والهجرة الأمريكية (USCIS) Zach Kahler في بيانٍ رسمي: "نعود إلى النيّة الأصلية للقانون لضمان أنّ الأجانب يسلكون منظومة الهجرة في بلادنا بالطريقة الصحيحة. من الآن فصاعداً، على كلّ أجنبي يقيم في الولايات المتحدة مؤقّتاً ويرغب في الحصول على البطاقة الخضراء أن يعود إلى بلده للتقديم، إلا في ظروفٍ استثنائية."
ويبدو أنّ القرار دخل حيّز التنفيذ فوراً، غير أنّ مفهوم "الظروف الاستثنائية" لا يزال ضبابياً. وكما هو معهود في عمل ضبّاط الهجرة والجمارك، يتمتّع المسؤولون بصلاحياتٍ تقديرية واسعة في تطبيق هذه المعايير.
وأضاف Kahler مبرّراً القرار: "حين يتقدّم الأجانب من بلدانهم، يقلّ الحاجة إلى البحث عنهم وترحيلهم حين يختارون الاختباء والبقاء في الولايات المتحدة بصورةٍ غير نظامية بعد رفض طلباتهم."
الانتظار الطويل والثمن الإنساني
التقديم من الخارج يعني في الغالب أوقات انتظارٍ مطوّلة قد تمتدّ لسنوات. وهذا يعني أنّ أصحاب الطلبات سيفقدون فرص عملٍ كانت بانتظارهم، وسيُفصلون عن أزواجهم أو أفراد عائلاتهم من المواطنين الأمريكيين. وفي حالاتٍ بعينها، كروسيا مثلاً، لا يبدو واضحاً كيف يمكن المضيّ قُدُماً في ظلّ تعليق جميع خدمات التأشيرة والقنصلية.
وبرّر Kahler القرار أيضاً بالقول إنّ "مكاتب الخدمات القنصلية الأمريكية في الخارج تُخفّف الضغط عن موارد USCIS المحدودة، وتتيح لها التفرّغ لمعالجة ملفّاتٍ أخرى، كتأشيرات ضحايا الجرائم العنيفة والاتّجار بالبشر، وطلبات التجنيس، وسائر الأولويات. القانون صِيغ هكذا لسببٍ وجيه، وعلى الرغم من تجاهله لسنوات، فإنّ تطبيقه سيجعل منظومتنا أكثر عدلاً وكفاءة."
ردود فعل قانونية حادّة
سارع محامو الهجرة إلى انتقاد القرار بحدّة عبر منصّات التواصل الاجتماعي. وكتب Adrian Pandev من مكتب Pandev Law LLC على منصة X: "هذه القضية لا تتعلّق بحقوق المهاجرين فحسب، بل تمسّ المواطنين الأمريكيين أيضاً. نحو واحدٍ من كلّ خمسة أزواجٍ متزوّجين في الولايات المتحدة يضمّ زوجاً وُلد في الخارج. هذه ليست فئةً هامشية، بل 21% من الأسر المتزوّجة."
وأضاف: "حين يتزوّج أمريكي من شخصٍ يقيم هنا بصورةٍ نظامية بموجب تأشيرة، فإنّ تعديل وضع الإقامة هو الآلية التي تتيح لزوجه الحصول على البطاقة الخضراء دون مغادرة البلاد."
أمّا المحامي Steven Brown المتخصّص في قضايا الهجرة بولاية تكساس، فقد استند إلى نصّ دليل سياسة USCIS الذي يوضّح الأسباب التي دفعت الكونغرس إلى السماح بتعديل الوضع الهجري منذ خمسينيات القرن الماضي، وتشمل: "تمكين فئاتٍ من الأجانب الموجودين فعلياً على الأراضي الأمريكية من الحصول على الإقامة الدائمة القانونية دون تحمّل نفقة وعناء السفر إلى الخارج... ودعم النموّ الاقتصادي وقوّة العمل المهاجرة"، فضلاً عن اعتباراتٍ تتعلّق بوحدة الأسرة والعمل الإنساني.
ومن المتوقّع أن يواجه هذا القرار طعوناً قضائية. ويأتي في سياق سلسلة إجراءاتٍ تصعيدية اتّخذتها إدارة Trump منذ توليّها السلطة في يناير 2025، وتستهدف الهجرة غير النظامية والنظامية على حدٍّ سواء.
ردود الفعل
كتبت رابطة محامي الهجرة الأمريكيين (American Immigration Lawyers Association) على منصة X أنّ الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حدٍّ سواء "طبّقت هذه الآلية لعقود، وأيّدتها المحاكم مراراً. إلغاء قانونٍ راسخ بمجرّد مذكّرة إدارية أمرٌ مشكوكٌ في قانونيّته ويفتح الباب على الفوضى دون مسوّغ."
ومن جهتها، أعلنت منظّمة AfghanEvac، المعنية بالدفاع عن الأفغان الذين ساعدوا الولايات المتحدة خلال حربها التي امتدّت عقدَين، أنّ توقيت قرار USCIS "ليس مصادفة". وقال Shawn VanDiver، رئيس المنظّمة، في بيانٍ رسمي: "القرار يستهدف مباشرةً الأشخاص الذين دخلوا بموجب الإفراج الإنساني المؤقّت (Humanitarian Parole) وهو وضع الدخول الذي ينطبق على كلّ حليفٍ أفغاني وصل في أعقاب الانسحاب الأمريكي عام 2021."
وأضاف VanDiver مشيراً إلى ثغرةٍ جوهرية: "البديل الذي تطرحه الإدارة التقديم من البلد الأصلي غير متاحٍ للأفغان أصلاً. لا توجد سفارة أمريكية في أفغانستان." وختم بتحذيرٍ صريح: "هذه المذكّرة لا تُرحّل أحداً اليوم. لكنّها تُطلق السلسلة: الرفض يقود إلى إجراءات الترحيل، وإجراءات الترحيل تقود إلى أوامر الإبعاد."
وإلى جانب أفغانستان، تقع إيران أيضاً ضمن قائمة حظر السفر التي أصدرها الرئيس Donald Trump، رغم أنّ عشرات الآلاف من مواطنيها يدرسون أو يعملون مؤقّتاً في الولايات المتحدة، أو ينتظرون البتّ في طلبات لجوئهم.
وأعلن المجلس الوطني الإيراني الأمريكي (National Iranian American Council) يوم الخميس أنّه يكنّ "قلقاً بالغاً" إزاء قرار USCIS، و وصفه بأنّه "فخٌّ". وقال Jamal Abdi، رئيس المجلس، في بيانٍ رسمي: "الإدارة تقول للإيرانيين الذين بنوا حياتهم هنا بصورةٍ قانونية: غادروا. وحين تفعلون ذلك، لن تعودوا."
وتساءل Abdi باستغرابٍ واضح: "هل تتوقّع إدارة Trump فعلاً أن يعود المواطنون الإيرانيون المقيمون بصورةٍ قانونية في الولايات المتحدة إلى بلادهم في خضمّ حربٍ وحصارٍ بحري فرضه Trump نفسه، ليتقدّموا بطلب تعديل وضعٍ هجري لن يأتي على الأرجح أبداً؟"
أخبار ذات صلة

محادثات أميركا وإيران وباكستان تقترب من اتفاق

جمهوريون الكونغرس يتراجعون عن تصويت تقييد صلاحيات ترامب الحربية

حكومة تايوان: واشنطن لم تُخطرنا بأي تأجيل لصفقة أسلحة بـ 14 مليار دولار
