كيف يفتح إشعاع لايمان ألفا أسرار النجوم الأولى في الكون
تشرح دراسة جديدة كيف يزيح إشعاع لايمان ألفا الغاز والغبار المحيط بالعناقيد النجمية الأولى في الكون ما يتيح رؤيتها بوضوح في حقبة الفجر الكوني دون أن يمنع تكوّن النجوم بكفاءة كشف أسرار المجرات المبكرة مع وورلد برس عربي.

يمكن لإشعاع لايمان ألفا (Lyman-alpha) أن يزيح «الضباب» من الغاز والغبار المحيط بالعناقيد النجمية الأولى في الكون، لكنه لا يقوى على الجاذبية في أكثر مناطقها كثافة. وبهذا تفسّر دراسة جديدة كيف واصلت تلك العناقيد تكوين النجوم، وكيف صارت مرئية لنا في حقبة «الفجر الكوني» (Cosmic Dawn)، وهي الفترة التي تلت الانفجار العظيم وبدأت فيها النجوم والمجرّات بالظهور.
نشر الدراسة في مجلة The Astrophysical Journal الباحثان Shyam H. Menon، وهو زميل باحث في مركز الفيزياء الفلكية الحاسوبية التابع لمعهد Flatiron، وAaron Smith، الأستاذ المساعد للفيزياء في جامعة تكساس في دالاس.
ما اللغز الذي تحاول الدراسة حلّه؟
رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) مجرّات ساطعة في حقبة الفجر الكوني بأعداد تفوق المتوقع، أي بعد بضع مئات من ملايين السنين على الانفجار العظيم. وكشفت ملاحظات الحقول المعدسة، وهي مناطق من السماء يُستعان فيها بالعدسة الثقالية لتكبير الضوء القادم من الأجرام البعيدة، أن تلك المجرّات شكّلت عناقيد نجمية شديدة الكثافة والتراص.
ويصف الباحثان ذلك في دراستهما بقولهما: «كشفت ملاحظات JWST في الحقول المعدسة أن مجرّات الفجر الكوني قد تركّز تشكّل نجومها في عناقيد نجمية شديدة الكثافة وصغيرة الحجم». ثم يضيفان أن «الكثافات العمودية العالية والمعدنية المنخفضة (metallicity) في بيئات ولادتها تشير إلى أن ضغط إشعاع لايمان ألفا قد يكون حاسماً في تكوّنها وتطوّرها».
وللإشعاع نفسه قصة. ينشأ لايمان ألفا حين ينتقل إلكترون في ذرة هيدروجين من حالة الإثارة إلى الحالة الأرضية، والهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة في الكون بفارق كبير. ويمتصّ الهيدروجين هذا الإشعاع ثم يعيد بثّه على الفور تقريباً، فيصطدم بذرات هيدروجين أخرى. وهذا الامتصاص وإعادة البثّ المتكرران يجعلانه أداة تشخيص وقوة ضغط على الغاز في آن واحد. ويستعين به الفلكيون في دراسة المجرّات المبكرة والوسط بين النجوم والوسط بين المجرّات. وتجد خلفية أوسع عن الإشعاع في صفحة لايمان ألفا.
يقول Menon، المؤلف الرئيسي للدراسة: «نعلم منذ زمن طويل أن إشعاع لايمان ألفا قد يكون مهماً لأنه يحمل قدراً كبيراً من القوة». ثم يستدرك: «لكننا لم نتمكن يوماً من تقدير مدى أهميته في بيئة واقعية بسبب صعوبة نمذجته».
ويعزو الباحثان هذا الإغفال إلى أنه «يرتبط بالأبعاد العالية للمسألة وتعقيدها، فضلاً عن المتطلبات الحاسوبية الشاقة المتأصلة في نمذجته نمذجة متسقة ذاتياً».
كيف قاس الباحثان قوة الإشعاع؟
لجأ الفريق إلى المحاكاة الحاسوبية. يقول الباحثان: «في هذه الدراسة نتناول هذا السؤال بمعالجة لقطات من محاكاة الهيدروديناميكا الإشعاعية لسحب كثيفة تتشكّل فيها عناقيد نجمية، بمدى من وفرة الغبار، وذلك باستخدام شيفرة مونت كارلو COLT».
وCOLT اختصار لعبارة Cosmic Lyman-alpha Transfer، أي «انتقال لايمان ألفا الكوني». وقد صمّمها Smith في الأصل، وكما يصف موقعها، من أجل «محاكاة إنتاج لايمان ألفا وهروبه من المحاكاة الهيدروديناميكية». وبعد معالجة اللقطات حسب الباحثان قوة لايمان ألفا اللازمة لتفسير ما تُظهره المحاكاة.
وتُظهر محاكاة الدراسة سحابة غاز تنقشع بينما تتشكّل النجوم خلال 2.5 مليون سنة.
ماذا وجدا، وما الذي يعنيه ذلك لرؤية المجرّات المبكرة؟
وجدت الدراسة أن لايمان ألفا لم يستطع طرد الغاز من المناطق الكثيفة التي تتكوّن فيها النجوم والتي رصدها JWST. فجاذبية الغاز الكثيف في الخيوط الغازية (filaments) قاومت ضغط الإشعاع. أما الغاز المنتشر والغبار خارج تلك الخيوط الكثيفة فقد استطاع الإشعاع طردهما.
يقول Menon: «تُظهر نتائجنا أن إشعاع لايمان ألفا قادر على دفع الغاز والغبار قليلَي الكثافة بعيداً بسرعة كبيرة جداً». ويضيف: «يمكنه أن يزيح (الضباب) إلى حدّ ما، فيتيح لنا رؤية النجوم في الكون المبكر بوضوح أكبر بكثير مما كنا سنراه لولا ذلك».
وتبرز نتيجتان متكاملتان. الأولى أن ضغط لايمان ألفا لا يُرجَّح أن يحول دون تكوّن النجوم بكفاءة، وهو ما يعبّر عنه الباحثان بقولهما: «من غير المرجّح أن يمنع ضغط إشعاع لايمان ألفا تشكّل النجوم بكفاءة». والثانية أنه قادر على دفع رياح مؤثرة ديناميكياً بعد أن يبلغ تشكّل النجوم حدّ التشبّع: «يمكن لضغط إشعاع لايمان ألفا أن يدفع رياحاً مؤثرة ديناميكياً متى تشبّع تشكّل النجوم».
ويلخّصان ما يترتب على ذلك: «لذلك تشير نتائجنا إلى أن كفاءة تشكّل النجوم يُرجَّح أن تبقى مرتفعة في العناقيد النجمية الكثيفة التي تتكوّن عند الانزياح الأحمر العالي. ومن جهة أخرى، يمكن لضغط إشعاع لايمان ألفا أن يطرد نسبة كبيرة من الغاز الذي يملأ الحجم، ما يوحي بتبعات على رؤية الضوء القادم من العنقود وعلى تسرّب الفوتونات المؤيِّنة وعلى إطلاق التدفقات الخارجة من المجرّة».
وحين تنخفض الكثافة بما يكفي، يقول Menon، «يستطيع إشعاع لايمان ألفا دفع الغاز إلى سرعات عالية جداً، فيطلق رياحاً انفجارية قادرة على قذف المادة إلى خارج المجرّة بالكامل». ويتصل هذا بمسألة الرؤية مباشرة: فبعد أن بلغ تشكّل النجوم مرحلة متقدمة، طرد ضغط لايمان ألفا الغاز والغبار المنتشرين. ويقول Menon: «وقد أزال ذلك الغاز الذي كان يحجب العناقيد الكثيفة فجعلها مرئية».
تضع الدراسة، التي يمكن الاطلاع على ملخصها المنشور، حدّاً لدور هذا الإشعاع: فهو يمسح الغاز المنتشر ولا يُخلي المناطق الأكثر كثافة. أما حجم ما يُطرد فعلاً من الغاز، وأثره في رؤية الضوء وتسرّب الفوتونات المؤيِّنة وانطلاق التدفقات الخارجة، فيصفهما الباحثان بأنهما «تبعات» تقترحها نتائجهما، ولم يحسماهما بعد.
أخبار ذات صلة

رائدا الفضاء ينهيان تركيب الألواح الشمسية الجديدة على محطة الفضاء الدولية

الأشكال الغريبة للكويكبات تعقّد مهمة تحويل مسارها

جاذبية الأرض تأسر قمراً صغيراً جديداً لكنه لن يبقى طويلاً
