كيف يغير شكل الكويكب مسار انحرافه بعد الانفجار النووي
دراسة جديدة تكشف أن شكل الكويكب واتجاه الانفجار النووي يؤثران بشكل كبير على سرعة انحرافه. فهم تضاريس الصخرة ضروري لتحويل مسارها بنجاح وحماية الأرض من خطر الاصطدام وفق محاكاة حاسوبية متطورة في وورلد برس عربي.

إذا كان اتجاه الجانب الذي يواجه الانفجار يغيّر سرعة انحراف الكويكب بما يصل إلى نحو خمسة أضعاف، فإن خطط الدفاع الكوكبي لا تستطيع الاكتفاء بحساب قوة الانفجار، بل عليها أن تعرف أيضاً شكل الصخرة وأي وجه منها سيتلقى الإشعاع. هذا ما خلصت إليه محاكاة حاسوبية قادها الفيزيائي ناثان مور (Nathan Moore) من مختبرات سانديا الوطنية (Sandia National Laboratories) الأميركية، ونُشرت الدراسة في مجلة Icarus العلمية، وأعلنها المختبر في بيان صحفي.
لماذا كانت الكويكبات غير المنتظمة مشكلة؟
يدرس العلماء سبلاً لتحويل مسار الكويكبات التي قد تشكّل خطراً على الأرض. ويتنوّع تركيب الكويكب بحسب الجسم الأم الذي انبثق منه، وتتنوّع أشكاله لأنه لا يملك من الكتلة ما يكفي ليتكوّر كما تفعل الكواكب. وقد ركّزت الأبحاث السابقة في معظمها على كويكبات كروية، لأن الأشكال غير المنتظمة كانت نمذجتها عسيرة.
ويقول مؤلفو الدراسة إن قياس فاعلية تحويل مسار الأجرام القريبة من الأرض (Near Earth Objects) بنبضات الإشعاع أمر صعب، «لأنها تعتمد اعتماداً حاسماً على تضاريس السطح، وهي غالباً مجهولة».
وللتغلب على ذلك طوّر الفريق خوارزمية تحاكي الأشكال غير المنتظمة. ويقول مور: «خوارزميتنا الجديدة أسرع بأكثر من 1600 مرة، وكان ذلك حاسماً في تحقيق هذا الاختراق». ويضيف: «مع النماذج القديمة، لم تكن الحواسيب قادرة على التعامل مع الأمر». ويصف المؤلفون الطريقة بأنها تتفوق على سابقاتها لأنها «تراعي التضاريس الفعلية للكويكب بالكامل في ثلاثة أبعاد، من دون زيادة غير مقبولة في كلفة الحوسبة أو تراجع في الدقة».
ماذا يحدث للكويكب بعد الانفجار؟
الفكرة المطروحة هي تفجير جهاز نووي قرب الكويكب لإشعاعه لا لتدميره، وهو سيناريو يسمى «التخفيف بالأشعة السينية من مسافة بعيدة» (stand-off X-ray mitigation). والتفجير النووي في الفضاء لا يولّد موجة صدم في الغلاف الجوي، وإنما يطلق الإشعاع في نبضة قوية. وإذا جاءت النبضة في وقتها واتجهت اتجاهاً صحيحاً، أمكنها تغيير مسار الكويكب.
وتصف المحاكاة تسلسل الأحداث على النحو التالي:
- تضرب نبضة قوية من الأشعة السينية أحد جانبي الكويكب.
- يتبخر سطحه بسرعة، ويولّد هذا التبخر معظم قوة الدفع التي تحرف الكويكب.
- تنتقل موجة صدم داخلية عبر الصخرة.
- قد يؤدي التشقق الداخلي إلى قذف كتل من الجانب المقابل للانفجار ومن جانبي الكويكب.
ويحسب النموذج دفع الكويكب وسرعة دورانه واحتمال تفتت سطحه عبر حساب التبخر. أما مدخلاته فهي حجم الانفجار ومسافة التفجير ومساحة السطح المعرّض للإشعاع. ويمكن تطبيقه على كويكبات صوّرتها مركبات فضائية أثناء تحليقها بالقرب منها.
كم يغيّر الاتجاه من النتيجة؟
اختبر الفريق ثلاثة أجسام مختلفة الشكل هي (101955) Bennu و(25143) Itokawa و(6489) Golevka. ويقول المؤلفون: «كتوضيح عملي، نتنبأ بانحراف ثلاثة أجسام مختلفة الشكل... عند تعرضها لإشعاع من مسافة قريبة ومن مسافة بعيدة».
وجاءت النتيجة كما يلخصها الباحثون: «نجد أن اتجاه الجسم لحظة الاعتراض يمكن أن يزيد سرعة الانحراف بما يصل إلى نحو 2× لـ Bennu و4× لـ Itokawa و5× لـ Golevka، قياساً إلى الحد الأدنى من استجابة كل جسم». والزيادات هنا محسوبة قياساً إلى أضعف استجابة لكل كويكب، وتتوقف على الوجه الذي يواجه الإشعاع.
ويقول مور: «كنا نتوقع أن يكون للتصويب أثر». ويتابع: «لكن ما فاجأنا هو حجم هذا الأثر». ويرى أن الدراسة تبيّن «مدى أهمية التصويب بعناية»، ثم يقول: «اختر الجانب الصحيح تَفُز. وإن أخطأت التخمين فقد يكون يوماً سيئاً».
ويحذّر المؤلفون من أن هذه الحساسية الشديدة تكتسب أهمية خاصة، فهم يقولون إن «شكل الجرم القادم قد يكون مجهولاً، واتجاهه لحظة الاعتراض قد يكون خارج السيطرة». ويقترحون بديلاً هو السعي إلى «توصيف طبوغرافي عالي الدقة للجرم القادم لتحسين دقة نموذج الانحراف، كاستخدام صور أو قياسات ارتفاع تلتقطها مركبة فضائية قبل التفجير».
ما الذي لا تستطيع المحاكاة قوله؟
للنموذج حدود يذكرها الفريق صراحة. يقول مور: «نموذجنا الحاسوبي الآن لا يراعي إلا تفتت الصخور على السطح. ولا نستطيع بعدُ التنبؤ بدقة بتفتت جسم الكويكب كله». كما أن بواطن الكويكبات تتباين، والنموذج لا يأخذ هذا التباين في الحسبان. وبذلك لا تستطيع المحاكاة أن تحسم بيقين مطلق ما سيحدث في عملية تحويل مسار حقيقية.
وللتفتت وزنه في الحسابات، فتوليد حطام كويكبي قد يزيد الخطر على الأرض إن اصطدمت بها شظايا. ويشير المؤلفون إلى أن الانفجارات البعيدة عن السطح «قد تتيح الانحراف بقدر أقل من الإخلال بالبنية الأصلية، ما يسمح بتوجيه أكثر تحكماً للكويكب ولحطامه».
هل يبقى الخيار النووي في الأدراج؟
يرجّح أن تكون الوسيلة المفضلة هي المصادم الحركي (kinetic impactor)، أي مركبة تصطدم بالكويكب لدفعه. وقد اختبرت مهمة DART التابعة لناسا (NASA) هذا الأسلوب ضد الكويكب Dimorphos، وبدت ناجحة. ورغم أن DART غيّرت سرعة Dimorphos تغييراً طفيفاً، فإن التحرك المبكر قد يغيّر موضعه تغييراً كبيراً على مدى سنوات. وتتابع وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) هذا العمل عبر مهمة Hera.
لكن كويكباً أو مذنباً يُكتشف متأخراً قد لا يترك وقتاً كافياً ليغيّر المصادم الحركي مساره بفاعلية. وهنا يأتي الخيار النووي، وقد وصفه مؤلفو الدراسة بأنه ملاذ أخير، وقالوا: «ورغم اعتباره خياراً أخيراً، فقد قيل إن الاعتراض المتأخر لجرم قريب من الأرض أو لمذنب، سواء بغرض التفتيت أو التحويل، قد لا يكون ممكناً إلا بتركّز الطاقة الأعلى المتاح من تفجير جهاز طاقة نبضية».
ويقترح الباحثون الاستعداد بمركبات جاهزة للإطلاق لرسم خرائط الكويكبات، ومركبات أخرى تحمل أجهزة نووية. ويمكن الجمع بين الوظيفتين، الرسم والتحويل، في مركبة واحدة. غير أن وضع أسلحة نووية في الفضاء سيكون صعباً في المناخ الجيوسياسي الحالي، وهذا سؤال سياسي لا تجيب عنه المحاكاة.
أخبار ذات صلة

رائدا الفضاء ينهيان تركيب الألواح الشمسية الجديدة على محطة الفضاء الدولية

جاذبية الأرض تأسر قمراً صغيراً جديداً لكنه لن يبقى طويلاً

رياح كونية قوية أزاحت الغاز وأضاءت المجرات الأولى
