هل يمكن لكوكب صالح للحياة أن يخدع التلسكوبات ويبدو مأهولاً
هل يمكن لكوكب صالح للحياة لكنه خالٍ منها أن يبدو مأهولًا للتلسكوبات؟ دراسة جديدة تحاكي الأرض بدون حياة لتساعد التلسكوبات القادمة في التمييز بين الكواكب الصالحة للسكن والمأهولة فعلاً وتجنب الإشارات الخاطئة في بحثنا عن الحياة خارج الأرض وورلد برس عربي

هل يمكن لكوكب صالح للحياة لكنه خالٍ منها أن يبدو للتلسكوب كأنه مأهول؟ يحاول فريق بحثي بقيادة Samantha Gilbert-Janizek الإجابة عن هذا السؤال ببناء نموذج حاسوبي للأرض كما كانت ستكون لو لم تنشأ عليها حياة. والغاية أن تتجنب التلسكوبات المقبلة، عند بحثها عن الحياة خارج المجموعة الشمسية، الخلط بين كوكب صالح للسكن وكوكب مسكون فعلاً.
قادت Gilbert-Janizek الدراسة وهي طالبة ما بعد الدكتوراه في علم الفلك بجامعة واشنطن (University of Washington). ونُشرت في «المجلة العلمية للعلوم الكوكبية» (The Planetary Science Journal) بعنوان «نموذج لكوكب الأرض بأكمله من دون حياة لدراسات الكواكب الأرضية خارج المجموعة الشمسية». ويمكن الاطلاع على صفحة الدراسة المنشورة على موقع المجلة.
لماذا نحتاج إلى «أرض بلا حياة»؟
تنطلق الدراسة من حقيقة بسيطة: الأرض هي العالم الوحيد المعروف بأنه صالح للسكن ومسكون في آن واحد. ويقول مؤلفو الدراسة: «بصفتها الكوكب الوحيد المعروف في الكون الصالح للحياة (والمأهول)، تُرشدنا الأرض في بحثنا عن الحياة في أماكن أخرى».
ويضيف الباحثون أن التلسكوبات المقبلة، ومنها مرصد العوالم الصالحة للسكن (Habitable Worlds Observatory، ويُختصر HWO)، «ستبحث قريباً عن الحياة على عوالم صخرية تدور حول نجوم شبيهة بالشمس، ولذلك فمن الضروري أن نفهم كيف نميّز الكواكب الصالحة للحياة من الكواكب المأهولة». ويشرح مؤلفو الدراسة أن الأدلة الجيولوجية تشير إلى أن الأرض كانت صالحة للحياة، وفيها محيطات من الماء السائل، خلال معظم تاريخها البالغ 4.54 مليار سنة. وبسبب هذا الاستقرار الطويل، كما كتبوا، «تُمثّل الأرض النموذج الذي يوجّه بحثنا عن المحيطات الحيوية في أماكن أخرى».
وتنبع أهمية السؤال من أن الإيجابيات الكاذبة، أي إشارات توحي بوجود حياة وهي ليست كذلك، تُعدّ من التحديات التي تواجه HWO. وتقول Gilbert-Janizek إن النموذج «يساعدنا على أن نرى كيف يمكن لكواكب صالحة للحياة لكنها غير حيّة أن تحاكي الكواكب الحيّة».
كيف بُني النموذج وماذا يعيد إنتاجه؟
لم يبدأ الفريق من الصفر. كان Rory Barnes، أستاذ علم الفلك المشارك في جامعة واشنطن والمؤلف الأقدم للدراسة، قد بنى سابقاً نموذجاً يضم لبّ الأرض ووشاحها وقشرتها والإشعاع الصادر عن النجم. وأضاف فريق Gilbert-Janizek إلى هذا النموذج سطح الأرض وغلافها الجوي.
والنتيجة، بحسب مؤلفي الدراسة، نموذج يقرن تطوّر باطن الكوكب بتطوّر غلافه الجوي من 50 مليون سنة إلى 5 مليارات سنة. ويصفونه بقولهم إنه «خطوة أولى للإجابة عن هذه الأسئلة»، وإنه يعيد إنتاج 19 رصداً أساسياً للأرض قبل الثورة الصناعية بعد 4.5 مليار سنة، «ضمن حدود عدم اليقين المقدَّرة للقياسات». وتشمل هذه الأرصاد ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء في الغلاف الجوي، ودرجة حرارة السطح والألبيدو (نسبة الضوء التي يعكسها السطح)، وكتلة المحيطات، ودرجة حرارة الوشاح العلوي، والتدفق الحراري.
ولاختيار الأرصاد هذه صلة مباشرة بما سيراه التلسكوب. فتطوّر باطن الكوكب قد يؤثر في تركيب غلافه الجوي وفي ألبيدو سطحه، وهما من المعطيات القابلة للرصد بواسطة HWO على كواكب شبيهة بالأرض حول نجوم شبيهة بالشمس. ويرى الباحثون أن النموذج يعيد إنتاج خصائص الأرض قبل الصناعة، ويتنبأ بصلاحية للحياة طويلة الأمد حتى من دون وجود حياة.
وقال Barnes: «بعد أكثر من عقد من عمل علماء كثيرين، أنجزت الدكتورة Gilbert-Janizek أخيراً نموذجاً للأرض يعيد في وقت واحد إنتاج خصائص لبّ الأرض ووشاحها وسطحها وغلافها الجوي. وهذه المعايرة تمنحنا الثقة بأن محاكاة الكواكب خارج المجموعة الشمسية في المستقبل ستكون دقيقة». وأضاف: «يمثل عمل الدكتورة Gilbert-Janizek خطوة مثيرة نحو فهم الأماكن التي يمكن أن توجد فيها الحياة في الكون».
ما الافتراضات التي يقوم عليها؟
كل نموذج علمي يقوم على افتراضات، وقد شرح الباحثون افتراضات نموذجهم. يبدأ النموذج بعد تصلّب محيط الصهارة الذي غطّى الأرض في بدايتها، وهو ما يحدد تركيب الغلاف الجوي الأولي. واختار الفريق ظروفاً ابتدائية «تنطبق بعد تصلّب الجزء الأكبر من الوشاح».
وافترض الباحثون كذلك أن الصفائح التكتونية عملت طوال تاريخ الأرض، بدءاً من منتصف العصر الهاديني (Hadean). ويصف الفريق هذا التاريخ التكتوني بأنه الأكثر شيوعاً بين العلماء ومتسق مع الأدلة. وثمة فرضية بديلة تجعل بدء الصفائح التكتونية في العصر الأركي (Archaean)، أي انتقالاً من نمط «الغطاء الراكد» إلى التكتونية الحديثة، لكن الفريق لم يعتمدها. وتتعلق افتراضات أخرى بالضغط الجوي وقوة الدينامو الأرضي (المولّد للمجال المغناطيسي) وتسرّب الهيدروجين من الغلاف الجوي.
كيف سيبدو ذلك في طيف التلسكوب؟
لم يكتفِ الفريق بالأرقام. فقد حسب أطيافاً اصطناعية للضوء المنعكس كما سيلتقطها HWO، بين 0.2 و2.0 ميكرومتر، لحالتين: الأرض الحقيقية، والغلاف الجوي للأرض الخالية من الحياة في النموذج بعد 4.5 مليار سنة. وتتضمن الأطياف خطوط الامتصاص الخاصة بثاني أكسيد الكربون وبخار الماء والأكسجين والأوزون والميثان. ويقول الباحثون إن هذا النموذج يصلح معياراً لقياس الأرصاد التفصيلية للأغلفة الجوية على العوالم الصالحة للسكن.
وتقول Gilbert-Janizek: «عندما نفسّر أرصاد الغلاف الجوي لكوكب خارج المجموعة الشمسية، ستساعدنا هذه الأداة على تحديد احتمال أن يكون ما نرصده دليلاً على حياة على السطح».
وماذا بعد؟
يأمل الباحثون في تكييف النموذج مع كواكب بعينها، مستعينين بمُدخلات مثل الألبيدو وتركيز ثاني أكسيد الكربون في غلافها الجوي. وإذا استطاع النموذج إعادة إنتاج ما رُصد على كوكب ما، فهذا يوحي، بحسب الباحثين، بأن الكوكب غير مأهول. وهذه خطوة لم تتحقق بعد، فالدراسة الحالية معايرة على الأرض وحدها.
ويأتي ذلك في وقت يتحول فيه البحث عن الكواكب خارج المجموعة الشمسية. فقد كانت الاكتشافات الستة آلاف الأولى اكتشافات بالجملة، أما الآن فيتجه البحث أكثر فأكثر إلى كواكب شبيهة بالأرض. ومن المفترض أن يرصد HWO هذه الكواكب بالتحليل الطيفي للضوء المنعكس، وهو يبحث عن الحياة على عوالم صخرية حول نجوم شبيهة بالشمس. وتفصيلاته في صفحة المرصد.
وتقول Gilbert-Janizek: «يتطلب تحقيق الأهداف الطموحة لتلسكوب مثل مرصد العوالم الصالحة للسكن عقوداً من العمل عبر أجيال كثيرة من العلماء». وتضيف: «أنا ممتنة جداً لانضمامي إلى هذه السلسلة، ولأنني سأسلّم الشعلة يوماً إلى الجيل التالي لنواصل النحت في سؤال ما إذا كنا وحدنا في الكون أم لا».
أما الدور الذي سيؤديه HWO فعلاً في هذا المسعى، فيتوقف على أمر لم يُحسم بعد: هل سيُبنى المرصد؟
أخبار ذات صلة

طلاب يختبرون منصة هبوط تجريبية لتأمين العمليات على سطح القمر

ناسا تطلب من الصناعة أفكاراً لإنقاذ تلسكوب هابل الفضائي

نجوم قديمة اصطدمت ببعضها قد تفسّر الثقوب السوداء فائقة الكتلة
