هيمنة إسرائيل بين القوة العسكرية والهشاشة الاقتصادية
هيمنة إسرائيل العسكرية والتكنولوجية تبدو قوية لكنها هشّة وتعتمد على دعم أمريكي كبير بينما تواجه تراجعاً في رأس المال البشري وتحديات اقتصادية حقيقية تكشف محدودية نفوذها الحقيقي في المنطقة والعالم وورلد برس عربي.

في مفهوم المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي، تقوم السيطرة على القدرة على الإكراه وانتزاع الطاعة بالقوة، في حين يرتكز الهيمنة على القيادة المكتسبة بالموافقة نظامٌ يبدو طبيعياً لمن يعيش في كنفه، فتستسلم العقول قبل أن تُرغَم الأجساد على الخضوع.
السيطرة قادرة على المنع والتدمير، لكنّها عاجزة عن الإقناع والبناء والقيادة. وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به "الهيمنة" الإسرائيلية في ضوء حربها المتواصلة منذ عام 2023 حتى اليوم.
تبدو إسرائيل اليوم وقد بلغت ذروة قوّتها العسكرية: فككت البنية العسكرية لحركة Hamas، واغتالت قيادة Hezbollah، واحتلّت أجزاء من غزة ولبنان وسوريا، وشلّت البرامج الصاروخية والنووية الإيرانية مع تصفية قيادتها العليا.
غير أنّ هذه الانتصارات التكتيكية لم تُفضِ إلى بناء الهيمنة، بل إلى تآكلها. فقد كشفت أنّ الهيمنة الحقيقية لم تكن موجودة أصلاً، وأنّ ما كان قائماً هو مجرّد سيطرة عارية، تتكئ على مظلّة استراتيجية أمريكية.
الحجم ليس قوّة، والتفوّق ليس قيادة، والحضور ليس اندماجاً. وإذا قسنا الأمر عبر ثلاثة محاور الاقتصاد العالمي، وقواعد المنطقة، والشبكات الإقليمية فإنّ الهيمنة الإسرائيلية إمّا في تراجع مستمر، أو أنّها لم تكن موجودة أصلاً.
يُمثّل قطاع التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلي نحو 17 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وبلغت حصّته من الصادرات مستوىً قياسياً بلغ 57 بالمئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الماضي، فيما تتصدّر إسرائيل دول العالم في الإنفاق على البحث والتطوير (R&D) قياساً بالناتج المحلي.
لكنّ حجم القطاع شيء، والقدرة على رسم القواعد التي تحكمه شيء آخر. إتقان لعبة كتب قواعدها غيرك تميّزٌ لا سلطة.
والصورة أقلّ إشراقاً ممّا تبدو عليه: إذ تُحذّر هيئة الابتكار الإسرائيلية ذاتها من ركود في التوظيف، وتراجع في أعداد كوادر البحث والتطوير، وانكماش في عدد الشركات الناشئة.
مفارقة مكشوفة
الميدان الوحيد الذي تضع فيه إسرائيل القواعد العالمية فعلاً هو الأمن السيبراني (Cybersecurity): إذ تستضيف مراكز بحث وتطوير لسبع من أصل أكبر عشر شركات في هذا المجال على مستوى العالم، وقد استحوذت Google مؤخّراً على شركة Wiz الإسرائيلية للأمن السحابي بقيمة 32 مليار دولار. وفي صفقة كبرى أخرى، استحوذت Palo Alto Networks على شركة CyberArk الإسرائيلية للأمن المعلوماتي بقيمة 25 مليار دولار.
بيد أنّ هذه الصفقات تكشف مفارقة صارخة: قمّة النجاح التكنولوجي الإسرائيلي هي استيعابه داخل المنظومة الأمريكية تميّزٌ في غرفة واحدة من قصرٍ شاسع، لا امتلاكٌ لهذا القصر. وما إن تخطو خارج نطاق الأمن السيبراني حتى يتلاشى هذا الادّعاء.
الشيكل ليس عملة احتياطية، وبورصة تل أبيب تدور في فلك Nasdaq، والاعتماد الأمني الإسرائيلي على واشنطن يكاد يكون وجودياً، إذ تجاوزت المساعدات الأمريكية منذ عام 1948 130 مليار دولار.
وقد اختبرت الحرب مع إيران هذه الهشاشة: أُغلق مطار بن غوريون لمدة 40 يوماً، غير أنّ الأسواق أبدت صموداً. وأُتمّت صفقة Google-Wiz في خضمّ نزاع إقليمي مشتعل، وهو ما يعكس اندماجاً قائماً على التبعية لا على الاكتفاء الذاتي.
هذا صمود مريض على أجهزة الإنعاش، لا صمود رئتين سليمتين. لكنّ الخطر الأكبر يكمن في تآكل أثمن أصول إسرائيل: رأس المال البشري.
غادر نحو 90,000 إسرائيلي البلادَ عام 2025 لمدة ثلاثة أشهر متواصلة أو أكثر، وبات عدد متزايد من شركات التكنولوجيا الإسرائيلية يوظّف كوادره في الخارج.
والأكثر دلالةً أنّ هذا التحوّل بدأ مع أزمة الإصلاح القضائي في مطلع عام 2023، قبل أن تُطلق Hamas رصاصة واحدة في حرب غزة تصويتٌ بالأقدام من قِبَل المهنيين الذين يُنتجون الميزة الهيكلية الحقيقية الوحيدة لإسرائيل.
موقع إسرائيل ليس "أمّة الشركات الناشئة" ولا الانهيار، بل اقتصادٌ مندمج بعمق ومُتبعِّد بنيوياً، تتآكل مكانته المتخصّصة تدريجياً.
تحوّل في الإدراك
البُعد الثاني للهيمنة الشرعية، أي قبول السلطة لا مجرّد امتلاكها لا يُقاس بالميزانيات. هل تقود إسرائيل المنطقة، أم أنّها تملك فحسب القدرة على زعزعة استقرارها؟
تفوّقها العسكري ليس ملكها وحدها. فخلال الحرب مع إيران، أطلقت القوات الأمريكية مئات الصواريخ الاعتراضية دفاعاً عن إسرائيل، مستنزفةً ما يقارب نصف مخزون البنتاغون من منظومة Thaad. كما جرى استنزاف نحو 80 بالمئة من مخزون منظومة Arrow الإسرائيلية في غضون أسابيع، ما يؤكّد أنّها قوّة ردع عالية الكفاءة داخل منظومة أمنية أمريكية باهظة التكلفة لا قوّة لا تُقهر مكتفية بذاتها.
وإن كان الموقف العسكري يكشف التبعية، فإنّ الشرعية تكشف تآكلاً صريحاً: قضية إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية، ومذكّرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu ووزير الدفاع السابق Yoav Gallant، وتقرير أممي يُقرّر أنّ إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، فضلاً عن 157 دولة باتت تعترف بدولة فلسطين.
لكنّ أعمق تحوّل يجري على مستوى الوعي العام: كشف استطلاع Pew لعام 2025 الشامل 24 دولة أنّ 62 بالمئة من المستطلَعين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، مقابل 29 بالمئة فقط ينظرون إليها بإيجابية. وهذا التوجّه يمتدّ حتى إلى الحليف الرئيسي لإسرائيل، إذ يحمل نحو 60 بالمئة من البالغين الأمريكيين نظرة سلبية تجاهها.
وفي العالم العربي، يرفض 87 بالمئة الاعتراف بإسرائيل، فيما يصنّفها أكثر من ربع المستطلَعين التهديدَ الإقليمي الأكبر.
فمن يكتب إذن قواعد النظام الناشئ؟ لا تزال المملكة العربية السعودية ترفض التطبيع في غياب مسار لا رجعة فيه نحو الدولة الفلسطينية. وقد فُرض وقف إطلاق النار في غزة على إسرائيل لا بوساطتها، والاتفاق النووي الإيراني-الأمريكي يُفاوَض عليه بمعزل عن تل أبيب.
الدبلوماسية الإقليمية تقودها مصر وقطر والأردن وعُمان وتركيا وباكستان لا يعتمد أيٌّ منها على إسرائيل، التي تستطيع عرقلة المسار لكنّها عاجزة عن فرض رؤيتها. تحتفظ بحق النقض (الفيتو)، لا بزمام القيادة.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: كلّ انتصار عسكري إسرائيلي يُقابله خسارة مقابلة في الشرعية. هل باتت إسرائيل محوراً تتمحور حوله المنطقة، أم عقبةً تبني الشبكات الجديدة طرقها التفافاً حولها؟
خلال حرب إيران، اعترضت منظومات الدفاع الجوّي الإقليمية آلاف الطائرات المسيّرة والصواريخ، في مشهد يوحي بالتكامل لكنّ هذا تكامل داخل منظومة أمريكية القيادة، لا شبكةٌ تربط إسرائيل بجيرانها. الدول العربية تتعاون مع واشنطن، وواشنطن تتعاون مع إسرائيل؛ الجسر هو الولايات المتحدة، لا إسرائيل.
فجوة متّسعة
الأنماط ذاتها تتكرّر في قطاعَي الطاقة والتجارة. يُستشهد بصادرات الغاز إلى مصر دليلاً على الدور الإسرائيلي الذي لا غنى عنه غير أنّ هذا الدور انهار عند أوّل اختبار حقيقي، حين أوقفت إسرائيل أكبر حقولها الغازية لنحو 33 يوماً في خضمّ الحرب مع إيران، تاركةً مصر تعاني نقص الكهرباء وفاتورة باهظة من واردات الغاز الطبيعي المسال (LNG).
وعلى المنوال ذاته، يُسمّي الممرّ الاقتصادي المقترح بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ميناء حيفا بوّابةً له، غير أنّ طاقة حيفا تتضاءل أمام المنافسين الإقليميين، وتتكاثر المسارات التجارية التي تتجاوز إسرائيل كلياً.
عبر المحاور الثلاثة، يتكرّر النمط نفسه: إسرائيل تُظهر قوّة بلا شرعية، وحضوراً بلا اندماج، مع اعتماد جوهري على المظلّة الاستراتيجية الأمريكية. إسرائيل لا تُرسّخ الشبكات بجاذبيّتها الذاتية، بل تتعلّق بخيطٍ داعم واحد؛ وإن وهن هذا الخيط، اهتزّ البنيان كلّه.
هذا ما يعنيه تآكل الهيمنة أو غيابها. إسرائيل لا تضعف عسكرياً تفوّقها لا يزال هائلاً لكنّ هذا التفوّق فشل في التحوّل إلى سلطة ترسم قواعد المنطقة، وتكتسب الشرعية، وتجذب الدول المجاورة إلى تنظيم مصالحها حولها طوعاً.
السيطرة العسكرية باقية. الهيمنة غائبة. والفجوة بين الاثنتين تتّسع.
ثمّة مسار يستحقّ الرصد: السعي التدريجي للدول العربية والإقليمية إلى تنظيم نفسها بأقلّ قدر ممكن من الارتباط بإسرائيل. وبمرور الوقت، تخاطر إسرائيل بالتحوّل من عقدة لا غنى عنها إلى وظيفة يمكن للفاعلين الخليجيين والأوروبيين والهنود والأتراك والمصريين الاضطلاع بها بصورة متزايدة لا سيّما إن تراجع الالتزام الأمريكي وتكاثرت الممرّات البديلة.
بيد أنّ هذا لا ينبغي أن يُقرأ نبوءةً بانهيار وشيك. السيطرة بلا هيمنة قادرة على الصمود عقوداً قبل أن تتفكّك؛ أزمة الشرعية شرطٌ ضروري للتراجع، لكنّها ليست كافية، والقوة العارية قادرة على البقاء ما دام راعيها يتحمّل تكاليفها.
التآكل الموصوف هنا لن يُقيّد القوّة الإسرائيلية إلا إذا ظلّت المنطقة قادرة على العمل السياسي الجماعي.
فإن اختفت المقاومة، وتشظّت المجتمعات المجاورة إلى جيوب متنافسة، فقد يتحوّل إخفاق إسرائيل في الاندماج إلى ميزة لا عبء. وحين يتراجع الغطاء الأمريكي في نهاية المطاف — كما تتراجع كلّ ضمانة إمبريالية — قد يتجلّى المشهد الحقيقي: ليست منطقة تتمحور حول إسرائيل، بل منطقة بُنيت على الرغم منها.
الشبكات، كالماء، تجد طريقها حول العقبة لكن فقط حيث حُفر المجرى أوّلاً.
أخبار ذات صلة

غزة يجب أن تبقى 'مدمّرة لأجيال'.. جنرال إسرائيلي يُثير الجدل

الحوثيون يعلنون استهداف منشأة نفطية لأرامكو بالسعودية.. وأخبار الشرق الأوسط

العلاقات التركية السعودية: من التوتر إلى المصالح المتقاطعة
