فضيحة التعقيم القسري تهز غرينلاند وتكشف أسرار الماضي
تقريران يكشفان عن تعقيم قسري لآلاف نساء السكان الأصليين في غرينلاند وسط جدل حول ما إذا كان يشكل إبادة جماعية. الحكومة الغرينلاندية تطالب بمزيد من التحقيقات وتعويضات للضحايا في قضية هزّت الشمال وورلد برس عربي.



في مدينة نوك، عاصمة غرينلاند، صدر يوم الجمعة تقريران يحقّقان في قضية التعقيم القسري الذي مارسته السلطات الصحية الدنماركية على آلاف النساء والفتيات من السكان الأصليين في غرينلاند على مدى عقود وقد انقسم مؤلّفو التقريرَين حول مسألة جوهرية: هل يرقى ما جرى إلى مستوى الإبادة الجماعية؟
أصدرت الحكومة الغرينلاندية، التي أوعزت بإجراء هذا التحقيق، التقريرَين في ذلك اليوم، غير أنّها حين ضغط عليها الصحفيون خلال مؤتمر صحفي، أحجمت عن الإفصاح بموقف قياداتها من مسألة وقوع الإبادة الجماعية من عدمها. وكانت الحكومة قد طلبت من المؤلّفين الاستناد إلى التعريف الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية لعام 1948، التي تشمل في نصّها «فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل المجموعة».
تأتي هذه التقارير في سياقٍ بالغ الحساسية، إذ يسعى الرئيس الأمريكي Donald Trump إلى بسط النفوذ الأمريكي على هذه الجزيرة القطبية التي تتمتّع بحكمٍ ذاتي ضمن المملكة الدنماركية. وقد أكّد قادة غرينلاند والدنمارك أنّ الجزيرة ليست معروضةً للبيع، وأنّ مصيرها حقٌّ حصري لأبنائها وحدهم.
قضية "اللولب" التي هزّت الشمال
باتت هذه القضية تُعرف بـ«قضية اللولب»، وقد أحدثت موجةً من الصدمة في كلٍّ من الدنمارك وغرينلاند. فقد تقدّمت أكثر من 350 امرأة وفتاة من السكان الأصليين للإدلاء بشهاداتهن أمام المحقّقين، وأفدن بأنّ السلطات الصحية الدنماركية أخضعتهن قسراً لوسائل منع الحمل ومن بينهن فتياتٌ في الثانية عشرة من العمر أو دون ذلك. وتُشير الأرقام الدنماركية إلى أنّ أكثر من 4000 امرأة وفتاة تلقّين أجهزة اللولب الرحمي (IUD) بين ستينيات القرن الماضي ومنتصف السبعينيات، وهو ما يُمثّل وفق ما يُروى نصف النساء في سنّ الإنجاب في غرينلاند آنذاك.
وصفت الضحايا من الإينويت، وكثيراتٌ منهنّ كنّ في سنّ المراهقة حين وقعت الأحداث، كيف أُدخل إليهنّ الجهاز الرحمي أو حُقن بهرمونات منع الحمل دون أن يُبلَّغن بتفاصيل الإجراء أو يمنحن موافقتهن. والهدف المُدّعى من وراء ذلك كان الحدّ من النموّ السكاني في الجزيرة، التي شهدت تزايداً ديموغرافياً ملحوظاً في تلك الحقبة جرّاء تحسّن الأحوال المعيشية والرعاية الصحية.
امتدّت هذه الحالات من ستينيات القرن الماضي حتى مطلع التسعينيات، وقد استلمت غرينلاند إدارة برامجها الصحية بشكلٍ مستقل في الأول من يناير 1992.
وعلى صعيد التعويضات، وافقت الحكومة الدنماركية الخميس على صرف 300,000 كرون دنماركي (ما يعادل نحو 46,500 دولار) لكلّ ضحية، فيما كانت رئيسة الوزراء الدنماركية Mette Frederiksen قد اعتذرت رسمياً العام الماضي. وأعلن رئيس وزراء غرينلاند Jens-Frederik Nielsen عن تشكيل لجنة للمصالحة، وهو ما أيّدته Frederiksen في بيانٍ أصدرته الجمعة.
تقريران متباينان في الخلاصة
قبلت الحكومة الغرينلاندية يوم الجمعة استنتاجات تقريرٍ واحد فقط، مُعلنةً أنّ خبيراً توصّل إلى أنّ التقرير الثاني الذي نفى وقوع الإبادة الجماعية بصورة قاطعة لا يستوفي المعايير العلمية المعترف بها.
وقد كتب مؤلّفو التقرير المرفوض: «لا يوجد دليلٌ تجريبي يدعو إلى الافتراض بأنّ أيّ سلطةٍ دنماركية أو غرينلاندية، أو أيّ متخصّص في الرعاية الصحية، قد انتوى في أيّ وقتٍ إبادة الشعب الغرينلاندي أو شريحةٍ معتبرة منه. لم تكن هناك إبادة جماعية».
أمّا التقرير المقبول، فلم يخلص بدوره إلى حكمٍ قاطع في مسألة الإبادة الجماعية؛ إذ أفاد مؤلّفوه بأنّهم عجزوا عن إثبات وجود نيّةٍ لإبادة السكان من خلال قضايا التعقيم القسري وحدها، ودعوا إلى توسيع نطاق الدراسة لتشمل ممارساتٍ دنماركية أخرى أثّرت في أطفال غرينلاند وأسرها. وعلى خلاف التقرير الأوّل، لم يُصرّح هذا التقرير صراحةً بأنّ إبادةً جماعية لم تقع. وجاء في نصّه: «يصعب تصوّر ظروفٍ يمكن فيها للمحاولة الرامية إلى تقليص عدد مجموعةٍ عرقية بعينها بصورةٍ ملموسة ألّا تنطوي على نيّة التدمير الجزئي لتلك المجموعة».
والجدير بالذكر أنّ التقريرَين كانا في الأصل مقرّراً أن يصدرا في وثيقةٍ واحدة، غير أنّ اثنَين من أصل أربعة أعضاء في الفريق انفصلا قبل أشهر وأعدّا تقريرهما المستقل وهو التقرير الذي رفضته الحكومة الغرينلاندية، ومن بين مؤلّفيه مدير سابق للمعهد الدنماركي لحقوق الإنسان.
وأوضحت الحكومة الغرينلاندية في بيانٍ صحفي: «السبب المُعلَن هو خلافاتٌ مهنية بين الأعضاء، وإلى حدٍّ ما مخاوف تتعلّق بالوضع الجيوسياسي» دون أن يُفصح البيان عن طبيعة الوضع الجيوسياسي الذي أشار إليه المؤلّفان المنشقّان.
أخبار ذات صلة

إطلاق سراح جندي بحري أمريكي من الاحتجاز الروسي يُعيد الأضواء على معتقلين آخرين

أعمال دولي بارتون الخيرية استندت إلى "إيمانها بطيبة الناس"

الروهينجا في مخيمات بنجلاديش يطالبون بعودة آمنة إلى ميانمار
