وورلد برس عربي logo

حياة محطمة بين الحروب والذكريات المفقودة

في خزاعة، عشت حياة هادئة مع عائلتي حتى دمرت الحرب كل شيء. من أحلام الدراسة إلى معارك البقاء، أروي قصة النزوح والفقد والأمل في ظل الفوضى. انضموا إلي في رحلة عبر الألم والذكريات التي لا تمحى.

شاب مبتسم يقف أمام أنقاض مبنى مدمر، مع رفع إصبعه في إشارة النصر، تعبيرًا عن الأمل وسط الدمار في غزة.
يظهر عمرو أبورك وسط أنقاض ما كان منزله في بلدة خزاعة بقطاع غزة، بعد أن دمرته القوات الإسرائيلية.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

أنا من بلدة خزاعة، وهي بلدة تقع شرق خان يونس في جنوب قطاع غزة بالقرب من السياج الإسرائيلي. وهي المكان الذي ترعرعت فيه وعشت فيه مع عائلتي في مزرعتنا.

اليوم، لا أكتب كشخص ضحية، بل كشاهد على حياة تغيرت في لحظة واحدة وعلى وطن انتزع من أيدي أبنائه.

قبل الحرب، كنت مجرد طالب في المرحلة الثانوية. كنت أستيقظ كل صباح على صوت الرياح التي كانت تمر فوق سيقان القمح وصياح الديك الذي كان يبدو أنه يعلن عن بدء يوم جديد مليء بالعمل والأمل.

كانت عائلتي تمتلك مزرعة تبلغ مساحتها 100 دونم (10 هكتارات) حيث كنا نزرع القمح والشعير والبطيخ والسبانخ والطماطم وكل ما تجود به الأرض بسخاء.

عملنا أنا ووالدي وإخوتي في الأرض معًا. كان لدينا حمار للمساعدة في حرثها ودراجة نارية للتنقل بين الحقول. تمحورت حياتنا اليومية حول لون التربة وملمسها تحت المحاصيل ورائحة النباتات التي كنا نزرعها.

كان إخوتي في الجامعة، وكنت أستعد للسنة الأخيرة من المرحلة الثانوية. كنت آمل أن أحصل على تقدير عالٍ يسمح لي بدراسة إما الهندسة الزراعية لتطوير مزرعتنا أو برمجة الكمبيوتر، الأمر الذي قد يفتح لي فرصًا جديدة لمستقبلي.

درست بجد وحلمت بأحلام أكبر، ولم أتخيل أبدًا أن حياتنا الهادئة نسبيًا يمكن أن تمحى في لحظة.

الهروب من الموت

لم يكن هناك أي تحذير. وفجأة سقطت الصواريخ وانفتحت أبواب الدمار على غزة.

هربنا من منزلنا حاملين ما استطعنا حمله فقط. تاركين كل شيء آخر وراءنا، وكان الشيء الوحيد الذي استطعت أخذه معي هو حقيبة صغيرة لا تزال تفوح منها رائحة المنزل. أصبحت آخر ما يربطني بالمنزل والمزرعة والذكريات المتجذرة فيهما.

كان هذا أول نزوح؛ ثم جاء النزوح الثاني، ثم الثالث، ثم العديد من النزوحات، حتى وصل العدد إلى 23 نزوحًا. في كل مرة أجبرنا فيها على الرحيل، كنا نشعر وكأننا تركنا قطعة من أنفسنا خلفنا، ولم نحمل سوى ما تستطيع أكتافنا تحمله.

كان الموت يتنقل بيننا باستمرار. أتذكر أنني كنت أسير في شوارع المخيم الضيقة، محاولًا المرور بين الخيام الممزقة والناس المذعورين، عندما سقطت قذيفة فجأة على خيمة جيراننا. كان الانفجار قريبًا مني. أصبت بجروح طفيفة، بينما استشهد كل من كان داخل الخيمة.

شعرت بالموت يلاحقنا دون رحمة، وأدركت حينها أن الحرب ليست مجرد انفجارات، بل هي محو حياة بأكملها في لحظة واحدة. إنها تخلف وراءها صمتًا ثقيلًا وألمًا يحفر نفسه في القلب، ويحول كل خطوة في المخيم إلى نزهة مشوبة بالخوف.

منذ أن فقدنا وطننا، حتى أبسط الاحتياجات الأساسية أصبحت معارك: معركة من أجل الطعام، صراع من أجل الماء، معركة من أجل البقاء على قيد الحياة.

لقد وقفت لساعات طويلة في طوابير الخبز، تحت أشعة الشمس ووسط القصف، وغالبًا ما لم أحصل على أكثر من رغيف واحد. أصبح الماء حلماً. اضطررنا مرات عديدة لمطاردة شاحنات المياه لتأمين بضعة لترات من الماء للعائلة، وكانت كل خطوة محفوفة بالمخاطر. حتى المراحيض تتطلب طوابير، ومعها فقدنا أي مظهر من مظاهر الخصوصية.

لم تترك لنا الحرب أي مساحة لنكون بشرًا. لم يكن أمامنا سوى البقاء على قيد الحياة.

لا تكفينا الدموع أبدًا

لا شيء أثقل على القلب من المشي خلف نعش شخص تحبه.

رأيت أصدقاء يدفنون وأقارب فقدوا وأمهات ينحنين على أجساد أبنائهن. لم يكن هناك ما يكفي من الدموع أبدًا لعدد الخسائر.

في إحدى المرات، وقفت في طوابير الأدوية وأنا ممسكٌ بورقة مكتوب عليها اسم ابن عمي المصاب، كما لو كانت الورقة نفسها هي حياته. كان الدواء نادرًا. كان الانتظار طويلًا. في كل مرة كنت أعود فيها بعلبة دواء صغيرة، كنت أشعر وكأننا هزمنا الموت، ولو قليلًا.

الخيمة ليست منزلًا. إنها سقف مؤقت لا يوفر سوى حماية جزئية من المطر أو الرياح أو البرد. كان كل يوم يمر داخلها يختبر صبرنا وإرادتنا للبقاء على قيد الحياة.

ثم جاءت المجاعة الكبرى التي استمرت ثمانية أشهر على الأقل.

أصبح الطعام ترفًا والماء حلمًا. حلمنا برغيف خبز واحد. افتقدنا حتى القدرة على شم رائحته. في بعض الأحيان، كنا نشتري أوراق الشجر بأسعار باهظة لتهدئة جوعنا ونشرب الماء الملوث.

سافرنا أنا وإخوتي مع المئات غيرنا إلى منطقتي المعراج والطينة في ضواحي رفح، وهي مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، ركضنا تحت الطائرات والقصف للحصول على كيس واحد من الدقيق.

إما أن نحمله معنا أحياءً أو نعود شهداء. كانت تلك الأماكن مصائد موت حقيقية.

خلال إحدى عمليات النزوح في رفح، كنت أحفر حفرة لبئر للصرف الصحي. وبينما كنت داخل الحفرة، انهارت الرمال ودفنتني. للحظة، كنت على يقين أن حياتي قد انتهت، لكن الناس أنقذوني قبل أن أختنق حتى الموت.

عندما خرجت، أدركت أن الموت في الحرب لا يحتاج إلى صاروخ. الحفرة والركام كافيان.

أحلام بعيدة

على الرغم من كل شيء، ظل حلمي بالعودة إلى خزاعة وزراعة الأرض حياً في داخلي. أحلم بزراعة القمح والشعير والبطيخ والخضراوات ورؤية الأرض التي أحببتها تثمر مرة أخرى.

واصلت الدراسة ليس على ضوء الشموع، بل على وهج أحزمة النار التي تضيء السماء. كنت أراجع دروسي بينما كانت الطائرات تحلق في السماء، بعزيمة شديدة بدت لي وكأنها مقاومة رفضًا لأن تفقد روحي آخر ما تبقى لها.

حققت درجة 84 في المائة. كان من المفترض أن تكون لحظة فرح، لكن الجامعات كانت قد دُمرت كلها، والمال الوحيد الذي كان لدينا أنفقناه على البقاء على قيد الحياة آلاف الدولارات على الدقيق وحده.

أصبحت أحلامنا أبعد من قدرتنا على تحقيقها.

لكن أصعب اللحظات جاءت عندما عدت إلى خزاعة ورأيت منزلي مدمرًا.

لقد احترقت المزرعة التي ترعرعت فيها عن بكرة أبيها، ثم جاءت الأخبار المدمرة بأن نظام الاحتلال قد سيطر على جميع أراضينا.

لقد ضاعت مائة دونم من حياتي، كما لو أن جذوري قد انتزعت من الأرض ومن قلبي في نفس الوقت.

أعيش اليوم بين الخيام، بين الجوع والقصف، بين الخوف والبرد. لكن على الرغم من كل شيء، ما زلت أكتب.

أنا لست رقمًا في نشرة الأخبار. أنا إنسان كان لي بيت وأرض ومزرعة وأحلام وطريق أسير فيه.

أخذت الحرب كل شيء، لكنها لم تأخذ صوتي.

هذه قصتي. وهي ليست قصتي وحدي. إنها قصة كل شاب في غزة لا يزال يقاتل من أجل أن يعيش يومًا آخر.

أخبار ذات صلة

Loading...
محمد بن سليم، رئيس الاتحاد الدولي للسيارات، يتحدث عن التحديات الأمنية وتأثيرها على سباقات الفورمولا 1 في الشرق الأوسط.

رئيس الاتحاد الدولي للسيارات: سلامة السائقين والفرق أولويتنا في فعاليات الشرق الأوسط

تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط مهددة ختام موسم الفورمولا 1 2023 بين قطر وأبوظبي، بينما يدرس الاتحاد الدولي للسيارات بدائل أوروبية. اكتشف التفاصيل وتأثير الأوضاع الأمنية على السباقات.
الشرق الأوسط
Loading...
مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يقف بجانب مركبة عسكرية في القامشلي، في سياق حل القوات واندماجها بالجيش السوري الرسمي.

الأكراد بين الأمل والحذر: حل قوات سوريا الديمقراطية والالتحاق بالجيش النظامي

في تحول تاريخي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية حلّها واندماجها بالجيش الوطني، ما يفتح أفقاً جديداً لحقوق الأكراد ووحدة سوريا. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة الحاسمة وتأثيرها على مستقبل المنطقة. اقرأ المزيد الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
وزير الخارجية البريطاني يتحدث في اجتماع رسمي وسط حضور نسائي، في سياق إدانة تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي عن العنف في غزة.

الحكومة البريطانية تدين تصريحات بن غفير "المشينة" حول قتل الفلسطينيين

تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي Itamar Ben Gvir التي تدعو إلى قتل فلسطينيين في غزة أثارت ردود فعل غاضبة من الحكومة البريطانية التي وصفتها بالبشعة والمُهينة للإنسانية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على السلام في المنطقة.
الشرق الأوسط
Loading...
علم تركيا وعلم إسرائيل يرفرفان فوق دبابة في سياق التوترات العسكرية بين البلدين حول قاعدة أبو الظهور في سوريا.

إسرائيل توجّه تحذيراً مبطّناً لتركيا عقب غارات على قواعد عسكرية بسوريا

تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا بعد الغارات على قاعدة أبو الظهور في سوريا، وسط اتهامات متبادلة وتصريحات حادة. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره الإقليمي الآن.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية