هل يؤثر انعدام الجاذبية على صحة الحمض النووي؟
هل يؤثر انعدام الجاذبية على الحمض النووي للبشر؟ دراسة جامعة نيويورك تحاكي الجاذبية الدقيقة على خلايا بشرية لمدة 24 ساعة وتكشف تغيّرات خلوية طفيفة دون تلف في الحمض النووي مع تحذير من الحاجة لدراسات أطول وورلد برس عربي.

هل يتأذّى الحمض النووي لرائد الفضاء حين تغيب الجاذبية؟ السؤال يزداد إلحاحاً مع التحضير لبعثات طويلة إلى القمر والمريخ وما بعدهما. فريق من جامعة نيويورك (NYU) حاول الإجابة عنه مخبرياً، فعرّض خلايا بشرية حيّة لمحاكاة انعدام الجاذبية 24 ساعة. لم يجد أي تلف في الحمض النووي سببته هذه المحاكاة، وإنما تغيّرات خلوية طفيفة. لكنّ الباحثين أنفسهم يحذّرون من قراءة النتيجة على أنها طمأنة نهائية، لأن التجربة قصيرة وهي خطوة أولى. نُشرت النتائج في مجلة «Science Advances»، وهي متاحة في الورقة البحثية المنشورة.
ماذا نعرف عن أثر الفضاء في جسم الإنسان؟
ربطت بعثات محطة الفضاء الدولية (ISS) الإقامة الطويلة في المدار بضمور العضلات وفقدان كثافة العظام ومشكلات في البصر. ارتبطت الإقامة الطويلة أيضاً بتأثيرات في القلب والأوعية الدموية والجهاز العصبي المركزي. وأظهرت «الدراسة التوأمين» التي أجرتها ناسا (NASA) أن الجاذبية الصغرى تؤثّر في روّاد الفضاء على المستوى الجيني، ويمكن الاطلاع عليها عبر صفحة الدراسة لدى الوكالة. ومع ذلك، لا يزال المدى الكامل لتأثير رحلات الفضاء في فسيولوجيا الإنسان مجهولاً.
هنا يبرز سؤال الجينوم. بدأ مشروع الجينوم البشري عام 1990 وأعلن العلماء اكتماله في أبريل 2003، بتسلسل غطّى 3 مليارات زوج من القواعد الكيميائية في الحمض النووي البشري. ورغم ما قدّمه المشروع لفهم علم الوراثة، فإن التنظيم الفيزيائي للجينوم داخل الخلية ما زال غير مفهوم تماماً.
الجينوم البشري تسلسل أحادي البعد مشفّر في جزيئات الحمض النووي. لكنّ نحو 2 متر من هذا الحمض تُحشر داخل نواة خلية لا يتجاوز حجمها نحو 10 ميكرومتر. وبنية الجينوم مرتبطة مباشرة بوظيفته، وقد تسهم الانحرافات عنها في السرطان وفي الإعاقات النمائية. لذلك يهمّ الباحثين أن يعرفوا هل تغيّر الجاذبية هذه البنية.
كيف حاكى الباحثون انعدام الجاذبية؟
قاد باحثو جامعة نيويورك دراسة عن دور الجاذبية في تنظيم الجينوم ووظيفته، بهدف عزل أثرها في الجينات البشرية وفحص عمل الجينوم في ظروف انعدام الجاذبية. وشرحت ألكسندرا زيدوفسكا، الأستاذة المشاركة في قسم الفيزياء بالجامعة، دافع الفريق:
«على الأرض، دور الجاذبية مثير للاهتمام، فهي إجهاد ميكانيكي ثابت يقع على كل شيء. أردنا أن نعرف ما دور الجاذبية في تنظيم الجينوم ووظيفته هنا على الأرض. وللكشف عن ذلك لا بد من إزالة الجاذبية كقوة، فحاكينا انعدام الجاذبية في تجاربنا. وخارج الأرض، يبدو سؤال غياب الجاذبية مقنعاً أيضاً: كيف سيتأثر الجينوم البشري في الفضاء الخارجي؟ نعتقد أن نتائجنا يمكن أن تفيد في فهم أفضل لكيفية تأثير السفر الفضائي فينا.»
صنع الفريق «جهاز التموضع العشوائي» (Random Positioning Machine)، وهو يشبه أجهزة تُستخدم في تدريب روّاد الفضاء. يدير الجهاز مزارع الخلايا الحيّة حول محورين على مسار ثلاثي الأبعاد. واستعان الباحثون به لتصوير الجينات ومراقبة استجابة الخلايا للجاذبية الدقيقة المحاكاة.
والتحدي الأساسي في هذه التجارب أن التدوير ثلاثي الأبعاد على الأرض يولّد جريان سوائل، وهذا الجريان غائب في الجاذبية الدقيقة الحقيقية. لذلك طوّر الفريق خوارزميات ثلاثية الأبعاد لمحاكاة الجاذبية الدقيقة وتقليل جريان السوائل، وأخرى لدراسة أثر هذا الجريان في الخلايا. وبهذه الطرق خُفّض الجريان وتكوّن التجمعات الخلوية، وهما عاملان حجبا آثار الجاذبية الدقيقة في دراسات سابقة.
ماذا وجد الفريق بعد 24 ساعة؟
عرّض العلماء الخلايا لمحاكاة الجاذبية الدقيقة أو لجريان السوائل مدة 24 ساعة، ثم صوّروها بتقنيات تصوير متقدمة في الحالتين. ومكّنت تسلسلات الصور من تحليل الخلايا والنوى وتنظيم الجينوم وديناميكيته، ومن البحث عن تلف محتمل في الحمض النووي.
وجاءت النتائج على النحو التالي:
- محاكاة الجاذبية الدقيقة: زاد حجم نواة الخلية، ما يوحي بأن الجاذبية تقلّله.
- جريان السوائل: استطالت الخلايا.
- الغلاف النووي: لم يتغيّر سمكه ولا بنيته في الظروف المختبرة.
- الجينوم: لم يتغيّر تنظيمه الفيزيائي ولا حركاته بعد 24 ساعة.
- الحمض النووي: لم تسبّب محاكاة الجاذبية الدقيقة تلفاً فيه، بينما حدث التلف في الخلايا المعرّضة لجريان السوائل.
هذه النقطة الأخيرة تستحق التوقف عندها: مصدر التلف في التجربة كان الجريان، وهو أثر جانبي لطريقة المحاكاة على الأرض، لا غياب الجاذبية نفسه. وهذا يفسّر أهمية تقليله في تصميم التجربة.
وصف الفريق التغيّرات بعد يوم كامل من المحاكاة بأنها طفيفة، وقال إنها قد تتضخّم مع التعرّض الأطول. وتلخّص زيدوفسكا القراءة العلمية للنتائج:
«تُظهر بياناتنا أن الجينوم وتنظيمه وديناميكيته متينة بشكل لافت، ويبدو أنها لا تتأثر بالجاذبية أو بغيابها بعد 24 ساعة. وبالمثل، تشير هذه النتائج إلى أن التنظيم الفيزيائي للجينوم البشري قد يتغيّر قليلاً في الفضاء الخارجي خلال أطر زمنية مماثلة. غير أن هذه التغيّرات قد تحدث عند التعرّض لفترات أطول ونتيجة تلف الحمض النووي الذي قد يحدث في الفضاء.»
هل تكفي 24 ساعة لطمأنة بعثات المريخ؟
الجواب الحذر: لا. يصف الباحثون التجربة بأنها خطوة أولى في دراسة آثار الجاذبية الدقيقة بعيدة المدى. وهي محاكاة أرضية على خلايا مزروعة، لا قياس في مدار حقيقي، ومدتها يوم واحد، بينما تمتد البعثات إلى القمر والمريخ وما بعدهما أشهراً طويلة. ويؤكد الفريق أن فهم هذه الآثار ضروري لتلك البعثات.
القيمة الأهم للدراسة أنها تقدّم منهجاً أنظف، يقلّل جريان السوائل وتجمّعات الخلايا التي شوّشت نتائج سابقة، ويتيح أسئلة أدق عن التعرّض الأطول. وتبقى المسألة المفتوحة: هل تتراكم التغيّرات الطفيفة مع الوقت وتتحول إلى أثر حقيقي، وهل يضيف تلف الحمض النووي في الفضاء الفعلي ما لم تكشفه هذه المحاكاة؟ للتوسع في الموضوع، يمكن الرجوع إلى المادة الصحفية المنشورة عن الدراسة.
أخبار ذات صلة

عودة عينات من قمر المريخ: داخل مهمة اليابان الجريئة MMX

تراجع الزراعة في العصور الوسطى: كيف أعاد الموت الأسود رسم التنوع البيولوجي

علماء الفلك يطلبون مساعدتك في البحث عن الثقوب السوداء المفقودة في درب التبانة
