كيف أثر الطاعون على تنوع الحياة في أوروبا الزراعية
بعد الطاعون في أوروبا، تراجع التنوع الحيوي بنحو 40% بسبب هجر الأراضي الزراعية ثم تعافى مع عودة النشاط البشري. دراسة تكشف كيف أثر البشر على الطبيعة وتدعو لإعادة التفكير في أنماط الزراعة الحديثة عبر مشاهد طبيعية متنوعة معقدة وورلد برس عربي.

حين مات أكثر من ثلث سكان أوروبا بالطاعون في القرن الرابع عشر، وتُركت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بلا فلاحين، قد يتوقع المرء أن تستعيد الطبيعة عافيتها. غير أن دراسة جديدة لسجلات حبوب اللقاح الأوروبية تشير إلى العكس: في المناظر الطبيعية التي تراجع فيها الإنتاج الزراعي، هبط التنوع الحيوي بنحو 40%. ثم عاد فارتفع بعد نحو 150 عاماً، مع تعافي السكان وعودة الاضطراب البشري إلى الأرض. ويرى الباحثون أن هذه النتيجة قد تفيد في التفكير بالزراعة المعاصرة، وبأنماط استخدام الأرض المتنوعة التي تشبه الفسيفساء.
نُشرت الدراسة في 4 مارس في مجلة «Ecology Letters»، وتحمل عنوان «Black death land abandonment drove European diversity losses». وتذكر الإحالة المرجعية أنها في المجلد 29، العدد 3، من عام 2026، برقم المقالة e70325. وأعدّها J. D. Gordon وB. Fagan وJ. Finch وL. Gillson وN. Milner وC. D. Thomas. ويمكن الاطلاع على الدراسة المنشورة ومعرّفها الرقمي هنا.
كيف قرأ الباحثون تاريخ الأرض من حبوب اللقاح؟
الدراسة تحليل لسجلات حبوب اللقاح الأحفورية، وليست تجربة ميدانية. شمل التحليل أكثر من 100 سجل أوروبي تضم نحو 4,600 عيّنة، وامتدت مواقعها من السهول المنخفضة في فرنسا إلى مرتفعات جنوب غرب المملكة المتحدة والألب السويسرية.
يقول الباحث الأول في الدراسة، عالم البيئة القديمة جوناثان غوردون (صفحته التعريفية على موقع مركز ليفرهولم لتنوع الأنثروبوسين الحيوي بجامعة يورك)، إن هذه السجلات «تعطينا معلومات عن التنوع السابق في السجلات النباتية».
استخدم الفريق حبوب لقاح الحبوب، من القمح والشعير والجاودار، مؤشراً على استخدام الأرض تاريخياً. وهذه محاصيل محورية في الزراعة في القرون الوسطى، وعن زراعة الحبوب في تلك الحقبة دراسات أثرية حيوية منشورة. وعلى هذا الأساس صنّف الباحثون المواقع في ثلاث فئات: مواقع ازداد فيها الإنتاج الزراعي، ومواقع تراجع فيها، ومواقع لا يوجد فيها دليل على زراعة الحبوب.
ماذا حدث للتنوع الحيوي بعد الطاعون؟
الطاعون الذي ضرب أوروبا هو الطاعون الدبلي، وتسبّبت به بكتيريا «Yersinia pestis». وكانت القارة قد خرجت قبله من «المجاعة الكبرى» بين عامي 1315 و1317، بعد أن تسبب طقس بارد ممطر ومستمر في مطلع القرن الرابع عشر بفشل زراعي واسع وجوع. ثم أدّت الوفيات الجماعية والاضطراب الاجتماعي إلى هجر مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية.
وجد التحليل تراجعاً عاماً في التنوع الحيوي. يقول غوردون: «وجدنا تراجعاً في التنوع الحيوي بشكل عام، لكن هذا التراجع كان مدفوعاً بتلك المناظر الطبيعية التي انخفض فيها الإنتاج الزراعي».
ويفصّل الأرقام قائلاً: «في تلك المناظر الطبيعية التي انخفض فيها الإنتاج الزراعي، حدث انخفاض في التنوع الحيوي بنحو 40%. ثم بعد نحو 150 عاماً، مع بدء تعافي السكان وعودة الاضطرابات في المشهد الطبيعي إلى الازدياد، ارتفع التنوع الحيوي إلى مستوى يزيد قليلاً على ما كان عليه قبل ذلك». ولم يبدأ تعافي أعداد السكان الأوروبيين إلا في القرن السادس عشر، وفي هذه الورقة عرض لتاريخ ذلك التعافي.
لماذا كان الفلاحون جزءاً من المعادلة؟
تتحدى النتيجة تصوراً شائعاً عن علاقة الإنسان بالطبيعة. فقد وصف إيرل إيليس، عالم الزراعة البيئية في جامعة ميريلاند، مقاطعة بالتيمور (صفحته)، تصوراً عن «عالم مستقر وبِكر لا يؤدي دخول البشر إليه إلا إلى نتيجة واحدة: خسارة صافية في الأنواع وتجانس». ويضيف: «علماء البيئة القديمة كانوا يعرفون دائماً أن القصة أكثر تعقيداً بكثير».
أما تفسير غوردون فيقوم على طبيعة المشهد في العصور الوسطى: «كانت هناك كل هذه الأنواع المختلفة من الزراعة تعمل داخل المشهد الطبيعي نفسه». ويتابع: «في ذلك المشهد، كانت هناك الكثير من الميزات الطبيعية التي بقيت من منتصف الهولوسين أو بدايته (الذي بدأ بعد العصر الجليدي الأخير قبل نحو 12,000 عام)».
ويضيف: «كانت هناك بقايا غابات قديمة، وأراضٍ جرداء مكسوّة بالخلنج، وبرك، وأجزاء من غابات ثانوية. وكل ذلك كان متداخلاً مع هذه الفسيفساء الزراعية، وهذا أدى إلى ارتفاع التنوع الحيوي لأن هناك موائل أكثر يمكن لأنواع نباتية مختلفة أن تستفيد منها».
وإلى هذا المعنى يشير إيليس حين يتحدث عن أن التشكيل الثقافي الطويل الأمد للمناظر الطبيعية قد يخلق موائل متنوعة، فيصفها بأنها «فسيفساء». والموائل المتنوعة تدعم عدداً من الأنواع أكبر مما تدعمه المناظر البسيطة المتجانسة.
ماذا يعني ذلك للزراعة اليوم؟
الأرقام المعاصرة تجعل المقارنة مُلحّة. فبحسب بحث منشور في مجلة «ساينس»، تراجع التنوع الحيوي العالمي بما يصل إلى 11% خلال القرن العشرين، وتُعدّ تغيّرات استخدام الأراضي والتلوث وتغيّر المناخ من محركاته الرئيسية. وتربط أبحاث أخرى، منها دراسة في «بلوس وان»، بين الزراعة الأحادية، أي زراعة نوع واحد من المحاصيل على مساحة واسعة، وانخفاض التنوع الحيوي.
يرى باتريك روبرتس، مدير قسم التطور المشترك لاستخدام الأرض والتحضّر في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الجيولوجية (صفحته)، أن الدراسة تكشف أمراً مهماً. يقول: «ما يسهم به هذا العمل في إظهاره هو أنه، حتى وقت قريب نسبياً، وحتى في أوروبا، كانت تُمارس أشكال مختلفة جداً من إدارة الأرض والتفاعل معها عمّا هو موجود اليوم».
ويضيف: «بدلاً من الزراعة الأحادية أو المزارع الكبرى أو التغييرات الموحّدة في المناظر الطبيعية التي نراها في القرنين العشرين والحادي والعشرين، كان التركيز ينصبّ على الحفاظ على "الفسيفساء"». ويخلص إلى أنه «في الدراسة يمكننا أن نرى كيف تغيّرت العلاقات بين الناس والتنوع الحيوي عبر الزمن، وكيف يمكن للناس أن يستخدموا المناظر الطبيعية بنشاط مع الحفاظ على التنوع الحيوي ووظائف النظم البيئية المختلطة».
هل يكفي عدد الأنواع؟
يلفت غوردون إلى أن عدّ الأنواع النباتية لا يروي القصة كلها. فهو يقول: «هناك الكثير من أنواع التنوع الأخرى، لا عدد الأنواع فقط، بل ما تفعله الأنواع المختلفة الموجودة». ويقول في هذا السياق إنه في المناظر المتجانسة «يكون لديك تنوع وظيفي منخفض».
والتنوع الوظيفي، كما يوضح، «بالغ الأهمية لكيفية تكيّف النظم البيئية مع تغيّرات المناخ ومدى صمودها، وهذا ما نحتاجه لتحصين نظامنا الزراعي للمستقبل».
حدود النتائج وما بعدها
من الضروري التمييز هنا بين ما تقوله الدراسة وما لا تقوله. فهي تقرأ ماضياً بعيداً من خلال حبوب لقاح محفوظة في مواقع في فرنسا وجنوب غرب المملكة المتحدة والألب السويسرية، ولا تختبر سياسة زراعية حديثة. وما تقدّمه الدراسة هو دليل تاريخي على أن الأراضي التي بقي فيها استخدام بشري متنوع حافظت على تنوع أعلى مما حافظت عليه الأراضي التي هُجرت، وأن الفسيفساء الزراعية قد تكون إحدى أدوات حماية التنوع الحيوي.
أما السؤال المفتوح فيحدده غوردون نفسه: يحتاج الباحثون إلى مزيد من الدراسات حول أثر غياب الإنسان عن المناظر الطبيعية في حقبة الطاعون على الطبيعة. وسيحدد ما ستكشفه هذه الدراسات إلى أي مدى يمكن نقل دروس الفسيفساء الزراعية في العصور الوسطى إلى حقول اليوم.
أخبار ذات صلة

عودة عينات من قمر المريخ: داخل مهمة اليابان الجريئة MMX

علماء الفلك يطلبون مساعدتك في البحث عن الثقوب السوداء المفقودة في درب التبانة

رواد أرتيميس الثانية يفوزون بميدالية Stephen Hawking في مهرجان Starmus
