وورلد برس عربي logo

اكتشاف ديناصور ديبلودوكس يعيد رسم خريطة التاريخ

اكتشاف حفريات ديناصور Diplodocus في شرق إسبانيا يوسع خريطة انتشاره خارج أمريكا الشمالية ويكشف عن جسور برية قديمة عبر المحيط الأطلسي تفسر انتقاله بين القارات ويعزز فهمنا لتاريخ الحياة القديمة على الأرض وورلد برس عربي.

ديناصور Diplodocus العملاق ذو العنق الطويل يمشي في بيئة مستنقعية مطرية في شرق إسبانيا خلال العصر الجوراسي.
تتوافق الفقرات الأربعة عشر وعدد من الأشكال الشبيهة بالرموز المثلثة التي وُجدت في إسبانيا مع تشريح الديناصور ديبلودوكس.
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قبل مئةٍ وخمسين مليون سنة، كان ديناصورٌ عملاقٌ يجوب الأراضي التي باتت اليوم شرق إسبانيا، تماماً كما كان يجوب القارة الأمريكية الشمالية في الوقت ذاته. لم يكن هذا معلوماً حتى الخامس عشر من سبتمبر 2026، حين نشرت مجلة «Journal of Vertebrate Paleontology» اكتشافاً يُعيد رسم خريطة انتشار أحد أشهر الديناصورات في تاريخ علم الحفريات: الـ Diplodocus، ذلك الزاحف العملاق ذو العنق الطويل والذيل الجلدي الأشبه بالسوط، الذي كان يُعتقد حتى الأمس القريب أنه لم يطأ قط خارج أمريكا الشمالية.

الاكتشاف جاء من موقع «La Tejería» قرب قرية El Castellar في مقاطعة Teruel بشرق إسبانيا، وهو موقع تشرف عليه مؤسسة Dinópolis للأبحاث الحفرية. ما عثر عليه الباحثون ليس قطعةً عابرة، بل أربع عشرة فقرة ذيلية محفوظة بشكل جيد، إضافةً إلى عدد من العظام الشعاعية (chevrons) التي تُكمل الصورة التشريحية. وتكشف هذه العظام عن سمتَين تشريحيتَين مميّزتَين لجنس Diplodocus: تجاويف كبيرة كانت تحتوي على أكياس هوائية، وأخاديد عميقة على عظام الذيل وهي علامات لا تُخطئها عين عالم الحفريات.

كيف بدأت القصة؟

يروي Alberto Cobos، المدير التنفيذي لمؤسسة Dinópolis، لحظة الاكتشاف بنبرة من يتذكّر يوماً فارقاً: "في ذلك اليوم بالذات، توجّهت إلى الموقع قرب El Castellar. وفعلاً، رأينا مركزَين فقريَّين لديناصور من السوروبودات." لم يكن واضحاً في البداية أنّ الأمر يتعلق بـ Diplodocus تحديداً، وهو ما يستدعي عادةً دراسةً تشريحية مقارنة مضنية.

يصف Sergio Sánchez Fenollosa، طالب الدكتوراه في المؤسسة المشتركة للحفريات Teruel-Dinópolis، مسار التحليل بعبارة تختصر شهوراً من العمل: "كانت عمليةً مثيرةً ومتواصلة من رؤية قطع الأحجية تتشكّل تدريجياً." وحين بدأت نتائج الدراسة التشريحية تتراكم، بات الاستنتاج لا مفرّ منه: "منذ المراحل الأولى للدراسة العظمية، لاحظنا تشابهات قوية مع عدد من السوروبودات من الفصيلة الدبلودوكية... ومع كل نتيجة جديدة، كانت الصورة تتّضح أكثر: كنّا أمام Diplodocus."

يُقدّر الباحثون أن الحيوان كان يبلغ نحو 25 متراً في الطول ما يعادل 82 قدماً وهو ما يجعله مقارباً في حجمه لأقاربه الأمريكيين الشماليين. يقول Cobos: "كان Diplodocus من El Castellar يبلغ نحو 25 متراً في الطول، ما يجعله واحداً من السوروبودات العملاقة في الجوراسي الإسباني." غير أن الفصيلة الدقيقة للنوع لا تزال غير محدّدة، إذ لا يكفي الهيكل الجزئي المكتشف للبتّ في هذه المسألة.

ديناصورات Diplodocus العملاقة ذات العنق الطويل في بيئة غابية قديمة تمثل اكتشافًا جديدًا في شرق إسبانيا يعيد رسم خريطة انتشارها.
Loading image...
يكشف اكتشاف أحافير جديدة أن الديناصور ديبلودوكس، ذو الرقبة الطويلة الذي عاش في أواخر العصر الجوراسي قبل 150 مليون سنة، لم يكن يعيش فقط في أمريكا الشمالية. (حقوق الصورة: Warpaintcobra عبر Getty Images)

جسر بري عبر المحيط الأطلسي

الأهمية الكبرى لهذا الاكتشاف لا تكمن فقط في العثور على حفرية نادرة، بل في ما تعنيه جيولوجياً وبيولوجياً. كيف وصل Diplodocus إلى أوروبا إذا كان موطنه الأصلي في أمريكا الشمالية؟ الإجابة تعود إلى ما بين 195 و170 مليون سنة مضت، حين كانت قارة Pangaea العملاقة تنشطر، وكان المحيط الأطلسي في طور تشكّله الأول ضيّقاً بما يكفي ليترك جسوراً برية تصل بين القارات.

يُشير الباحثون تحديداً إلى جسر بري محتمل كان يربط منطقة Newfoundland الكندية بشبه الجزيرة الإيبيرية، وهو ما تدعمه دراسات جيولوجية منشورة. ويؤكد Sánchez Fenollosa أن هذا التفسير لا يقوم على الحفريات وحدها: "هذا التفسير مدعومٌ ليس فقط بالسجل الحفري، بل بالأدلة الجيولوجية أيضاً." وتُذكّر هذه الجسور البرية بظاهرة مماثلة أكثر شهرةً، هي جسر بيرينغ البري الذي أتاح هجرة الحيوانات والبشر لاحقاً بين آسيا وأمريكا الشمالية.

قبل هذا الاكتشاف، كانت حفريات Diplodocus محصورةً كلياً في تكوين Morrison الجيولوجي في غرب الولايات المتحدة، وهو أحد أغنى التكوينات الحفرية في العالم من حيث تنوّع ديناصورات أواخر العصر الجوراسي. وقد عُرف Diplodocus منذ مطلع القرن العشرين حين عُرضت حفرياته لأول مرة في متحف Carnegie للتاريخ الطبيعي في Pittsburgh؛ بل أُرسلت نسخ طبق الأصل من هياكله إلى متاحف حول العالم، بما فيها إسبانيا لكن الحفريات الأصلية ظلّت حكراً على القارة الأمريكية حتى اليوم.

ماذا يعني هذا لعلم الحفريات؟

يضع Sánchez Fenollosa الاكتشاف في سياقه العلمي الأوسع بعبارة تعكس روح البحث العلمي في أفضل صوره: "الدراسات الحفرية كهذه تساعدنا على فهم تاريخ الحياة على الأرض بشكل أعمق، وإعادة تركيب الأنظمة البيئية القديمة، وفهم كيف تغيّرت عبر الزمن." وهو يُقرّ في الوقت ذاته بأن الاكتشاف يفتح أسئلة أكثر مما يُغلق: "هذا الاكتشاف يذكّرنا بأنه حتى بالنسبة لديناصورات بهذا الشهرة، لا تزال ثمة أسئلة كثيرة بلا إجابة حول تاريخها التطوري وجغرافيتها الحيوية."

الدراسة المنشورة كاملةً في مجلة Journal of Vertebrate Paleontology تُمثّل خطوةً أولى في مسار بحثي طويل. فالنوع الدقيق لهذا الـ Diplodocus الإسباني لا يزال مجهولاً — هل هو نوع معروف من أمريكا الشمالية هاجر إلى أوروبا، أم أنه نوع مستقل لم يُوصف بعد؟ يُجيب Sánchez Fenollosa بوضوح: "ستكون العيّنات الأكثر اكتمالاً ضرورية لفهم هذه القصة بتفاصيل أدق، ولتحديد أي نوع من Diplodocus سكن أوروبا: هل كان نوعاً معروفاً من أمريكا الشمالية أم نوعاً غير معروف من قبل؟"

بمعنى آخر، ما اكتُشف في Teruel ليس نهاية قصة، بل فصلها الأول. وشبه الجزيرة الإيبيرية، التي طالما استقبلت نسخاً مستنسخة من هيكل Diplodocus في متاحفها، باتت اليوم تحمل في تربتها شاهداً أصيلاً على أن هذا الكائن العملاق لم يكن ضيفاً بالصورة فحسب، بل ربما كان ساكناً حقيقياً.

أخبار ذات صلة

Loading...
جسم Chariklo الفضائي الصغير محاط بحلقات رقيقة تدور بين كوكبي زحل وأورانوس في الفضاء مع خلفية مجرة درب التبانة.

حلقات غامضة ومتغيّرة لجسم غريب بين زحل وأورانوس يكشفها تلسكوب جيمس ويب

اكتشف تلسكوب James Webb تغيرات مذهلة في حلقات Chariklo بين زحل وأورانوس، مما يعيد تعريف فهمنا لتشكّل الحلقات الفضائية. تابع التفاصيل واكتشف أسرار الكون الخفية الآن!
علوم
Loading...
صاروخ ستارشيب العملاق ينطلق من منصة إطلاق في تكساس ضمن أول رحلة مدارية حقيقية تحمل أقمار ستارلينك V3 الجديدة.

إطلاق Starship القادم من SpaceX في 22 سبتمبر بهدف الوصول للمدار للمرة الأولى

تستعد SpaceX لإطلاق صاروخ Starship في أول رحلة مدارية حقيقية تحمل أقمار Starlink V3 المبتكرة لتعزيز سرعة الإنترنت عالمياً. اكتشف تفاصيل الرحلة وتطورات الفضاء القادمة الآن!
علوم
Loading...
صاروخ Starship العملاق من SpaceX واقف على منصة الإطلاق في تكساس استعداداً لأول مهمة مدارية تحمل أقمار ستارلينك تشغيلية.

إطلاق Starship نحو المدار: SpaceX تحدد موعد الرحلة الأسبوع القادم

تستعد SpaceX لإطلاق Starship في مهمة تاريخية لنشر 26 قمراً صناعياً في مدار الأرض وجمع بيانات حيوية عن الدرع الحراري. اكتشف تفاصيل الرحلة وكن جزءاً من مستقبل الفضاء الآن!
علوم
Loading...
رسم بياني يوضح استقرار معادن أكسيد الحديد المائي Fe5O12Hx وFe7O12Hx في أعماق الوشاح الأرضي تحت ضغوط ودرجات حرارة عالية، مع تأثيرها على دورة الماء العميقة.

المياه المخفية تحت الأرض: احتياطيات ضخمة على عمق ألفي كيلومتر

هل تعلم أن كميات هائلة من الماء مخبأة في أعماق الأرض داخل معادن حديدية مستقرة؟ اكتشف كيف يساهم هذا الماء في حركة الصفائح وتنظيم المناخ، واطلع على أسرار دورة الماء العميقة تحت الأرض. اقرأ المزيد الآن!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية