انهيار الفحم وصعود الطاقة النظيفة في أمريكا
قرار قضائي يوقف تمديد تشغيل محطة فحم قديمة في ميشيغان ويكشف أن الطاقة الشمسية والرياح باتت أرخص وأسرع من الفحم والغاز الطبيعي رغم التحديات السياسية والجمركية مع استمرار التحول نحو طاقة أنظف في أمريكا وورلد برس عربي

في 11 سبتمبر، رفضت محكمة اتحادية أمريكية أمراً كانت إدارة ترامب قد أصدرته لإبقاء محطة فحم متقادمة في ولاية ميشيغان عاملة رغم موعد تقاعدها المقرر. القرار الرابع من نوعه بحسب بيانات صندوق الدفاع البيئي كان يكلّف المستهلكين 600 ألف دولار يومياً. الرقم بحدّ ذاته لا يغيّر مسار الطاقة في الولايات المتحدة، لكنّه يختصر التوتر القائم بين قرارٍ سياسي واحد ومنطقٍ اقتصادي أوسع يتحرّك في الاتجاه المعاكس تماماً.
هذا المنطق الاقتصادي بات صعب التجاهل: منذ عام 2015، كانت غالبية القدرة التوليدية الجديدة المضافة إلى الشبكة الأمريكية من مصادر نظيفة، ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، يُتوقّع أن توفّر الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات هذا العام 93% من القدرة الكهربائية الجديدة المضافة في البلاد. المفارقة أنّ هذا التوسّع يحدث في وقتٍ لا يزال فيه الوقود الأحفوري يولّد 57% من الكهرباء الأمريكية، مقابل 43% فقط من مصادر نظيفة وهي الفجوة التي تفسّر لماذا يبدو التحوّل، رغم سرعته النسبية، بطيئاً حين يُقاس بحجم النظام القائم أصلاً.
الفحم: معادلة تكلفة لم تعد قابلة للدفاع
تراجعت صناعة الفحم الأمريكية بنسبة 43% منذ عام 2010، وفق تحليل مؤسسة Energy Innovation، رغم أنّه لا يزال يولّد نحو سُدس الكهرباء في البلاد. المشكلة التي تواجه أي محاولة لإطالة عمر هذا القطاع ليست سياسية بقدر ما هي حسابية: إبقاء 99% من محطات الفحم الأمريكية عاملة يكلّف أكثر من استبدالها بالطاقة الشمسية والرياح وأنظمة التخزين، بحسب تقرير «تقاطع تكلفة الفحم» الصادر عن Energy Innovation. حالة ميشيغان، بهذا المعنى، ليست استثناءً بقدر ما هي محاولة سياسية لعكس اتجاهٍ اقتصادي راسخ وهي محاولة اصطدمت، هذه المرّة، بقرار قضائي.
الغاز الطبيعي: المنافس الأخير يخسر الأرضية تدريجياً
إذا كان الفحم قد خرج عملياً من دائرة المنافسة، فإنّ الغاز الطبيعي لا يزال يمثّل الجزء الأكبر من الانبعاثات المتبقية في قطاع الكهرباء الأمريكي. لكن الإشارة الأضعف هنا تستحق التوقف: الطاقة الشمسية المقترنة بالبطاريات باتت أرخص بناءً وتشغيلاً من محطة غاز جديدة، حتى دون احتساب الإعفاءات الضريبية، وفق تحليل PV Magazine USA. وقد ضاعفت صناعة الطاقة الشمسية الأمريكية معدّل بنائها السنوي ثلاث مرّات خلال ست سنوات، بحسب بيانات الرابطة الأمريكية لصناعات الطاقة الشمسية (SEIA).
المدافعون عن استمرار الاعتماد على الغاز يستندون إلى حجج لا يمكن تجاهلها: طلب متصاعد من الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والكهربة المتوسّعة، إضافة إلى انتهاء صلاحية إعفاءات ضريبية ورسوم جمركية مفروضة على الألواح الشمسية والبطاريات. وقد شهدت مقترحات إنشاء محطات غاز لخدمة مراكز البيانات ارتفاعاً حاداً، وفق بيانات Global Energy Monitor. لكن أكثر من ثلاثة أرباع هذه المشاريع لا تزال في مراحلها الأولى، وكثيرٌ منها متأخر عن جدوله الزمني، فيما تمتد قوائم انتظار توريد التوربينات الغازية حتى مطلع عقد الثلاثينيات، بحسب تقرير Utility Dive. في المقابل، يمكن بناء محطات شمسية وبطاريات جديدة في أقل من عامين، وفق بيانات SEIA حول سرعة النشر ما يجعل الطاقة الشمسية والبطاريات، عملياً، الاستجابة الأسرع والأرخص لأي طفرة في الطلب على الكهرباء، وفق تحليل Utility Dive.
السياسة تُبطئ ولا توقف
الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب تجعل الأمريكيين يدفعون أكثر مقابل الطاقة النظيفة، فيما يستمر مسار الانخفاض العالمي في أسعار المكوّنات الشمسية مع كل مصنعٍ جديد ولوحٍ يُركَّب أرضية سعرية عالمية آخذة في التراجع بشكل تراكمي، بحسب تحليل Carbon Brief. هذا التراكم يفسّر جزئياً لماذا يمكن للسياسة الفيدرالية أن تُبطئ وتيرة نشر الطاقة النظيفة، لكنّها لا تستطيع إيقاف التحوّل السوقي بالكامل.
ارتفاع أسعار الكهرباء بات قضية مركزية في الانتخابات النصفية هذا العام، وفق تحليل مؤسسة بروكينغز وهو ما قد يدفع سياسيين يركّزون على القدرة الشرائية للانحياز إلى الطاقة النظيفة باعتبارها الخيار الأرخص لتزويد المنازل بالكهرباء. القوى السوقية، بهذا المعنى، ستواصل دفع التحوّل بغضّ النظر عمّن يشغل البيت الأبيض.
من الشبكة المركزية إلى سطح المنزل
ما قد لا يظهر في العناوين التي تتابع سياسات واشنطن هو أنّ جزءاً مهماً من معادلة التحوّل بات يُحسم على مستوى الولايات والمنازل، لا البيت الأبيض. في ألمانيا، ركّب أكثر من مليون منزل ألواحاً شمسية "شرفية" (balcony solar) تُوصَل مباشرة بمقابس الحائط دون الحاجة إلى تصاريح أو أوراق رسمية من شركات المرافق، بحسب بيانات Photon. في الولايات المتحدة، قنّنت ولاية يوتا هذا العام الماضي هذا النوع من الطاقة الشمسية القابلة للتوصيل المباشر، وفق تقرير PV Magazine USA، فيما أقرّ برلمان ولاية كاليفورنيا مؤخراً تشريعاً مماثلاً، بحسب تقرير نيويورك تايمز.
هذه الأنظمة، إلى جانب بطاريات منزلية قابلة للتوصيل المباشر، تتيح للأسر توليد الطاقة النظيفة وتخزينها محلياً. والفكرة الأعمق هنا تتجاوز التوليد إلى إعادة توزيع الاستهلاك: الطاقة الشمسية توفّر كهرباء وفيرة ومنخفضة التكلفة عند منتصف النهار، حين تكون الشبكة خالية عملياً من الوقود الأحفوري، وفق تحليل The Atlantic. سخّانات المياه الكهربائية يمكن أن تخزّن الطاقة عبر تسخين المياه ظهراً لاستخدامها لاحقاً، ومضخّات الحرارة يمكن أن تبرّد أو تدفّئ المنازل مسبقاً قبل المساء، وشحن السيارات الكهربائية في أماكن العمل يمكن أن يجعل التنقلات اليومية مدعومة كلياً بالطاقة الشمسية.
الولايات قادرة على جعل كهرباء منتصف النهار رخيصة أو مجانية، ودفع حوافز للأسر مقابل تحويل استهلاكها إلى هذه الفترة، فيما يمكن للمدن استخدام قوانين البناء لجعل الأجهزة الكهربائية المرنة الخيار الافتراضي عند الاستبدال. هذه الإجراءات، إذا طُبّقت، يمكن أن تخدم طلباً متنامياً على الكهرباء باستخدام الشبكة القائمة نفسها، دون الحاجة الملحّة إلى بناء قدرة توليدية إضافية ضخمة.
ثلاثة سيناريوهات لسرعة التحوّل
الأرجح أن يستمر النمط الحالي: تباطؤ محلي مؤقت ناتج عن رسوم جمركية وقرارات سياسية فردية كحالة ميشيغان، مقابل استمرار الانخفاض العالمي في تكاليف الطاقة الشمسية والبطاريات، بحيث تبقى حصّتها من القدرة الجديدة قريبة من مستوياتها الحالية أو أعلى قليلاً.
المحتمل أن يتسارع التحوّل إذا تحوّلت أسعار الكهرباء المرتفعة إلى ضغط انتخابي فعلي يدفع مشرّعين في ولايات إضافية نحو تشريعات مشابهة لتجربتي يوتا وكاليفورنيا، إلى جانب تعثّر أوسع في مشاريع الغاز المرتبطة بمراكز البيانات بسبب قوائم انتظار التوربينات الممتدة نحو 2030.
الأقلّ احتمالاً أن تنجح إجراءات فيدرالية إضافية في إطالة عمر محطات الفحم أو تثبيط الاستثمار الشمسي بما يكفي لعكس الاتجاه العام؛ فحتى القرار القضائي في ميشيغان يشير إلى أنّ الأدوات القانونية والاقتصادية معاً باتت تقف في وجه أي محاولة لإبطاء هذا المسار. المحلّلون يصفون تحوّلات الطاقة عادة بأنّها موجات تنحسر ثم تعود أقوى والسؤال المفتوح هو ما إذا كانت الموجة القادمة ستُقاد من واشنطن، أم من ملايين القرارات الصغيرة على أسطح المنازل وفي مجالس الولايات.
أخبار ذات صلة

الرئيس ترامب يستقبل الرئيس التنفيذي لـ Anthropic على العشاء

تحديات وفرص الطاقة النظيفة في المناطق الريفية بأمريكا

برنامج الأبراج الحدودية الأمريكية: نائب في الكونغرس يطالب بإلغاؤه
