فقدان عبد الله قصة ألم وصمود في غزة
في ظل الحرب، يروي الأب قصة مؤلمة عن ابنه عبد الله الذي فقده في قصف إسرائيلي. يسلط الضوء على لحظات الحب والأمل في زمن الصراع، ويُظهر كيف يمكن للذكريات أن تبقى خالدة رغم الفقد. تجربة إنسانية مؤثرة.

ذكريات مع عبد الله قبل الحرب
في الطابق العلوي في منزل والدي في حي تل السلطان في غزة، وهي منطقة صنّفتها إسرائيل "منطقة آمنة" غرب مدينة رفح، أتذكر رؤية ابني عبد الله قبل بضعة أشهر فقط من عيد ميلاده الثالث عشر.
في ذلك اليوم من أواخر عام 2023، أي بعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب، كان في المطبخ يعد كوبًا من الشاي. كان في يده علبة بسكويت مملح اشتراها للتو من متجر محلي.
قال لي "أبي، هل تريد مشاركتها معي؟" فأجبته "شكراً يا حبيبي. أنا أفضل البسكويت الحلو في الصباح."
قال: "لكنك ستحب هذا". "جرب واحدة."
أخذت قطعة منه. "أنت على حق." أخبرني أن أخبره عندما أريد المزيد، وسيحضر لي بعضاً منها من المتجر.
في الليلة السابقة، كان عبد الله قد ذهب إلى الفراش جائعًا. كان الخبز والدقيق قد انقطع عن الأسواق بعد أن أمر وزير الدفاع الإسرائيلي بفرض حصار كامل على غزة، ومنع دخول المواد الغذائية والوقود وجميع السلع.
في تلك الليلة، عقدنا اجتماعًا عائليًا كبيرًا ضم أكثر من 15 طفلًا، وقسمنا رغيفين من الخبز بينهم. أعطيت قطعة صغيرة لعبد الله وطلبت منه أن يتقاسمها مع أخته بتول. لكن كسرة الخبز لم تسدّ جوعهم، فاستيقظ عبد الله في الصباح التالي باكرًا وتوجه إلى الدكان ليشتري ما تيسر له من الطعام.
لحظة الفاجعة وفقدان الأمل
أذكر أنني كنت جالساً في غرفة المعيشة مع أطفالي الثلاثة نحتسي الشاي. بعد ذلك، أخبرني عبد الله أنه ذاهب إلى مدرسة قريبة لتبديل الأماكن مع ابن عمه براء الذي كان يمكث هناك في انتظار شحن هواتف العائلة؛ كان هذا أحد الأماكن القليلة التي يمكن فيها القيام بذلك عبر ألواح الطاقة الشمسية، بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن غزة.
يمكنني أن أتذكر اللحظة التي حدث فيها ذلك بالضبط: كان ابني محمد وابنتي بتول يجلسان على يميني، وكان عبد الله يقف أمامي مستعدًا لمغادرة المنزل.
ثم فقدت الوعي، وأظلم كل شيء. عندما فتحت عيني لست متأكداً إن كانت قد مرت بضع دقائق فقط أو أكثر رأيت محمد وبتول يصرخان ويشيران إلى عبد الله الذي كان ملقى على الأرض.
في تلك اللحظة، لم أسمع أي شيء؛ كان الصمت يخيّم على المكان، واتضح أنني فقدت قدرتي على السمع بسبب الضربة. رأيت أن جدران المنزل قد انهارت، وكانت الجثث ملقاة أمامي. كان الناس قد تجمعوا في الخارج. أومأنا إليهم أن يأتوا لإنقاذنا من تحت الأنقاض.
حملني أحدهم على السلالم المدمرة إلى الخارج. أومأت بيدي لهم أن يصعدوا إلى الأعلى وينتشلوا الأطفال المصابين.
في نقطة طبية بالقرب من منزلنا، تلقيت الإسعافات الأولية، ثم تم نقلي بسيارة إسعاف إلى مستشفى ناصر في خان يونس. حاول أخي الذي لم يصب بأذى، أن يطمئنني أن إصابات الأطفال ليست خطيرة، لكنني ظللت أقاطعه: "ماذا عن عبد الله؟"
على سرير المستشفى، أصبحت التفاصيل أكثر وضوحًا. كان منزلنا قد أصيب بصاروخ سقط من طائرة مقاتلة إسرائيلية. انفجر الصاروخ على بعد أقل من مترين من المكان الذي كنا نجلس فيه.
نجونا أنا وأطفالي بأعجوبة، على الرغم من أن زوجة أبي وعمتيّ وابن عمي وأحد الجيران استشهدوا على الفور. لم أستطع المشي، وكان جسدي مغطى بالحروق. قيل لي أن عبد الله وابنة أختي جود البالغة من العمر تسع سنوات كانا في العناية المركزة وحياتهما في خطر.
في صباح يوم 26 أكتوبر 2023، أخبرني أخي وزوج أختي اللذين كانا معي في المستشفى بالخبر الذي كنت أتوقعه: "ضاعف الله أجرك على فقدان ابنك عبد الله. وألهم قلبك الصبر".
حدقت في السقف وصليت في قلبي أن يرزقني الله الصبر والسكينة.
بعد صمت قصير، سألوني ما إذا كنت أرغب في أن يحضروا لي كرسيًا متحركًا حتى أتمكن من رؤيته للمرة الأخيرة. أخبروني أن جسد عبد الله كان مغطى بالحروق وجمجمته مكسورة. ترددت للحظة ثم قررت: "أريد أن أحتفظ بوجهه الجميل في ذاكرتي. هذا الجسد مجرد ثوب يبلى المهم أن روحه خالدة".
قلت لهم أن يذهبوا إلى جنازته. بقيت في سريري وأغمضت عيني وغطيت وجهي.
في اليوم التالي، توفيت جود أيضًا.
جاء عبد الله إلى حياتي مثل نسيم عليل ملاك مرسل إلى الأرض، يحمل رسالة سلام ونقاء، ثم سرعان ما عاد إلى موطنه الحقيقي للسلام الأبدي.
عبد الله: ملاك في حياتي
في اليومين الأخيرين قبل الهجوم، اصطحبته معي إلى شقتنا في مدينة حمد. تناولنا الغداء معًا، وتقاسمنا طبقًا واحدًا. أكل قليلاً، ثم نهض.
قلت له: "أكمل طعامك يا عبود"، مستخدماً لقباً حنوناً لابني.
فأجابني: "لقد اكتفيت هذا لك يا أبي."
بعد الغداء، قلت له "انزل والعب مع أقرانك". غادر لفترة قصيرة ثم عاد. سألته "لماذا لم تلعب يا عبود؟" أجابني أنه أراد فقط أن يجلس بهدوء في المنزل.
في اليوم التالي، سألته في الصباح: "ماذا تريد أن تتناول على الإفطار يا عبود؟"
أجابني: "ما تشاء يا بابا". أخبرته أن لدينا خيارات كثيرة: الجبن والفاصوليا والبيض، أي شيء يريده. فأجابني "اختر ما تشاء. لا مانع لديّ."
قبل سبعة أيام من الهجوم، كنت في شقتي، وكان عبود في منزل جده في رفح. أخبرته عبر الهاتف أن حوالة مالية كنت أنتظرها قد تأخرت.
فأجابني "أبي، لقد ادخرت 50 شيكل (15 دولارًا) في حصالتي. سأحضرها لك الآن حتى تتمكن من استخدامها." لم آخذ نقوده في النهاية، لكنه لم يتوقف عن الإصرار حتى وعدته بأنني سأطلبها في المستقبل إذا لزم الأمر.
كان عبود يتمتع بروح كريمة. كان قلبه الطيب يجد السعادة في العطاء. كان يشعر دائمًا بمشاعري حتى لو لم أنطق بكلمة. كان يدافع عني عندما كان إخوته يضغطون عليَّ لأحضر لهم شيئًا: "بابا يعطينا كل شيء، لا تزعجوه".
شاهد ايضاً: إيران تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالاضطرابات بينما تقول طهران إن الاحتجاجات "تحت السيطرة"
رغم صغر سنه، كان عبود سندًا حيويًا في حياتي. قبل الحرب بأسابيع قليلة، فقدت هاتفي وأنا في طريقي إلى المنزل ذات يوم. في البيت، كنت مرهقًا وغفوت ولكن عندما استيقظت بعد ساعتين، قال لي عبود بحماس "أبي، لديّ مفاجأة لك!". أخرج هاتفي من جيبه. "اتصلت بالرقم، فأجاب الرجل الذي وجدته وجاء إلى الحي وأعطاني إياه".
حياة مليئة بالشغف والإبداع
أقبل عبود على الحياة بشغف. كان يفاجئني باستمرار بقدرات تفوق توقعاتي. في إحدى المرات، كتب سيناريو لفيلم درامي مدته ست دقائق، وسجله بمساعدة إخوته، ثم قام بتحريره باستخدام جهازي.
وفي مرة أخرى، أنتج برنامجًا يحاكي نشرة أخبار فلسطينية. قام بتقسيم الأدوار مع أشقائه: كان أحدهم مراسلاً صحفياً، وآخر مصوراً، وعبود مذيعاً للأخبار.
ذات مرة اصطحبت أطفالي معي إلى مزرعة أحد الأصدقاء. استخدم عبود هاتفي لالتقاط كل تفاصيلها الصغيرة، ثم أنتج مقطع فيديو على أنغام الموسيقى. كان ابني يتمتع بحس جمالي راقٍ للغاية.
كان عبود مفعمًا بالحياة والطاقة. كان يحب السباحة وكرة القدم، وكان مدفوعًا بفضول الاستكشاف. ذات مرة، كنا جالسين على الكثبان الرملية، عندما رأى حشرة غير مألوفة. "أبي؟ هل اكتشف العلماء جميع الحشرات؟ ماذا لو لم يكتشفوا هذه الحشرة بعد؟ أريد أن أسجل اكتشافها باسمي."
فأخذ هاتفي وصوّره وسجل اسمه وتاريخ التسجيل.
قبل أسابيع قليلة من التفجير، كنت أتحدث مع أطفالي عن الديناصورات، فسألني عبود: "هل هناك حيوانات أخرى انقرضت؟"
قلت له: "نعم، هناك الماموث". طلب مني أن أشاهد فيلمًا وثائقيًا على يوتيوب حتى يتمكن من معرفة المزيد عن الماموث.
خلال حربها على غزة، قررت إسرائيل أن عبود مع أكثر من 20,000 طفل فلسطيني آخر لا يستحقون الحياة.
أطفأت إسرائيل 20,000 روح جميلة كانت تعانق الحياة ببراءة وحب وشوق للاكتشاف والإبداع.
إبادة الأطفال الفلسطينيين
إسرائيل لا تقتل الأطفال الفلسطينيين عن طريق الخطأ. إنها تقتلهم عن عمد، كجزء من استراتيجية مدروسة، لأنها ترى فيهم "تهديداً ديموغرافياً، وليس فرصة لبناء الحضارة وإثراء الحياة.
بالنسبة لأيديولوجية الإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني التي تحكم إسرائيل، يُنظر إلى قتل الأطفال على أنه أمر مبرر وليس أمرًا يستحق الاعتذار أو حتى الأسى. في مقابلة متلفزة، لم تستطع زعيمة مستوطِنة إسرائيلية بارزة أن تنطق بكلمة واحدة للتعاطف مع 20,000 طفل فلسطيني قتلتهم دولتها، على الرغم من تكرار المذيعة السؤال مرارًا وتكرارًا، وإصرارها على الإجابة.
كيف قضى الطيار الذي قتل عبود وجود بقية ذلك اليوم؟ ربما نفذ المزيد من الغارات الجوية، وقتل المزيد من الأطفال وعائلاتهم، على أمل أن يكسبه ذلك مكافآت وترقيات.
ربما، بعد انتهاء مناوبته، عاد إلى منزله إلى عائلته، أو قضى الليلة مع صديقته. ربما حضر حفلة موسيقية في تل أبيب. ربما ظهر ودودًا يربت على رأس كلب أو يمازح طفلًا.
عاش عبود حياة قصيرة في عالم لا يشبهه. دخلها بحب وبراءة ونكران ذات وكرم. لم يعش طويلاً ليكتشف قسوة هذا العالم ووحشيته. رحل قبل أن يستوعب أن الأطفال يمكن أن يُقتلوا بلا سبب.
اعتقد عبود أن هذا العالم مكان آمن، وأن والده كان قويًا بما يكفي لحمايته. لكن وحش الموت اختطف ابني من بين ذراعيّ. لم أستطع حمايته.
أنا واحد من عشرات الآلاف من الآباء والأمهات الذين تحطمت قلوبهم بفقدان أبنائهم، وهذا الانكسار لا يمكن إصلاحه.
أشعل عبود في داخلي شوقًا إلى العالم النقي الذي جاء منه. أشعل رحيله غضبي تجاه النظام العنصري الاستعماري الذي يظن أن استقراره وازدهاره يمكن أن يُبنى على جماجم الأطفال، ويسقى بدموع الأمهات والآباء.
أخبار ذات صلة

الإيرانيون يقتلون المتظاهرين: طالبة، لاعب كرة قدم، زوج وزوجة

لماذا ينبغي على ستارمر رفض عرض ترامب لـ "مجلس السلام"

إسرائيل تخطط لشن هجوم جديد على غزة في مارس
