إعصار بولو ونينيو الفائقة تهديدات المناخ المتصاعدة
إعصار بولو يتحول بسرعة مذهلة إلى فئة خامسة مدفوعاً بظاهرة النينيو الفائقة التي تسجل أرقاماً قياسية في المحيط الهادئ مخلفاً مخاطر أمطار غزيرة وفيضانات على سواحل المكسيك والمحيط الهادئ. التفاصيل على وورلد برس عربي

في أقلّ من 24 ساعة، انتقل إعصار "بولو" (Polo) من عاصفة استوائية إلى إعصارٍ من الفئة الخامسة، بلغت رياحه القصوى 180 ميلاً في الساعة (290 كم/س) يوم الثلاثاء 22 سبتمبر. هذه السرعة في التصاعد ليست حدثاً معزولاً، بل مؤشرٌ على منظومةٍ مناخية أوسع تتفاعل هذا العام في المحيط الهادئ بقوةٍ غير معتادة: ظاهرة النينيو (El Niño) التي سجّلت يوم الاثنين رقماً قياسياً بوصفها الأكثر تطرّفاً منذ بدء الرصد.
بحلول الأربعاء 23 سبتمبر، تراجع "بولو" إلى الفئة الرابعة أثناء انجرافه قبالة الساحل الجنوبي الغربي للمكسيك، لكن المركز الوطني الأمريكي للأعاصير (National Hurricane Center) وصفه بأنه "إعصار كبير وقوي للغاية". العاصفة تتحرك شمال غرباً قرب الساحل المكسيكي، ولا يُتوقّع لها أن تضرب اليابسة مباشرة غير أنّ ذلك لا يُقلّل من المخاطر المصاحبة لها.
كيف تحوّلت عاصفة عادية إلى محرّك حراري في أقلّ من يوم؟
يقول جوليان هيمينغ (Julian Heming)، الباحث في هيئة الأرصاد الجوية البريطانية (Met Office): "التكثّف السريع للأعاصير المدارية أمرٌ نشهده عدّة مرّات في السنة حول العالم". فالظاهرة ليست نادرة من حيث المبدأ، لكنّ شروطها التقنية محدّدة بدقة: "المتطلّبات الأساسية هي درجات حرارة سطح بحرٍ مرتفعة، وقصّ رياحٍ منخفض، وظروف جويةٌ علوية تسمح للهواء بالهروب بسرعةٍ من قمّة الإعصار"، بحسب تعبيره.
في حالة "بولو"، اجتمعت هذه العناصر الثلاثة معاً. عبرت العاصفة مياهاً في المحيط الهادئ أكثر دفئاً من المعتاد بشكلٍ استثنائي، مرتبطة بظاهرة نينيو قويةٍ للغاية. وفّرت هذه المياه كمّيةً كبيرة من الحرارة والرطوبة، بينما ساعدت الرياح العلوية الضعيفة الهواء الرطب على تنظيم نفسه في عواصف رعدية متماسكة. النتيجة كانت نواةً مضغوطة ومحدّدة المعالم لـ"بولو"، ركّزت الطاقة في مساحةٍ صغيرة نسبياً وهو ما يصفه هيمينغ بأنه شكّل "محرّكاً حرارياً فعّالاً" سرّع من وتيرة التكثّف.
خلاصة هيمينغ كانت مباشرة: "نموّ بولو السريع والمفاجئ شاهدٌ على هيمنة ما يُسمّى بظاهرة النينيو الفائقة لهذا العام، والتي سجّلت يوم الاثنين رقماً قياسياً بوصفها الأكثر تطرّفاً على الإطلاق، وقد ضخّمت عدداً من الظواهر الجوية المتطرّفة حول العالم".
لماذا يتحدّث العلماء عن نينيو "فائقة" هذا الموسم؟
الظاهرة بدأت تتشكّل قبالة المحيط الهادئ منذ يونيو، وهي نمطٌ مناخي طبيعي يتكرّر في المحيط الهادئ الاستوائي كل عامين إلى سبعة أعوام، ويبدأ بمياهٍ دافئة بشكلٍ غير معتاد في شرق المحيط الهادئ الاستوائي. تعتمد الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA) معياراً محدّداً لتصنيف الظاهرة: ارتفاع درجة حرارة مياه شرق المحيط الهادئ بما لا يقلّ عن 0.9 درجة فهرنهايت (0.5 درجة مئوية) فوق المعدّل، إلى جانب تغيّراتٍ متسقة في الرياح والضغط السطحي وكميات الأمطار.
تصنيفات قوة النينيو تتراوح من ضعيفة إلى قوية جداً، أمّا مصطلح "النينيو الفائقة" (Super El Niño) فهو وصفٌ إعلامي وليس تصنيفاً علمياً رسمياً، يُستخدم للإشارة إلى احترارٍ يتجاوز درجتين مئويتين فوق المعدّل الطبيعي. بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (World Meteorological Organization) رجّحت أن تصبح هذه النينيو الأقوى المسجّلة على الإطلاق، وتشير التوقّعات إلى أنّ الظاهرة قد تستمرّ حتى فبراير 2027 على الأقل أي أنّ "بولو" قد لا يكون سوى أحد المظاهر المبكّرة لموسمٍ طويل من الاضطراب المناخي المدفوع بهذه الدورة.
ما الذي يهدّد المكسيك وسواحل المحيط الهادئ الأخرى؟
رغم أن "بولو" لا يُتوقّع أن يضرب اليابسة مباشرة، فإنّ التهديد الفعلي يأتي من الأمطار الغزيرة التي يُرجَّح أن تهطل على أجزاءٍ من الساحل الجنوبي الغربي للمكسيك، مع مخاطر فيضاناتٍ مهدِّدة للحياة وانهياراتٍ طينية. كما يفرض الإعصار ظروفاً بحريةً بالغة الخطورة على طول المسار الذي يسلكه.
الأثر لا يتوقّف عند الحدود المكسيكية. فإذا تحرّك "بولو" شمالاً، تواجه ولاية كاليفورنيا الجنوبية احتمال هطول أمطارٍ غزيرة، فيما قد تشهد المناطق الساحلية تيّارات جرفٍ خطيرة وأمواجاً عاتية. هذا الترابط بين نظامٍ مداري واحد وسواحل تفصلها آلاف الكيلومترات هو أحد الآثار المضاعفة النموذجية لموسم نينيو قوي: الطاقة المخزّنة في المحيط لا تُترجَم إلى إعصارٍ واحد، بل إلى سلسلة من الأنماط الجوية المتفاعلة.
موسم أعاصير المحيط الهادئ يمتدّ من مايو حتى نوفمبر، ما يعني أن "بولو" ليس بالضرورة آخر اختبارٍ لهذا النمط من التكثّف السريع هذا الموسم، طالما بقيت شروط الحرارة والرطوبة ومجال الرياح العلوية مواتية.
إلى أين يتّجه "بولو" فعلياً؟
يبقى المسار طويل المدى للإعصار غير محسوم. يقول هيمينغ: "هناك حالياً قدرٌ كبير من عدم اليقين على المدى الطويل بشأن ما إذا كان بولو سيتحرّك بعيداً في عرض البحر أم سينعطف شمال شرقاً باتجاه المكسيك".
بناءً على هذا التقدير، يمكن رسم ثلاثة مسارات احتمالية: الأرجح أن يستمرّ "بولو" في التحرّك بمحاذاة الساحل المكسيكي دون أن يضرب اليابسة مباشرة، مع بقاء تهديد الأمطار الغزيرة والانهيارات الطينية قائماً على المناطق الساحلية القريبة. المحتمل أن ينعطف الإعصار شمال شرقاً نحو المكسيك، ما يرفع احتمالات التأثير المباشر على اليابسة ويوسّع نطاق التحذيرات. الأقلّ احتمالاً أن ينحرف "بولو" بعيداً في عرض المحيط الهادئ، بما يخفّف الضغط عن السواحل المكسيكية لكنه قد يبقي احتمال تأثّر كاليفورنيا الجنوبية بالأمطار قائماً بحسب مسار الرطوبة المصاحبة. الإشارة الأضعف هنا التي تستحق المتابعة ليست مسار العاصفة نفسها، بل استمرار قدرة هذه النينيو القياسية على تغذية أنماطٍ مماثلة من التكثّف السريع في الأشهر المقبلة، طالما بقيت مياه المحيط الهادئ محتفظة بهذا الدفء الاستثنائي.
أخبار ذات صلة

الفيضانات المدمّرة في نيبال تكشف خطر الأنهار الجليدية: أين قد تضرب الكارثة التالية؟

بركان إندونيسيا يُرصد من الفضاء في صورة يوم الفضاء

تدفق المياه إلى جراند كانيون: استعادةٌ في أسابيع لا أشهر
