أزمة الديزل في أوروبا وتأثيرها على جيوب السائقين والشركات
ارتفاع أسعار الديزل في أوروبا يضغط على ميزانيات العائلات والشركات الصغيرة ويزيد تكاليف النقل بشكل كبير مع أزمة إمدادات النفط المكرّر. تقرير يكشف حلولاً عاجلة وطويلة الأمد لتخفيف العبء وتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة وورلد برس عربي.

عندما يضطرّ سائقٌ في ألمانيا إلى دفع 30 يورو إضافية مقابل تعبئة خزّانه بالديزل بمقدار 50 لتراً، فإن المسألة لم تعد تتعلّق برقمٍ يظهر على شاشة المضخّة، بل بميزانية عائلةٍ بأكملها، وبكلفة الخضار التي تصل متأخّرة إلى المتجر لأنّ الشاحنة التي نقلتها باتت تستهلك وقوداً أغلى بكثير ممّا كانت عليه قبل اندلاع الحرب. هذا بالضبط ما يكشفه تقريرٌ حديثٌ صادر عن منظّمة Transport & Environment، يرصد أزمة اعتماد أوروبا على الديزل، وهي أزمة تتفاقم بصمتٍ منذ أشهر وتضرب المستهلك والشاحن الصغير قبل أن تظهر في أيّ خطاب سياسي.
أوروبا، بحسب التقرير، هي الاقتصاد الكبير الأكثر اعتماداً على الديزل في العالم، وهذا ليس وليد اللحظة، بل نتيجة عقودٍ من "الدَّيْزَلة" (dieselisation) التي رسّخت هذا الوقود كخيارٍ أساسي في قطاع النقل البرّي الأوروبي. اليوم يشكّل الديزل وزيت الغاز نحو 77% من استهلاك الوقود في النقل البرّي داخل الاتحاد الأوروبي، وفق بيانات Eurostat، وهي نسبةٌ تجعل أيّ اضطرابٍ في إمدادات هذا الوقود بمثابة صدمةٍ مباشرة تنتقل بسرعةٍ إلى جيب المستهلك وميزانية الشركات الصغيرة على حدٍّ سواء.
لماذا ارتفعت الأسعار الآن؟
الأسباب مركّبة، لكنّها تلتقي عند نقطةٍ واحدة: شحّ المنتجات النفطية المكرّرة. فقد أدّى الصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب تعطّل مصافٍ روسية، إلى تضييق الإمدادات العالمية من المشتقّات النفطية المكرّرة، بما فيها الديزل تحديداً. والنتيجة أنّ أسعار الديزل المكرّر ارتفعت بمعدّلٍ يفوق ارتفاع أسعار النفط الخام نفسه، وهو الخام الذي كان مرتفعاً أصلاً. بعبارةٍ أخرى: المشكلة ليست فقط في سعر برميل النفط، بل في القدرة على تحويله إلى وقودٍ جاهزٍ للاستخدام، وهذه الحلقة بالذات هي التي انكسرت.
ماذا يعني هذا لأصحاب الشاحنات وسائقي الطرقات؟
الأرقام هنا لا تحتمل اللبس. منذ بداية الحرب، ارتفعت كلفة وقود الشاحنة الألمانية بمعدّل 236 يورو إضافية أسبوعياً. وإذا ضربنا هذا الرقم في أسطول الشاحنات الأوروبي البالغ نحو 6.2 مليون شاحنة، وفق بيانات ACEA، يتّضح حجم النزيف الذي يتحمّله قطاع النقل البرّي بأكمله. فعلى مستوى القارّة، تُقدَّر الزيادة اليومية في تكاليف وقود النقل البرّي بنحو 270 مليون يورو، منها 203 ملايين يورو تعود مباشرةً إلى ارتفاع أسعار الديزل وحده.
هذه ليست أرقاماً مجرّدة تُقرأ في تقاريرٍ اقتصادية، بل كلفةٌ تتسرّب فوراً إلى صاحب الشاحنة الفردي، وإلى الشركة الصغيرة التي تعتمد على النقل البرّي لتوصيل بضاعتها، وإلى العامل الذي قد يجد نفسه أمام تخفيضٍ في الأجر أو تسريحٍ إذا لم تستطع الشركة استيعاب هذه الكلفة الإضافية. فالأسعار المرتفعة لا تعني فقط تكلفة قيادة السيارة، بل تمتدّ إلى تشغيل الآلات ونقل البضائع، أي إلى كامل سلسلة الإنتاج والتوزيع التي يعتمد عليها الاقتصاد الأوروبي.
أسطولٌ قديمٌ يزيد الأزمة تعقيداً
من المفارقات التي يرصدها التقرير أنّ 30% من أسطول السيارات الديزل في أوروبا يتجاوز عمره 15 عاماً، وهي سياراتٌ أقلّ كفاءةً في استهلاك الوقود وأكثر عرضةً لتحمّل وطأة الارتفاعات السعرية. ويقدّر التقرير أنّه إذا استمرّت علاوات أسعار الديزل حتى عيد الميلاد، فإنّ الكلفة الإضافية التي سيتحمّلها أصحاب هذه السيارات القديمة ستوازي عملياً رسوم إحلالٍ (scrappage) تُقدَّر بـ 2000 يورو. بمعنى أنّ السائق الذي لا يملك القدرة على استبدال سيارته القديمة سيدفع الفارق تدريجياً من جيبه عند كلّ تعبئة.
حلولٌ سريعة وأخرى بنيوية
يقترح التقرير مساراً مزدوجاً للخروج من هذا المأزق. على المدى القصير، يمكن لتدابير بسيطة نسبياً مثل خفض السرعة على الطرقات، وتبنّي القيادة الاقتصادية (eco-driving)، وتوسيع مشاركة السيارات أن تخفّض الطلب على الديزل بنسبة تصل إلى 15%، وهو رقمٌ ليس هيّناً في ظلّ الضغط الحالي على الإمدادات.
أمّا على المدى الأبعد، فتتركّز التوصيات على تسريع الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري: الحفاظ على طموح هدف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للسيارات بحلول عام 2030، وإنهاء مبيعات سيارات وشاحناتٍ خفيفة تعمل بالبنزين والديزل بحلول 2035. كما يدعو التقرير إلى تعزيز لائحة "المركبات المؤسّسية النظيفة" (Clean Corporate Vehicles Regulation) بأهدافٍ أكثر صرامةً لكهربة الأساطيل التابعة للشركات الكبرى، مع استبعاد السيارات الهجينة القابلة للشحن (plug-in hybrids) من هذه الحوافز باعتبارها حلاً انتقالياً غير كافٍ.
ولا يغفل التقرير البُعد المالي: إذ يوصي بتوجيه الأرباح الاستثنائية لشركات النفط نحو تمويل حماية المستهلكين من صدماتٍ نفطيةٍ مقبلة، إلى جانب اعتماد نظام رسوم مرورٍ للشاحنات مبنيّ على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بحيث تصبح الشاحنات الكهربائية أرخص تشغيلياً من نظيراتها العاملة بالديزل. كما يشدّد على ضرورة دعم الاتحاد الأوروبي للبنية التحتية لشحن الشاحنات في مرائبها ومستودعاتها.
ما الذي يستحقّ المراقبة؟
المفارقة التي يضعها هذا الملفّ أمام صانع القرار الأوروبي واضحة: كلّ يومٍ يمرّ دون إصلاحٍ بنيوي في اعتماد القارّة على الديزل هو يومٌ إضافي من الكلفة المتراكمة على السائق الفردي والشركة الصغيرة والعامل في سلسلة النقل. المسار نحو الكهربة قد يبدو بعيد المدى، لكنّ فاتورة الوقود التي يدفعها الأوروبيون اليوم بمعدّل 270 مليون يورو يومياً تجعل من التباطؤ في هذا الانتقال كلفةً باهظة الثمن، تُدفع نقداً من جيوبٍ لا تملك دائماً بدائل.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في الصحة: اختبار التكامل الحقيقي

لصوص يسرقون 4 لوحات لـ«رينوار» من متحف الريفيرا الفرنسية.. واثنتان منها لا تزالان مفقودتين".

نتائج البحث الجديدة من Google تثير غضب المستخدمين بعد امتثالها لقوانين الاتحاد الأوروبي
