وورلد برس عربي logo

أسرار صناعة البطاريات الأوروبية وتحدياتها الصناعية

تواجه أوروبا تحديات كبيرة في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية بسبب اعتمادها على الصين في المكونات الوسيطة وغياب استثمارات واضحة. قانون التسريع الصناعي قد يغير المعادلة إذا تم تطبيقه بصرامة لضمان إنتاج محلي قوي وطلب مستدام. وورلد برس عربي

خريطة توضح توزيع قدرة إنتاج خلايا البطاريات في أوروبا 2027 مع تمييز المنشآت الأوروبية والصينية والكورية وغيرها، ضمن سياق تعزيز صناعة البطاريات الأوروبية.
التصنيف:أوروبا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

رقمٌ واحد يختصر معضلة أوروبا الصناعية في عقد البطاريات: بحلول عام 2030، يمكن لخلايا الإنتاج الأوروبي أن تغطّي احتياجات السيارات الكهربائية المشمولة بقانون التسريع الصناعي (Industrial Accelerator Act)، لكن بشرطٍ واحد أن تتحقّق جميع المشاريع المخطّط لها فعلاً. هذا ما خلص إليه تحليلٌ جديد لمنظّمة النقل والبيئة (T&E)، وهو شرطٌ يحمل في طيّاته أكثر ممّا يبدو عليه ظاهرياً.

الإشارة الأضعف هنا ليست في عدد الخلايا، بل في موقعها من السلسلة. فالتحليل يشمل مشاريع "متوسّطة الثقة" ضمن حسابه، أي أنّ جزءاً من هذا التوازن المستقبلي ما زال افتراضياً أكثر منه مؤكّداً. كما أنّ افتراضات تسريع الإنتاج المعتمدة في الدراسة وُصفت بأنّها "متشائمة طوعاً" منهجية تحفظ هامش أمان، لكنها تكشف أيضاً هشاشة التوقّعات في قطاعٍ لا يزال في طور التشكّل.

من يصنع الخلايا، ومن يملك ما قبلها؟

قانون التسريع الصناعي، بصيغته الحالية المقترحة من المفوضية الأوروبية، يفرض أن تُصنَع مكوّنات البطاريات للمركبات المؤسسية داخل الاتحاد الأوروبي، بينما يُسمح للسيارات الخاصة المدعومة باستخدام مكوّنات مصنّعة في دول شريكة عبر اتفاقيات تجارة حرة (FTA). هذا التمييز بين القناتين المؤسسية والخاصة ليس تفصيلاً إدارياً؛ فالتحليل يفترض أنّ نسبة المركبات الخاصة إلى المؤسسية ستبقى كما هي اليوم، وهو افتراضٌ يحدّد حجم الطلب الفعلي على الخلايا المصنوعة محلياً.

وتشمل حسابات الطلب على الخلايا المركبات الكهربائية الخفيفة، بما فيها الشاحنات الصغيرة، التي تستخدم بالفعل خلايا أوروبية الصنع، إضافة إلى عملية إعادة توطينٍ إضافية للخلايا في المركبات المؤهّلة المجمَّعة داخل الاتحاد. التقنيتان الكيميائيتان المعتمدتان في هذا الحساب هما LFP وNMC، وكلتاهما تعتمدان على سلسلة توريدٍ متوسّطة (Midstream) ما زالت نقطة الضعف الحقيقية في المعادلة الأوروبية.

الحلقة المفقودة: pCAM وCAM

هنا تكمن المفارقة التي قد لا تظهر في عناوين الأخبار عن "استقلال البطاريات الأوروبي": حتى لو توفّرت قدرة تصنيع الخلايا، فإنّ المواد الكاثودية النشطة (CAM) وسلائفها (pCAM) وهي المكوّنات الوسيطة التي تُجمَّع لاحقاً داخل الخلايا تبقى الحلقة الأكثر هشاشة في سلسلة القيمة الأوروبية، بحسب التحليل.

الصين تسيطر على ما يصل إلى 90% من الطاقة الإنتاجية العالمية لهذه المواد، تبعاً للتركيبة الكيميائية المستخدمة، وترتفع هذه النسبة إلى 95% في حالة تقنية LFP تحديداً. في المقابل، يفتقر منتجو البطاريات الأوروبيون إلى التزامات شراء واضحة (Offtake) وإلى استثماراتٍ إضافية في منشآت CAM وpCAM. والمعادلة هنا تدور في حلقة: منشآت المواد الوسيطة تحتاج اتفاقيات شراءٍ كبيرة ومستقرة مع منتجي الخلايا الأوروبيين، وهؤلاء بدورهم يحتاجون سوق سيارات كهربائية قوية ويمكن التنبؤ بها لتبرير الاستثمار. كسر أي حلقةٍ في هذه السلسلة يُبطئ الحلقات الأخرى جميعاً.

خريطة توضح قدرة إنتاج خلايا البطاريات في أوروبا عام 2027 مع توزيع المشاريع حسب الأصل بين أوروبا، الصين، كوريا، أمريكا الشمالية، وآسيا الأخرى، مع التركيز على تحديات سلسلة التوريد الأوروبية.
Loading image...

وبينما تَعتبر T&E أنّ متطلّبات CAM الخاصة بالمركبات المؤسسية ضمن القانون قابلة للتحقيق، فإنّها تشير إلى أنّ تلبية الطلب على المركبات الخاصة تستلزم طاقة إنتاجية إضافية لم تتبلور بعد. ولهذا توصي المنظّمة بوضع حدٍّ أدنى إلزامي لنسبة "صنع في أوروبا" من سلائف المواد الكاثودية، مع فتح المجال أمام شركاء موثوقين لتعويض الفجوة.

الطلب كأداة سياسة صناعية

ما يمنح هذا الملف طابعه الاستراتيجي هو الأثر المضاعف لقواعد المحتوى المحلي على جانب الطلب لا العرض فقط. فمتطلّبات المحتوى المحلي للخلايا وCAM يمكن أن ترفع الطلب الأوروبي على البطاريات بنسبة 34% فوق خط الأساس الحالي بحلول عام 2027 وهي قفزةٌ كفيلة بإعادة تشكيل قرارات الاستثمار في القارة، إذا ما تُرجمت إلى التزاماتٍ تعاقدية فعلية.

لكن هذا التحوّل الهيكلي يصطدم بواقع السوق الحالي: الواردات الصينية من البطاريات تدخل أوروبا عملياً دون أي تعريفات جمركية تُذكر، ما يجعل أي حافزٍ تنظيمي لصالح الإنتاج المحلي يتنافس مباشرةً مع ميزة سعرية صينية راسخة. وتصف T&E المنافسة الآسيوية بأنّها "أكبر من أن تُترك لآليات السوق وحدها" وهي الفكرة التي يختصرها زافييه سول، مدير الاستثمارات المستدامة والبطاريات في المنظّمة:

"أظهرت السنوات الأخيرة، للأسف، أنّ سلسلة قيمة أوروبية قوية للبطاريات لن تُبنى من تلقاء نفسها فالمنافسة القادمة من آسيا ببساطة أكبر من ذلك. من دون قواعد ذكية من جانب الطلب لصالح مكوّنات البطاريات المصنّعة محلياً، تخاطر أوروبا بخسارة مكانتها في سباق التقنيات النظيفة. وبناء سلسلة قيمةٍ محلية وآمنة يمكن أن يضمن أمن الإمدادات، ويخلق وظائف ومرونة اقتصادية."

اختبار المصداقية يبدأ في يناير

قبل أن يُختبر قانون التسريع الصناعي نفسه، ثمّة اختبارٌ أقرب موعداً: قواعد المحتوى المحلي للسيارات الكهربائية ضمن اتفاقية التجارة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، والمقرّر دخولها حيّز التنفيذ في يناير. صانعو السيارات يمارسون ضغطاً لتأجيلها في اللحظات الأخيرة، في ما تصفه T&E بأنّه اختبار مبكر لمصداقية أجندة "صُنع في أوروبا" ككلّ فإذا تراجعت بروكسل عن موعدٍ متّفقٍ عليه مسبقاً تحت ضغط الصناعة، فإنّ الإشارة التي سيلتقطها المستثمرون في سلسلة البطاريات الأوسع لن تكون مطمئنة.

يختصر زافييه سول حجم الرهان بقوله: "يتوقّف مستقبل التنافسية الصناعية الأوروبية على سؤالٍ بسيط: هل ستأتي الوظائف عالية القيمة في التقنيات النظيفة إلى أوروبا أم تبقى في آسيا؟ سلسلة قيمةٍ محلية قوية للبطاريات يمكن أن تحقّق استقلالاً استراتيجياً وتحمي الوظائف في فترةٍ حرجة لقطاع السيارات الأوروبي، لكنّ الأمر يتطلّب إشارةً سياسية قوية عبر قانون التسريع الصناعي لإطلاق هذه الإمكانات وتقليل مخاطر الاستثمار الخاص."

ثلاثة مساراتٍ محتملة تلوح أمام هذا الملف خلال السنوات المقبلة:

الأرجح: أن تتحقّق قدرة كافية لتصنيع الخلايا بحلول 2030 مع بقاء سلائف المواد الكاثودية عنق زجاجةٍ مزمناً يحدّ من استقلالية السلسلة الكاملة.

المحتمل: أن يدفع ارتفاع الطلب بنسبة 34% بحلول 2027 باستثماراتٍ جديدة في CAM وpCAM، لكن بوتيرةٍ أبطأ من الجدول الزمني للقانون.

الأقلّ احتمالاً : أن يتسبّب تأجيل قواعد اتفاقية المملكة المتحدة، إن حدث، في تآكل الثقة بالمحتوى المحلي الأوروبي عموماً، ما يُبطئ قرارات الاستثمار في كل حلقات السلسلة دفعةً واحدة. المتغيّر الحاسم الذي لم يُحسم بعد هو مدى استعداد بروكسل لتحويل التزامٍ سياسي إلى قاعدةٍ مُلزمة، في وقتٍ لا تزال فيه المنافسة الآسيوية تتحرّك بوتيرةٍ لا تنتظر أحداً.

أخبار ذات صلة

Loading...
صفوف من الألواح الشمسية على أرض مغطاة بالثلوج أمام جبال عالية، تعكس توجه أوروبا نحو الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ألمانيا تتعهّد بإنهاء الوقود الأحفوري بحلول 2045

تتسارع أوروبا نحو الطاقة المتجددة رغم معارضة سياسية متزايدة، مع خطة ألمانيا للتخلص من الوقود الأحفوري بحلول 2045. اكتشف كيف تحمي الطاقة النظيفة المستهلكين من تقلبات الأسعار، تابع التفاصيل.
أوروبا
Loading...
مخطط يوضح ارتفاع أسعار الديزل في أوروبا منذ بداية 2025 وتأثرها بضربات على إيران، مع تجاوزها أسعار البنزين وتأثيرها على تكاليف النقل البرّي.

قارّةٌ تحت الضغط

ارتفاع أسعار الديزل في أوروبا يضغط على ميزانيات العائلات والشركات الصغيرة بسبب اعتماد النقل البرّي على الوقود الأحفوري. اكتشف أسباب الأزمة وحلولها المستقبلية لتوفير التكاليف. تابع التفاصيل الآن!
أوروبا
Loading...
تمثيل تجريدي لتدفق البيانات والذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، يبرز تعقيد التكامل بين النماذج التقنية والبيانات التشغيلية.

الذكاء الاصطناعي في الصحة: اختبار التكامل الحقيقي

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الرعاية الصحية عبر تنسيق ذكي يتجاوز الأتمتة التقليدية، مع تحديات تتعلق بتشتت البيانات وتعقيد الفوترة. اكتشف كيف يمكن للتقنيات الحديثة تحسين الإدارة الصحية. اقرأ المزيد الآن!
أوروبا
Loading...
لوحة إرشادية لمتحف رينوار في كاغن-سور-مير جنوب فرنسا، حيث وقعت سرقة لوحات فنية ثمينة من المتحف.

لصوص يسرقون 4 لوحات لـ«رينوار» من متحف الريفيرا الفرنسية.. واثنتان منها لا تزالان مفقودتين".

في سرقة جريئة لمتحف Renoir بفرنسا، اختفت لوحتان ثمينتان وسط تخطيط محكم، مما يسلط الضوء على هشاشة المتاحف الصغيرة في حماية إرثها الثقافي. اكتشف التفاصيل وتابع التحقيقات الآن.
أوروبا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية