الشاحنات الكهربائية والهيدروجين مستقبل النقل الثقيل المستدام
هل الشاحنات الكهربائية والهيدروجين قادران على إزاحة الديزل في النقل الثقيل؟ تعرف على أحدث تقنيات الشحن والتحديات التي تواجهها كبرى شركات أوروبا في سباق التحول إلى حلول نقل أنظف وأكثر استدامة مع وورلد برس عربي.

هل تستطيع الشاحنة الكهربائية أن تحلّ محلّ الديزل في الرحلات الطويلة؟ كان هذا السؤال يُعدّ ترفاً نظرياً قبل سنوات قليلة، لكنّه بات اليوم في قلب استثمارات بمليارات اليوروهات تخوضها كبرى شركات النقل الثقيل الأوروبية. في عام 2024، أطلقت Scania شاحنتها الكهربائية التي تعمل بالبطاريات ويصل مداها إلى 720 كيلومتراً، فيما أعلن تحالف يضمّ Volvo وDaimler وToyota وشركاء آخرين عن نموذج موسّع لشاحنات تعمل بخلايا الوقود الهيدروجيني. الصورة الكاملة تكشف أنّ القطاع لا يراهن على تقنية واحدة، بل يخوض رهانين متوازيين في آنٍ واحد.
720 كيلومتراً على شحنة واحدة: ما الذي صنعته Scania؟
المدى الذي أعلنته Scania ليس رقماً اعتيادياً في عالم الشاحنات الثقيلة. الوصول إليه استلزم إعادة تصميم جوهرية: تُضاف حزم بطاريات إضافية خلف المقصورة إلى جانب بطاريات مثبّتة على الهيكل، وتُوفّر حزّتا بطارية MP20 المثبّتتان على المقصورة طاقةً تبلغ نحو 356 كيلوواط ساعة. لكنّ المهندسين لم يكتفوا بحشو البطاريات؛ أعادوا تصميم مقدّمة الشاحنة لتقليل مقاومة الرياح، وهو ما يبدو تفصيلاً هندسياً صغيراً حتى تقرأ الأرقام: تقليل مقاومة الهواء يرفع المدى بنسبة تصل إلى 3%، وهذا رقم ذو وزن حين تتحدّث عن مئات الكيلومترات.
توضّح Scania في بيانها أنّ "مقاومة الرياح تمثّل حصةً أكبر من إجمالي استهلاك الطاقة في الشاحنات الكهربائية مقارنةً بنظيراتها الديزل، وبالتالي فإنّ المقدّمة الجديدة مع التصميم الجديد للبطاريات يمكن أن تُخفّض استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 3% تبعاً للمواصفات وظروف التشغيل". وتُشير الشركة أيضاً إلى أنّ "تخطيط البطاريات خلف المقصورة مع مقدّمة IVD (الأبعاد الموسّعة للمركبة) البارزة يُتيح تشكيلة مقطورة أوروبية 6×2*4 بأقصى مدى، حتى حين يتجاوز الطول الإجمالي للمركبة 16.5 متراً".
لكنّ السؤال الذي يطرحه أيّ مشغّل نقل عملي ليس المدى وحده. تُجيب Scania بصراحة: "بالنسبة لمشغّلي النقل، السؤال هو ما إذا كانت الشاحنة الكهربائية قادرةً على تغطية المسارات المطلوبة، وحمل الحمولة اللازمة، والشحن بطريقةٍ تتناسب مع جداول النقل الفعلية".
عقبة الشحن: من ساعات إلى 30 دقيقة
هنا يكمن التحدّي الحقيقي. شاحنة الديزل تملأ خزّانها الذي يتسع لنحو 200 غالون في 10 إلى 20 دقيقة وتعود إلى الطريق. الشاحنات الكهربائية كانت تستغرق ساعات في الشحن، وهو ما يجعل أيّ مقارنة بالمدى مجرّد نصف الصورة.
الجواب التقني جاء من Siemens التي طوّرت نظام الشحن بالميغاواط (MCS)، القادر على شحن الشاحنة من 20% إلى 80% في نحو 30 دقيقة. هذا ليس حلاً مثالياً بعد فالديزل لا يزال أسرع لكنّه يُحوّل المعادلة من "مستحيل عملياً" إلى "قابل للتطبيق مع توقّف الراحة الإلزامي للسائق". البنية التحتية لمحطات الشحن تبقى عقبةً مستقلة، وهي تستلزم ترقيات مكلفة لشبكات الكهرباء.
الرهان الثاني: الهيدروجين بدلاً من البطاريات
بينما تسير Scania وTesla التي أطلقت شاحنتها Semi Class 8 في الإنتاج الكبير وتخطّط لإطلاقها في أوروبا في مسار البطاريات، يراهن تحالف أوروبي واسع على الهيدروجين مساراً موازياً.
التحالف يضمّ Volvo Group وDaimler Truck وToyota Motor وBosch وAir Liquide وTotalEnergies وTEAL Mobility وMB Energy. الهدف المُعلن هو إنشاء محطات تزويد بالهيدروجين قادرة على خدمة ما يصل إلى 100 شاحنة يومياً. وقد قطعت Daimler Truck شوطاً عملياً في هذا المسار؛ إذ راكمت ما يقارب 600,000 كيلومتر بشاحنات تعمل بخلايا الوقود الهيدروجيني في أوروبا، وتخطّط لإضافة 100 شاحنة من الجيل التالي إلى السوق ابتداءً من عام 2024.
أما Volvo فتُعلن موقفها بوضوح: "تُطوّر Volvo Group محفظتها الهيدروجينية وتستثمر مبالغ كبيرة في حلول طاقة الهيدروجين، بما فيها شاحنات خلايا الوقود وشاحنات احتراق الهيدروجين، بهدف طرحها في السوق بحلول عام 2030."
الميزة الجوهرية للهيدروجين في هذا السياق هي تجنّب ترقيات الشبكة الكهربائية المكلفة؛ إذ يمكن نقله عبر خطوط الأنابيب أو الطرق، وإنتاجه في الموقع عبر التحليل الكهربائي للماء بالطاقة المتجدّدة.
الهيدروجين الأخضر: تقنية واعدة بتكلفة مرتفعة
لكنّ الصورة ليست وردية بالكامل. الجزء الأكبر من إمدادات الهيدروجين عالمياً يأتي من الغاز الطبيعي، لا من المصادر المتجدّدة. الهيدروجين الأخضر المنتَج عبر التحليل الكهربائي للماء بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح لا يزال أغلى من نظيره المنتَج من الوقود الأحفوري. سوقه ناشئة، وتنموها مرتبطة بدعم السياسات.
هنا يدخل الإطار التشريعي الأوروبي على الخط؛ يستند التحالف إلى توجيه RED III الأوروبي لتعزيز إنتاج الهيدروجين المتجدّد. وعلى المستوى الوطني، تُقدّم ألمانيا حوافز ملموسة تشمل تخفيضات في تكلفة الشاحنات، وأسعاراً تنافسية لمحطات ضخّ الهيدروجين، وإعفاءات من رسوم العبور لمركبات الانبعاثات الصفرية.
الصندوق الحكومي الألماني NOW (المنظمة الوطنية للتنقّل المستدام) يدعم محطات الوقود والشاحنات الثقيلة، ويُعلن هدفه بصراحة: "تعزيز التقنيات المبتكرة كالتنقّل الكهربائي وبنية الشحن التحتية والهيدروجين وخلايا الوقود والوقود البديل، بما يُسهم في تحقيق أهداف ألمانيا المناخية." والمؤشّر اللافت أنّ الصندوق مُكتتَب به بأكثر من طاقته حالياً، وهو ما يعكس زخماً حقيقياً في الطلب على شاحنات خلايا الوقود.
رهانان لا رهان واحد
ما يجري في قطاع النقل الثقيل الأوروبي ليس سباقاً بين تقنيتين إحداهما ستفوز والأخرى ستخسر. المشهد الأقرب إلى الواقع هو أنّ البطاريات ستُهيمن على مسارات محدّدة حيث البنية التحتية للشحن متاحة، فيما سيجد الهيدروجين مكانه في الرحلات الأطول والأثقل حيث لا تكفي البطاريات أو حيث ترقية الشبكة مكلفة جداً. الشركات الكبرى تراهن على الاثنين معاً، وهذا في حدّ ذاته رسالة.
السؤال الذي يبقى معلّقاً هو سؤال البنية التحتية: هل ستلحق محطات الشحن بالميغاواط ومحطات الهيدروجين بوتيرة انتشار الشاحنات نفسها؟ التاريخ يقول إنّ المركبات دائماً تسبق الشبكة. وما لم تُعالَج هذه الفجوة بسياسات حكومية واضحة وتمويل كافٍ، فإنّ أرقام المدى المثيرة للإعجاب ستبقى على الورق بدلاً من الطريق.
أخبار ذات صلة

إطلاق Starship نحو المدار: SpaceX تحدّد موعد المحاولة الأولى في 22 سبتمبر

Meta توسّع خدماتها المدفوعة بخطط ذكاء اصطناعي جديدة

وكلاء الذكاء الاصطناعي يحصلون على منصة للإبلاغ عن بعضهم
