الطائرات المسيّرة تنقذ نيبال وتعيد رسم الصراع الجيوسياسي
في كارثة انهيار الجليد في نيبال تستخدم طائرات صينية مسيرة لإنقاذ المحاصرين ونقل الإمدادات وسط صراع تقني وجيوسياسي مع الولايات المتحدة في جبال الهيمالايا وتوازن دقيق بين القوتين الكبرى. وورلد برس عربي

في الساعات الأولى التي أعقبت انهيار الجليد على الحدود النيبالية الصينية في 26 أغسطس 2026، لم تكن الطرق تُفضي إلى أيّ مكان. الفيضانات أغلقت الممرّات الجبلية، والطمي ملأ الأودية، وبات الوصول إلى المناطق المنكوبة رهيناً بما يستطيع أن يحلّق. هنا، أثبتت الطائرات المسيّرة الصينية الصنع أنّها أكثر من مجرّد أداةٍ تقنية فقد غدت شرياناً للحياة.
يستخدم الجيش النيبالي أربع طائرات من طراز DJI FlyCart 100، أهدتها الصين، لتنفيذ ما بين 10 و16 رحلة إمداد يومياً إلى المناطق التي عزلتها الفيضانات. وقد وزّعت هذه الطائرات 1,591 كيلوغراماً من الغذاء عبر 31 رحلة، فضلاً عن مهمّةٍ أشدّ قسوة: نقل جثث الضحايا من مناطق يتعذّر الوصول إليها برّاً.
أرقامٌ تحكي حجم الكارثة
وصل عدد الوفيات في نيبال إلى 1,369 حالة بحلول 9 سبتمبر 2026، فيما تجاوز عدد المفقودين 5,000 شخص، من بينهم 587 من الرعايا الأجانب. وأفادت الحكومة النيبالية بإنقاذ 13,646 شخصاً، بعد أن نشرت أكثر من 21,000 عنصر من الشرطة والجيش في عمليات البحث والإنقاذ. على الجانب الصيني من الحدود، سُجّل 43 قتيلاً وأكثر من 500 مفقود. وناشدت الأمم المتحدة المجتمع الدولي بتوفير 20.5 مليون دولار لدعم نحو 43,000 متضرّر.
وصف مانيش ماهارجان، طيّار الطائرات المسيّرة والمخرج السينمائي، مشاهد الأنفاق المتضرّرة بقوله إنّها كانت «مليئةً بالطين كأنبوب معجون الأسنان»، مضيفاً أنّ الطائرات الصغيرة استُخدمت داخل أنفاق محطّات الطاقة الكهرومائية بحثاً عن عمّالٍ محاصرين في ممرّاتٍ تمتلئ «بالمنعطفات والتحوّلات والتعرّجات».
الهيمالايا ساحةٌ لتنافسٍ آخر
ما قد لا يظهر في عناوين الكارثة هو أنّ الطائرات المسيّرة في نيبال باتت إشارةً في معادلةٍ جيوسياسية أوسع. منذ عام 2024، يستخدم السيربا على جبل Everest طائرات DJI FlyCart 100 وFlyCart 30 الصينية لنقل المعدّات والإمدادات على ارتفاعاتٍ قياسية، إذ تستطيع هذه الطائرات حمل ما يصل إلى 100 رطل على تلك الارتفاعات.
في المقابل، حاول فريقٌ أمريكي في 1 مايو 2026 تحليق طائرة Freefly Alta X Gen 2 من إنتاج شركة Freefly Systems فوق Everest، لكنّ السلطات النيبالية رفضت منح الإذن. وفي يونيو 2026، اختبرت شركة Airlift Technology النيبالية الطائرات الأمريكية ذاتها على جبل Ama Dablam، قبل أن تُعلن السفارة الأمريكية في يوليو 2026 عن رحلاتٍ ناجحة لنقل الأكسجين والمعدّات على الجبل نفسه. غير أنّ الفارق التقني لافت: الطائرة الأمريكية تحمل 11 رطلاً على ارتفاعات Everest، مقابل 100 رطل للطائرة الصينية وهي فجوةٌ في الأداء يصعب تجاهلها، إلى جانب الفارق في التكلفة لصالح الصينية.
وقد علّقت نيبال تحليق الطائرات الصينية مؤقّتاً قبل أن تستأنفها إثر احتجاجات، في مشهدٍ يعكس حساسية الموقف. وصف اللواء المتقاعد بينوج باسنيات هذه المعادلة بوضوح، معتبراً أنّ ما تسعى إليه نيبال هو «الحفاظ على الحياد الاستراتيجي» بين القوّتين.
ثلاثة مسارات محتملة
الأرجح، أن تواصل نيبال اعتمادها على الطائرات الصينية في عمليات الإغاثة والجبال طالما ظلّت الفجوة التقنية والسعرية قائمة، مع إتاحةٍ انتقائية للتقنيات الأمريكية في مواقع بعينها. المحتمل، أن تتحوّل قرارات منح تصاريح التحليق إلى ورقةٍ تفاوضية تستخدمها كاتماندو في علاقاتها مع بكين وواشنطن على حدٍّ سواء. الأقلّ احتمالاً، أن تُفضي المنافسة التقنية المتصاعدة إلى قفزةٍ في قدرات الطائرات الأمريكية تُعيد رسم خريطة التوازن لكنّ ذلك يستلزم وقتاً وتمويلاً لا تتّضح ملامحهما بعد.
في المحصّلة، فوق الثلوج والأودية الغارقة بالطمي، لا تنقل هذه الطائرات الغذاءَ والجثث فحسب بل تنقل أيضاً رسائل عن من يملك التقنية، ومن يحدّد شروط استخدامها.
أخبار ذات صلة

صورة الفضاء لليوم: البرق يشتعل وسط إعصار بولو الهائج

إعصار بولو: كيف تحوّل إلى قوّةٍ مدمّرة؟

الفيضانات المدمّرة في نيبال تكشف خطر الأنهار الجليدية: أين قد تضرب الكارثة التالية؟
