وورلد برس عربي logo

الروبوتات الأوكرانية تغير قواعد الحرب الحديثة

في عملية غير مسبوقة استخدمت أوكرانيا طائرات مسيرة ثقيلة لإسقاط روبوتات قتالية خلف خطوط العدو لتعطيل الإمدادات الروسية وتنظيف الألغام دون خسائر بشرية تعزز تقدمها العسكري وتغير قواعد المعركة في مواجهة موسكو وورلد برس عربي

روبوت قتالي أوكراني مزود بمعدات إزالة الألغام يتحرك على طريق ترابي بالقرب من أسلاك شائكة في منطقة نزاع دونيتسك.
يقود نظام روبوتي أرضي مركبة على طريق لتوصيل الإمدادات في 4 سبتمبر 2026 في دروجكيفكا، منطقة دونيتسك، أوكرانيا. تصوير: يان دوبرو نوسوف/صور غلوبال أوكرانيا عبر جيتي إيميجز
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في السابع والعشرين من سبتمبر 2026، نفّذ سلاح الجو الأوكراني عملية وصفها الفيلق الثالث للجيش الأوكراني بأنّها "الأولى من نوعها عالمياً" (world-first): طائرات مسيّرة ثقيلة أسقطت روبوتات برّية مفخّخة على عمق يتجاوز 6 أميال خلف خطوط الجيش الروسي، في عملية إنزال جوّي لروبوتات قتالية لم يسبق لها مثيل من حيث الطموح. الحادثة ليست مجرد تفصيل تقني في حرب طال أمدها، بل مؤشر على تحوّل جوهري في طريقة قتال أوكرانيا، بعدما باتت الروبوتات جزءاً أصيلاً من عملية عسكرية أوسع تحمل اسم "فيفالدي" (Vivaldi)، انطلقت في مايو 2026 واستعادت بحسب كييف نحو 96 ميلاً مربعاً من الأراضي، وأفشلت ما وصفه معهد دراسة الحرب (ISW) ومقرّه واشنطن بأنّه الذراع الشمالي لعملية كماشة روسية كانت تستهدف تطويق ما يسمّيه المعهد "حزام الحصون" (Fortress Belt) المدن الشرقية المحصّنة في أوكرانيا.

كيف عبرت الروبوتات خطوط الدفاع الروسية؟

الفكرة التي وقفت خلف عملية 21 سبتمبر بسيطة في جوهرها، معقّدة في تنفيذها: بدل إرسال جنود عبر تضاريس وعرة ومليئة بالدفاعات الروسية، استخدمت أوكرانيا طائرات مسيّرة ثقيلة لإسقاط روبوتات متفجّرة مباشرة خلف خطوط العدو، متجاوزةً بذلك العوائق الطبيعية والتحصينات على السواء، لتضرب خطوط الإمداد الروسية في العمق. لم تكن هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها أوكرانيا الطائرات الثقيلة لنقل روبوتات قريباً من أهدافها، لكنّ المسافة والعمق اللذين تحقّقا هذه المرة جعلا من العملية، بحسب التوصيف الأوكراني، الأكثر جرأة حتى الآن.

وبعد أيام قليلة من هذا الإنزال، دخلت الروبوتات مهمة أخرى بالغة الحساسية: تطهير أكثر من 18 ميلاً من طرق الألغام المضادة للأفراد، لتمهّد الطريق أمام هجمات المشاة. هذه المهمة، التي كانت تتطلّب تقليدياً سريّتين كاملتين من مهندسي الألغام (السپّر)، أُنجزت هذه المرّة دون تعريض أرواح بشرية للخطر. ووفق البيانات المتاحة، باتت الروبوتات التي يقودها مشغّلون عن بعد مسؤولة عن نحو 60% من عمليات إزالة الألغام في مناطق سيطرة الفيلق الثالث رقم يعكس حجم الاعتماد المتنامي على هذه التقنية في ساحة معركة باتت الطائرات المسيّرة تجعلها أكثر فتكاً يوماً بعد آخر.

ولم يتوقّف دور الروبوتات عند إزالة الألغام والاختراق خلف الخطوط؛ فهي تُستخدم أيضاً لنقل الإمدادات قرب الجبهات المهدَّدة بالطائرات المسيّرة، وإجلاء الجنود الأوكرانيين الجرحى، والدفاع عن المواقع باستخدام الرشاشات في وجه الهجمات الروسية، إضافة إلى تنفيذ هجمات انتحارية متفجّرة على المواقع الروسية. هذا التنوّع في المهام يفسّر جزئياً لماذا تراهن كييف على الروبوتات بهذا الشكل المكثّف: فهي وسيلة للتعويض عن الفارق العددي في القوى البشرية مقارنة بروسيا، دون التفريط في الفاعلية القتالية.

سرّية العملية وأثرها على قيادة موسكو

من العوامل التي ساهمت في نجاح عملية "فيفالدي" واستمرارها لأشهر دون أن تُكتشف حجم تقدّمها، السرّية التشغيلية المشدّدة التي فرضتها القيادة الأوكرانية. وبحسب تقييم صدر عن معهد دراسة الحرب في 17 سبتمبر 2026، فإنّ الوعي الروسي بما يجري على الأرض تضرّر أيضاً بفعل معلومات مضلِّلة صادرة عن قيادات عسكرية روسية، في ما وصفه المعهد بوجود "ثقافة كذب متفشّية داخل الجيش الروسي" (pervasive culture of lying within the Russian military) وهو وصف يفسّر جزئياً كيف تمكّنت القوات الأوكرانية من تحقيق مكاسب ميدانية دون أن تلتقطها القيادة الروسية في الوقت المناسب.

وإلى جانب الخداع التشغيلي، لعبت الطائرات المسيّرة الأوكرانية متوسطة المدى دوراً محورياً في إضعاف القدرات الروسية على الأرض، إذ استهدفت إمدادات الوقود الروسية، ما أدّى إلى تراجع في كمّيات الديزل اللازمة لتشغيل مولّدات أنظمة الحرب الإلكترونية الروسية. النتيجة، بحسب التقارير، أنّ أنظمة الحرب الإلكترونية الأوكرانية تمكّنت من تحييد نحو 20 ألف طائرة مسيّرة روسية، وهو ما دفع معهد دراسة الحرب إلى الحديث عمّا سمّاه "تفوّقاً تكتيكياً في مجال الطائرات المسيّرة" (tactical drone overmatch) لصالح أوكرانيا.

ماذا يحدث الآن على جبهتَي لايمان ودوبروبيليا؟

على الأرض، تتقدّم القوات الميكانيكية الأوكرانية باتجاه مدينة لايمان في إقليم دونيتسك، فيما أعلنت كييف انسحاب عناصر من وحدة "روبيكون" (Rubicon) الروسية النخبوية المتخصّصة بالطائرات المسيّرة من شمال دونيتسك، بعد خسائر لحقت بها في الطيّارين والموارد جرّاء عملية "فيفالدي"، بحسب ما نقلت صحيفة The Kyiv Independent. ومع ذلك، لا تزال روسيا توجّه مركبات مدرّعة ووحدات من "روبيكون" نحو منطقة دوبروبيليا في دونيتسك، وتُعِدّ لهجمات ميكانيكية جديدة هناك خلال فصل الخريف.

وفي محاولة للتكيّف مع التهديد المتصاعد للطائرات المسيّرة الأوكرانية، اختبرت روسيا خلال الصيف أنظمة حماية مضادة للطائرات المسيّرة على أحدث دباباتها، لكنّ هذه الحماية حقّقت نجاحاً محدوداً فقط، إذ ظلّت الطائرات المسيّرة الأوكرانية قادرة على تجاوز دفاعات الدبابات الروسية. وبشكل عام، تبنّت موسكو كثيراً من الابتكارات الأوكرانية في حرب الطائرات المسيّرة، إلى جانب تطوير بعض الأساليب الخاصة بها، فيما تستمر القوات الروسية في استهداف المدن الأوكرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة دون توقّف.

ما الذي يعنيه هذا خارج حدود أوكرانيا؟

لا تقتصر تداعيات هذه المواجهة التكنولوجية على ساحة المعركة الأوكرانية وحدها. فبحسب التقارير، وسّعت روسيا نشاطها في ما يُعرف بـ"الحرب الهجينة" (hybrid warfare) ضدّ أوروبا، ومن أبرز الأمثلة الحديثة على ذلك العثور على قارب مسيّر مفخّخ قرب موقع حيوي للغاز في عرض البحر، ومحاولة هجوم بطائرة مسيّرة استهدفت طائرة شحن أوكرانية متوقّفة في مطار لايبزيغ (Leipzig) في ألمانيا. هذان الحادثان يشيران إلى أنّ أدوات الحرب التي تُختبر وتُطوَّر على الجبهة الأوكرانية لا تبقى حبيسة تلك الجبهة، بل تجد طريقها تدريجياً إلى الأراضي الأوروبية، في تذكير بأنّ ما يحدث بين كييف وموسكو لم يعد شأناً إقليمياً محضاً.

يبقى السؤال الأهم مفتوحاً: هل ستنجح أوكرانيا في الحفاظ على هذا "التفوّق التكتيكي" في مجال الطائرات المسيّرة والروبوتات مع اقتراب فصل الشتاء، فيما تُعيد روسيا حشد قواتها وتقنياتها حول دوبروبيليا؟ الإجابة، كما تشير التطورات الميدانية المتسارعة، لن تُحسم في اجتماعات القادة السياسيين، بل في المسافة الفاصلة بين ابتكار عسكري وآخر، وفي سباق تكنولوجي بات يُعاد رسم قواعده أسبوعاً بعد أسبوع.

أخبار ذات صلة

Loading...
رجال إطفاء يواجهون حريقًا هائلًا في كييف إثر هجوم روسي بالصواريخ والمسيّرات خلال تصاعد الدخان واللهب في الليل.

الطائرات المسيّرة الروسية تستأنف قصفها على كييف وتخلّف قتيلين

في هجوم روسي مدروس على كييف وأوديسا بالصواريخ والمسيّرات، تتصاعد الحرب رغم الجهود الدبلوماسية الأمريكية. اكتشف تفاصيل الهجوم وتأثيره على المدنيين الآن. اقرأ المزيد لتعرف الحقيقة.
Loading...
رجل إطفاء أوكراني يحاول إخماد حريق ناجم عن غارة جوية روسية في مبنى مدني بمدينة دنيبرو وسط تصاعد الحرب الروسية الأوكرانية.

الضربات الروسية تودي بحياة مدنيين أوكرانيين وسط تصعيد متبادل بين موسكو وكييف

تتصاعد الحرب الروسية الأوكرانية بضربات مسيّرات وصواريخ تستهدف المدن والبنية التحتية، مع تهديدات متبادلة وتصعيد دبلوماسي. اكتشف تفاصيل الصراع وأبعاده الآن.
Loading...
امرأة تجلس وسط دمار ناجم عن قصف روسي على مبانٍ في منطقة دونيتسك بأوكرانيا، تعبيراً عن تأثير الحرب على المدنيين والبنية التحتية.

الطائرات المسيّرة الروسية تفرّغ رفوف كييف وتزعزع الثقة الأوكرانية

تتصاعد الضربات الروسية على كييف مستهدفةً البنية التحتية والطاقة والغذاء في محاولة لاستنزاف أوكرانيا قبل الشتاء. اكتشف كيف تواجه أوكرانيا هذا التحدي الصعب وتعرف على آخر التطورات. اقرأ المزيد الآن!
Loading...
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوقع مرسوماً يسمح للحكومة بالاستيلاء المؤقت على البنية التحتية الحيوية لحمايتها من الضربات الأوكرانية.

بوتين يصدر مرسوماً لتعزيز السيطرة الحكومية على المواقع الحيوية بعد هجمات أوكرانية

تشهد روسيا تصاعد الضربات الأوكرانية التي تهدد بنيتها التحتية الحيوية، ما دفع بوتين لإصدار مرسوم يسمح للدولة بالاستيلاء المؤقت لحماية المنشآت. اكتشف تفاصيل القرار وتأثيره الاقتصادي الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية