صعود اليمين المتطرف وتحديات أوروبا السياسية
صعود اليمين المتطرف في أوروبا يثير قلقاً واسعاً بعد فوز حزب البديل في ألمانيا وانتشار تأثيره في عدة دول. هل ستنجح الأحزاب التقليدية في استعادة ثقة الناخبين قبل الانتخابات الحاسمة القادمة؟ قراءة تحليلية من وورلد برس عربي.





فاز حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) بأكبر حصة من الأصوات في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت يوم الأحد، في نتيجةٍ وصفها وزير الخارجية الفرنسي Jean-Noël Barrot بأنّها انتصارٌ لـ«اليمين المتطرف النازي الجديد، المعادي لأوروبا والموالي لبوتين». لم يحصل الحزب على أغلبية مطلقة، غير أنّه بات يقف على أعتاب ما قد يكون أول حكومة ولاية يقودها اليمين المتطرف في ألمانيا منذ الحقبة النازية وهو احتمالٌ يُلقي بظلاله الثقيلة على المشهد السياسي الأوروبي بأسره.
صعودٌ لم يعد استثناءً
ما جرى في ساكسونيا-أنهالت ليس حادثةً منفردة، بل حلقةٌ في سلسلة متصلة تمتد عبر القارة. في إيطاليا، وصلت Giorgia Meloni زعيمة حزبٍ ذي جذور نيوفاشية إلى رئاسة الحكومة، وباتت تقود اليوم أكثر الحكومات الإيطالية استقراراً منذ عقود. صحيحٌ أنّها خاضت حملتها الانتخابية بخطابٍ معادٍ للاتحاد الأوروبي، إلا أنّها خفّفت من حدّة مواقفها بعد توليها السلطة وهو نمطٌ يلفت إليه الباحثون بوصفه أحد أبرز سمات هذا الجيل من الأحزاب.
في فنلندا وكرواتيا وسلوفاكيا أيضاً، بات اليمين المتطرف شريكاً في الحكم أو مؤثّراً فيه. وعلى مستوى البرلمان الأوروبي، حقّقت الأحزاب الشعبوية المعادية للهجرة مكاسب واسعة في انتخابات عام 2024، بل إنّ حزب الشعب الأوروبي ذراع يمين الوسط في القارة لجأ في وقتٍ سابق من العام ذاته إلى التنسيق مع أحزاب اليمين المتطرف لتمرير إصلاحات تتعلق بسياسات الهجرة.
هذا التحوّل يستدعي وقفةً تحليلية. تقول Sophia Russack، الباحثة في مركز الدراسات السياسية الأوروبية (Centre for European Policy Studies)، بصراحة: «ثمّة مفارقة حقيقية هنا: أنت تتشارك معهم لمنعهم من اكتساب مزيدٍ من القوة». وهي مفارقةٌ تكشف عن حجم الإرباك الذي يعيشه يمين الوسط الأوروبي في التعامل مع هذه الأحزاب.
الخريطة الأوروبية: انتصاراتٌ وانتكاسات
لكنّ المشهد ليس أحادي اللون. فالأحزاب اليمينية المتطرفة واجهت انتكاساتٍ حقيقية في أكثر من موقع. في أبريل 2024، خسر Viktor Orbán أبرز رموز اليمين القومي في أوروبا الانتخابات الهنغارية بفارقٍ كبير أمام حليفٍ سابق خاض حملته على وقع مكافحة الفساد. وفي هولندا، أقدم Geert Wilders على حلّ ائتلافه الحكومي بسبب خلافاتٍ حول سياسة الهجرة، قبل أن يُكمل مسيرته في السلطة. أمّا في المملكة المتحدة، فقد حقّق حزب Reform UK الحزب اليميني المتطرف المعادي للهجرة بزعامة Nigel Farage فوزاً لافتاً في انتخابات المجالس المحلية في مايو 2024، غير أنّه لا يحتلّ سوى 8 مقاعد من أصل 650 في مجلس العموم، وتعرّض لخسائر في عدد من الانتخابات الفرعية اللاحقة، فضلاً عن تساؤلاتٍ تحوم حول مصادر تمويله.
في إسبانيا، يمتلك حزب Vox اليميني المتطرف 32 مقعداً من أصل 350 في البرلمان، وأبرم اتفاقياتٍ حكومية مع حزب الشعب (يمين الوسط) في أربع مناطق. وقد أشعلت أزمة الحدود في سبتة موجةً من الاحتجاجات الشعبية الواسعة. في المقابل، لا يخفي رئيس الحكومة الإسبانية Pedro Sánchez قلقه، إذ علّق على نتيجة ساكسونيا-أنهالت قائلاً: «تحالفٌ حكومي تقدّمي بات أكثر ضرورةً من أيّ وقتٍ مضى».
ما يعنيه هذا لفرنسا وإسبانيا
يُحيلنا كلّ ذلك إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا بعد؟ الاختبار الحقيقي القادم يتمثّل في الانتخابات الفرنسية المرتقبة عام 2025. Marine Le Pen، زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، تُعدّ المرشّحة الأوفر حظاً لخلافة Emmanuel Macron الذي يحظره الدستور من الترشّح لولايةٍ ثالثة. وإذا ما نجحت Le Pen في الوصول إلى الإليزيه، فإنّ ذلك سيُعيد رسم موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي بصورةٍ جذرية.
الوزير Barrot لا يُخفّف من حدّة التحذير: «نحن بحاجةٍ ماسّة إلى أن نفتح أعيننا على اليأس الذي يدفع هذه الأفكار وهذه الأحزاب نحو السلطة. يمكن فعل ذلك، لكنّ هذه فرصتنا الأخيرة».
في المقابل، يرفض Jeremy Cliffe، المدير التحريري للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (European Council on Foreign Relations)، نظرةَ الحتمية التشاؤمية، ويقول: «هذه الأحزاب فانية، يمكن هزيمتها، لكنّها حين تكون في السلطة لا تكون كلّها فوضويةً وعديمة الجدوى». وهو تقييمٌ يحمل في طيّاته تحذيراً مزدوجاً: لا تستهينوا بها، ولا تُضخّموا قدرتها على تغيير كلّ شيء دفعةً واحدة.
ما يبقى مفتوحاً هو السؤال الأعمق: هل تملك أحزاب يمين الوسط والوسط اليساري في أوروبا القدرة على استعادة ثقة الناخبين الذين يجدون في اليأس الاقتصادي والاجتماعي مبرّراً للتصويت لصالح اليمين المتطرف؟ الإجابة ستُكتب في صناديق الاقتراع الفرنسية والإسبانية قبل أن ينتهي عام 2025.
أخبار ذات صلة

ناسا تحوّل 7500 متعاقد إلى موظفين حكوميين: الأسباب والآثار

غروك يشجّع ترامب على اعتقال رئيس فنزويلا.. تقرير عن ذكاء اصطناعي بلا حدود

اختراقات وكالتين فيدراليتين في شهر واحد تفضح كماً هائلاً من البيانات الحساسة
