عقوبات ترامب تعزل قضاة المحكمة الجنائية الدولية
تعرّض ثلاثة قضاة من المحكمة الجنائية الدولية لعقوبات قاسية أدت لتجميد حساباتهم المصرفية وفقدانهم التأمين الصحي، مما أثر على حياتهم الشخصية والمهنية. تعرف على تفاصيل هذه القضية التي تُعتبر هجوماً على استقلالية القضاء.

كشفت شكوى قضائية مُقدَّمة أمام محكمة فيدرالية أمريكية أن ثلاثة قضاة من المحكمة الجنائية الدولية (ICC) جُمِّدت حساباتهم المصرفية، وسُلبوا تغطيتهم الصحية، وقُطعت عنهم الخدمات المالية الأساسية، وذلك جرّاء العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب عليهم.
صدرت هذه العقوبات بموجب المرسوم التنفيذي رقم 14203 الذي وقّعه الرئيس Donald Trump في فبراير 2025، وقد امتدّت تداعياتها لتتجاوز النطاق المهني بكثير، إذ طالت حرية تنقّل القضاة الثلاثة وسلامتهم الشخصية وأسرهم وقدرتهم على إجراء أبسط المعاملات اليومية.
رُفعت الشكوى في 24 يونيو أمام محكمة المقاطعة الأمريكية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، وتصف بالتفصيل الأثر الكارث الذي خلّفته هذه العقوبات على القضاة الثلاثة: Kimberly Prost الكندية، وSolomy Balungi Bossa الأوغندية، وReine Alapini-Gansou البنينية. وقد شغل الثلاثة مناصبهم في المحكمة منذ مارس 2018.
يسعى القضاة الثلاثة عبر هذه الدعوى إلى إسقاط العقوبات المفروضة عليهم، واصفين إياها بأنها «تعادل حكماً بالإعدام المالي».
والجدير بالذكر أن هذه العقوبات فُرضت بسبب قرارات قضائية اتّخذها هؤلاء في سياق أداء واجباتهم. فقد صدر القرار بتسمية Prost وBossa بسبب مشاركتهما في حكم دائرة الاستئناف في مارس 2020، الذي أذن للمدّعي العام للمحكمة بفتح تحقيق في جرائم في أفغانستان، من بينها جرائم تتعلّق بأفراد من الجانب الأمريكي. أما Alapini-Gansou، فقد جاء تسميتها بسبب دورها عضواً في الدائرة التمهيدية الأولى التي أصدرت في نوفمبر 2024 مذكّرتَي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu ووزير الدفاع السابق Yoav Gallant بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
وصف James Goldston، المدير التنفيذي لمبادرة العدالة التابعة لـ Open Society ومحامي Prost المشارك، هذه العقوبات بأنها «هجوم غير مسبوق على استقلالية القضاء»، وقال: «إنهم يحاولون دفع القضاة إلى الامتناع عن إصدار أحكامهم استناداً إلى الوقائع والقانون، وإجبارهم بدلاً من ذلك على مراعاة مصالحهم الشخصية أي التهديدات التي تطال رفاههم المالي والشخصي جرّاء هذه العقوبات».
حسابات مجمّدة وبطاقات ملغاة
بالنسبة لـ Prost، أسفرت العقوبات عن تفكيك شبه كامل لكل أدواتها المالية الاعتيادية. فقد جُمِّد حسابها لدى HSBC في منطقة Midtown Manhattan، وباتت عاجزة عن استخدام بطاقات الائتمان بما فيها تلك الصادرة عن بنوك غير أمريكية. ولم يعد بإمكانها الوصول إلى الخدمات المصرفية إلا في أجزاء من أوروبا وكندا، فيما أسفرت حتى التحويلات الداخلية داخل أوروبا عن رفض الأموال أو تجميدها.
وحين تسافر خارج الاتحاد الأوروبي أو كندا، تصبح رهينة النقد الورقي تماماً، إذ لا تستطيع شراء الدولار الأمريكي أو أي عملة أخرى متى مرّت المعاملة عبر المنظومة المالية الأمريكية. كما طالت العقوبات حساباتها لدى Amazon وGoogle وExpedia، سواء بالتقييد أو الإلغاء الكلّي، مما جعل مهام بالغة الاعتيادية كحجز فندق أو استخدام المواصلات العامة أو طلب بضائع عبر الإنترنت أو استئجار سيارة أجرة أمراً عسيراً أو متعذّراً في أحيان كثيرة. وقد فقدت Prost في الواقع تغطيتها الصحية، إذ رفضت شركة التأمين تسديد مطالباتها الطبية رغم استلامها الاشتراكات، وعجزت عن الحصول على تغطية بديلة من أي مزوّد آخر.
أما Bossa، فقد جُمِّد حسابها لدى UN Federal Credit Union في نيويورك، بما فيه الأموال التي احتفظت بها هناك منذ عام 2003. ولم تعد قادرة على استخدام بطاقات الائتمان أو شراء الدولار أو أي عملة أخرى حين تمرّ المعاملات عبر المنظومة المالية الأمريكية، فضلاً عن عجزها عن سداد الفواتير بالدولار أو تحويل الأموال بين حساباتها المقوَّمة بالدولار. وأفادت الشكوى بأن حجز وسائل النقل الدولية والإقامة بات أمراً شاقاً أو مستحيلاً، كما انقطع عنها الوصول إلى خدمات التكنولوجيا الأمريكية، بما في ذلك حسابها الشخصي على Google.
في المقابل، تمتدّ تداعيات العقوبات على Alapini-Gansou خارج الحدود الأمريكية. فرغم أنها لا تمتلك حسابات مصرفية في الولايات المتحدة، تأثّر حسابها في فرنسا، ولم تعد قادرة على استخدام بطاقتها الائتمانية الفرنسية، مما يُقيّد قدرتها على تغطية نفقاتها الأساسية. وكالقضاة الآخرَين، لا تستطيع إجراء أي معاملات بالدولار عبر المنظومة المالية العالمية، وأصبح حجز السفر والإقامة عقبة جسيمة. كما فقدت هي الأخرى تغطيتها الصحية وعجزت عن إيجاد بديل.
مخاوف أمنية
امتدّت تداعيات العقوبات على Alapini-Gansou لتشمل تقييد حرية تنقّلها؛ إذ باتت عاجزة عن التوجّه سيراً على الأقدام إلى مقرّ المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. ووفقاً للشكوى التي لا تُحدّد مصدر التهديد أصبحت تُنقل بسيارة مع حراسة أمنية، ولم تعد تشعر بحرية التنقّل كما اعتادت، خشية التعرّض لاعتداء جسدي.
وقلّصت Alapini-Gansou زياراتها لبلدها الأصلي بنين في غرب أفريقيا لدواعٍ أمنية. أما السفر داخل أوروبا فقد غدا عبئاً من نوع مختلف: فحيثما حلّت، عليها إخطار السلطات المحلية وترتيب الحماية الأمنية، مما يحوّل الرحلات المهنية الاعتيادية إلى معارك لوجستية مُضنية.
وأسكتت العقوبات بصورة فعلية تواصلَ Alapini-Gansou مع المجتمع المدني؛ فقد توقّفت عن تنظيم الندوات وورش العمل للمنظمات غير الحكومية في أفريقيا، خشية أن تُعرّضها لعواقب قانونية بموجب نظام العقوبات الأمريكي، الذي يُجرّم تقديم الخدمات للأفراد المُدرجين على قوائم العقوبات بعقوبة سجن تصل إلى 20 عاماً بالنسبة للمواطنين الأمريكيين. وفي بعض الحالات، طُلب منها صراحةً عدم المشاركة في فعاليات بعينها.
حظر المشاركة العلمية
بالنسبة لـ Prost، أدّت العقوبات إلى قطع صلتها بالوسط الأكاديمي والقانوني الأمريكي الذي كانت جزءاً منه لسنوات طويلة. فلم تعد قادرة على حضور فعاليات المحاضرات في الولايات المتحدة، رغم أنها كانت تُحاضر في السابق في Columbia University وHarvard University وNew York University وCase Western Reserve University.
وفي أكتوبر الماضي، كان مقرّراً أن تُلقي كلمةً رئيسية في Fordham University ضمن فعاليات «عطلة القانون الدولي» السنوية التابعة للفرع الأمريكي من جمعية القانون الدولي. لم تتمكّن من الحضور شخصياً، وحين سعى المنظّمون إلى ترتيب بديل، مُنعت من المشاركة حتى عن بُعد.
كما اضطرّت إلى تأجيل زيارة مخطّطة لـ Vanderbilt University إلى أجلٍ غير مسمّى، وتخلّت عن خطط حضور المؤتمر السنوي لجمعية القانون الدولي الأمريكية المنعقد في واشنطن في أبريل من هذا العام. وفي اجتماع جمعية الدول الأطراف في ديسمبر 2025 الهيئة الحاكمة للمحكمة يبدو أن المنظمات الحقوقية الأمريكية غير الحكومية تلقّت توجيهات بتقليص تفاعلها معها، مما عزلها عن مجتمع مهني كانت تنتمي إليه بحرية تامة.
وتواجه Bossa عزلاً مهنياً مماثلاً؛ إذ لا تستطيع حضور فعاليات في الولايات المتحدة أو التواصل مع منظمات حقوق الإنسان الأمريكية. أما تقليص Alapini-Gansou لتواصلها مع المجتمع المدني فقد طال قارّتها الأصلية أيضاً؛ فبعد أن كانت تنظّم فعاليات تعليمية في مختلف أرجاء أفريقيا، اضطرّت إلى التخلّي عن هذا العمل كلّياً خشية التبعات القانونية التي قد تتعرّض لها المنظمات التي تتعاون معها.
التداعيات على الأسر
امتدّت تداعيات العقوبات لتطال أسر القضاة الثلاثة، الذين لم تكن لهم أي صلة بإجراءات المحكمة الجنائية الدولية.
فأفراد عائلة Prost في كندا باتوا يخشون السفر إلى الولايات المتحدة وهي وجهة يزورها الكنديون بشكل اعتيادي قلقاً من احتمال التعرّض لتبعات قانونية بسبب الارتباط بشخص مُدرج على قوائم العقوبات.
وتخلّى نجل Alapini-Gansou عن خططه للالتحاق بكلية الحقوق في الولايات المتحدة، في قرار سيُلقي بظلاله على مسيرته المهنية بأسرها. كما اضطرّت إحدى بناتها، العاملة في منظمة دولية غير حكومية، إلى إلغاء رحلات عمل إلى الولايات المتحدة، مما أربك مسيرتها المهنية جرّاء عقوبات موجّهة في الأصل إلى والدتها.
وعلى الرغم من هذه التداعيات الجسيمة، واصل القضاة الثلاثة أداء مهامهم وفاءً لقَسَم الوظيفة. وقد جاء في الشكوى: «واجه القضاة Prost وBossa وAlapini-Gansou هذا الضغط الهائل بصمود، لأنهم ملتزمون بصون سيادة القانون، بما في ذلك أداء واجباتهم القضائية بأمانة واستقلالية، رغم الثمن الشخصي الباهظ الذي يدفعونه».
أخبار ذات صلة

دمشق تسعى لطمأنة بيروت وسط ضغوط أمريكية على سوريا لمواجهة حزب الله

حزب الله: تظاهرات في بيروت احتجاجاً على الاتفاق مع إسرائيل

بوركينا فاسو تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا حليفتها السابقة
